حول المؤتمر الأول للمعماريين المصريين

  العمارة الديمقراطية .. والأمل

 

دكتور عبد الباقى إبراهيم

رئيس مركز الدراسات التخطيطية والمعمارية

 

 

انعقد المؤتمر الأول للمعماريين المصريين في الفترة من 20 إلي 22 إبريل 1985م واشترك فيه حوالي أربعمائة معمارى مصرى حضروا من كل أنحاء مصر ولأول مرة في تاريخ العمارة المصرية ليتدارسوا حاضر العمارة المصرية ومستقبلها بعد فشل مؤتمر الاتحاد الدولي للمعماريين الذي عقد في القاهرة في يناير 1985 في ايصال رسالته للمعمارى المصري الذي استضافه علي أرضه ....

 

 

لقد أظهر المؤتمر الأول للمعماريين المصريين قدرة المعمارى المصرى علي العطاء الذاتي دون توجيه خارجي أو دعم مالي .. كما أظهر قدرة المعمارى المصرى علي تحريك القوالب التنظيمية الراكدة مهنيا وعلميا ودفعها الي الأمام بحثا عن مستقبل أفضل للعمارة والمعماريين المصريين. والمؤتمر بهذه الصورة المشرفة وبهذا المستوى العالمي في العطاء والتنظيم يعتبر علامة في تاريخ العمارة المصرية. فهو يفصل بين مرحلة الركود الذي خيم علي الحركة المعمارية في مصر منذ ثلاثين عاما ومرحلة الانطلاق المهني والعلمي الذي بدأته لجان العمل المختلفة المنبثقة عن المؤتمر الأول لتقدم دراساتها إلي المؤتمر الثاني للمعماريين المصريين في إبريل من عام 1986 م.

 

 

هذا المؤتمر تعبيراً ديمقراطياً عما يجيش في نفوس المعماريين المصريين من مرارة وألم لما أصاب التراث المعمارى المصري من تحلل واندثار، ولما أصاب الثروة البنائية القائمة من تخلف واضمحلال ولما أصاب المنظمات المهنية والعلمية القائمة من تعثر وانغلاق، في هذا الجو القاتم قامت مجموعة من المعماريين المصريين بهذه الصحوة المعمارية تدعو إلي التجمع في مؤتمر يكون بداية لمؤتمرات سنوية مستقبلة وهذا ما حدا بهم الي تسمية تجمعهم بالمؤتمر الدائم للمعماريين المصريين، واندفع خلفهم جموع المعماريين من كل أنحاء مصر مشاركين بالاشتراكات والتبرعات ونظمت المجموعة القيادية برنامج المؤتمر وأبحاثه ومطبوعاته ثم دعت المنظمات المهنية والعلمية القائمة للانضمام لها في هذه المسيرة المعمارية المباركة فلبت الدعوة وأيقنت أن الجميع يتبارون في العطاء ولا يتبارون إلي المناصب وأن هدفهم الأسمي هو الارتقاء بالمستوى الحضارى للعمارة والمعماريين في مصر .

 

 

بدأت جلسات المؤتمر تشرح الحالة المهينة التي وصلت إليها حالة العمارة والعمران في مصر تنظيميا ومهنيا وفنيا وعلميا وتبحث عن وسائل الخروج من هذا المنحدر الحضارى، فقد تم مراجعة ما هو قائم في أنحاء العالم من نظم مهنية وعلمية وتعليمية وما يجرى حولنا في المنطقة العربية من متغيرات وتطورات مهنية وعلمية وذلك بهدف إضاءة بصيص من الأمل أمام شباب المعماريين المصريين الذين شاركوا في أعمال المؤتمر وعبروا عن يأسهم وآلامهم لما يجرى علي الساحة المعمارية في مصر كما عبروا عن حالة الضياع التي يعانون منها في الحاضر القاتم والمستقبل الغامض واستمرت جلسات المؤتمر بمشاركة موضوعية بناءة من جميع المشاركين من شباب المعماريين وشيوخهم بل ومن طلبة العمارة وأساتذتهم، فقام شباب المعماريين الذين عبروا عما أصابهم من يأس في بداية أعمال المؤتمر ليعبروا عما أحسوا به من أمل في نهايته التي أعتبرت بداية للأعمال التحضرية للمؤتمر الثاني للمعماريين المصريين الذي سوف يعقد في القاهرة في إبريل 1986.بل والأكثر من ذلك سارع بعض من شباب المعماريين إلي التبرع بمئات الجنيهات للإعداد للمؤتمر القادم.

 

 

وهكذا حولت ديمقراطية العمل وحرية الفكر والقدوة الحسنة .. حولت الجمود إلي عمل كما حولت اليأس إلي أمل .. أمل في مستقبل أفضل للعمارة والمعماريين المصريين هذا الأمل الذي تبلور في الاقبال الشديد علي مجموعات العمل السبع التي حددها المؤتمر لتقوم بنشاطها علي مدى عام كامل تقدم في نهايته أعمالها إلي المؤتمر الثاني للمعماريين المصريين ولم ينس المؤتمر في جلسته الختامية أن يذكر شباب المعماريين بالراحلين من رواد العمارة المصرية الذين كرموا علي ما بذلوه في سبيل الارتقاء بالعمارة المصرية المعاصرة. وهكذا بدأ شباب المعماريين المصريين وكأنهم يصنعون التاريخ المعمارى في مصر المعاصرة بهذه الصحوة المباركة .. وما ذلك إلا في ظل حرية الفكر وجدية العمل وطهارة القصد والاعتماد علي الله ثم علي النفس وهكذا بدأ المعماريون المصريون يجمعون أنفسهم علي قلب رجل واحد ولخير وطنهم بعد أن كانت تجمعهم المنظمات الأجنبية التي تدعي العالمية أو الدولية ليتدارسوا حالهم في ماضيهم وحاضرهم.

 

 

لقد أجمع المؤتمرون علي ضرورة عرض المشروعات المعمارية والتخطيطية ذات الصبغة القومية علي جمهور المعماريين ليقولوا رأيهم فيها وليأكدوا ديمقراطية القرار الذي يتخذ بشأنها كما أجمع المؤتمرون علي ضرورة تطوير التعليم المعمارى وإنشاء كليات مستقلة للعمارة في بعض الجامعات بالتوازى مع أقسام العمارة في الجامعات الأخرى مع ضرورة زيادة سنوات الدراسة المعمارية واختيار الراغبين فيها مع امكانية تخريج فئة المساعد المعمارى الذى يشرف علي تنفيذ الأعمال المعمارية بعد دراسة ثلاث سنوات جامعية في هندسة المباني ثم يستمر المؤهلون بعد ذلك في استكمال الدراسة المعمارية لمدة عامين أو ثلاثة أخرى. كما أجمع المؤتمرون علي أن ممارسة المهنة لابد أن يسبقها سنتان يتدرب فيها المعمارى قبل أن يؤهل للممارسة حتي يتعرف علي الجديد في عالم البناء. ولم يترك المؤتمرون موضوع الجوائز المعمارية فأجمعوا علي ضرورة انشاء جوائز معمارية بشروط معينة يتقدم لها المعماريون المصريون لتكون دافعا لهم علي الابداع والعطاء والبحث العلمي .. وهكذا بدأ المعماريون المصريون مرحلة جديدة في تاريخ العمارة المصرية.

 

 

ومع نهاية أعمال المؤتمر الأول للمعماريين المصريين بدأ العمل للتحضير للمؤتمر الثاني فقد تم اختيار السكرتير العام للمؤتمر الثاني، كما تشكلت اللجنة التنفيذية التي انبثقت عنها السبع لجان تبحث الأولي في التنسيق بين المنظمات القائمة والمكونة للمؤتمر الدائم للمعماريين المصريين، وتبحث الثانية في إعداد ميثاق شرف المهنة وتبحث الثالثة في دراسة وتطوير نظم الممارسة، وتبحث الرابعة في إعداد المستندات والعقود المهنية، وتبحث الخامسة في التعليم المعمارى وتبحث السادسة في التأليف والترجمة والنشر، وتبحث السابعة في نظم الجوائز والمسابقات المعمارية. ومن خلال اللجنة التنفيذية انبثقت مجموعة عمل تسعي إلي إنشاء دارة للعمارة تتسع للمؤتمرات السنوية والمعارض المعمارية ومواد البناء واستعمالاتها وطرق المساهمة الذاتية في الاسكان وطرق المساهمة الذاتية في الاسكان، وغير ذلك من أنشطة تسعي إلي تغيير الوجه المعمارى القاتم إلي وجه مشرق بالأمل كما تبحث مجموعة العمل أيضا طرح المشروع في مسابقة بين شباب المعماريين مع إمكانية مساهمة طلبة العمارة في الجامعات المصرية وهم حوالي ثلاثة آلاف طالب في عمليات البناء أثناء العطلات الصيفية كجزء من تدريبهم العلمي وهم بذلك يساهمون به في بناء مستقبلهم المهني والعلمي وسوف يمول المشروع بتبرعات المعماريين المصريين في مصر والخارج، هذا بالاضافة إلي إنشاء مؤسسة للتأليف والنشر المعمارى لملء فراغ الساحة المصرية والعربية من الكتب والدوريات حتي تنبع النظرية المعمارية المحلية من تراب مصر أم كل الحضارات هكذا تنبه المعماريون المصريون إلي أن أرض مصر هي نبع لكل خير .. ولكل أمل في مستقبل أفضل .. هكذا بدأ المؤتمر الأول للمعماريين المصريين باليأس الذي ما لبث أن تحول إلي أمل ثم إلي عمل في جو من ديمقراطية الفكر وطهارة القصد والاعتماد علي الله ثم علي النفس.                                



عن المركز :: نطاق الخدمات :: مشروعات المركز :: الدورات التدريبية :: الأنشطة الثقافية :: مجلة عالم البناء
أخبار المركز ::خريطة الموقع :: إتصل بنا
English