البعد المكاني
في الخطة الخمسية الثانية والقرار صعب
دكتور
عبد الباقي إبراهيم
رئيس مركز الدراسات التخطيطية
والمعمارية
وكبير
خبراء الأمم المتحدة في التنمية العمرانية
وأستاذ التخطيط ورئيس قسم العمارة
بجامعة عين شمس سابقا
22/12/1985
مقدمة
ظهر
البعد المكاني لأول مرة في تاريخ التخطيط القومي في مصر كمحور رئيسي من المحاور
الثلاثة التي تحدد الملامح الرئيسية للخطة الخمسية الثانية مع البعد السلوكي
للإنسان المصري والبعد الإقليمي والدولي لمصر – جاء ذلك في كلمة السيد نائب رئيس
الوزراء وزير التخطيط والتعاون الدولي التي ألقاها في الندوة العلمية التي نظمها
معهد التخطيط القومي عن هذا الموضوع مساء الاثنين 16ديسمبر 1987, وقد أسهب السيد
وزير التخطيط في شرح الجوانب الاقتصادية والاجتماعية خاصة فى مجال الإنتاج
والاعتماد علي الذات ثم حاول سيادته بعد ذلك تفسير البعد المكاني وضرورته لاستيعاب
الزيادة السكانية المنتظرة في فترة تنفيذ الخطة الثانية والمقدر لها سبعة ملايين
نسمة, وقد تستطيع التجمعات السكنية القائمة من مدن وقرى استيعاب مليونين منها ولكن
لابد من استيعاب الخمسة ملايين المتبقية في تجمعات سكنية جديدة تبني علي أساس
المقومات الاقتصادية المتكاملة والمتنوعة الموارد بنسب تحددها المقومات الجغرافية
والبيئية, وأشار السيد الوزير إلي أن التجمعات الجديدة لابد وان تبعد عن الوادي
بما يسمح بالاستقرار والاستيطان وليس في صورة المدن الجديدة القريبة من المدن
الكبرى أو الضواحي السكنية التي تزيد من المشاكل العمرانية في المدن القائمة علي
ألا يتعدى حجم المجتمع الجديد ربع مليون نسمة, وبحسبة بسيطة وصل السيد الوزير إلي
تحديد عدد هذه التجمعات بعشرين, هذا من قبيل التقدير العام لإيضاح حجم المشكلة
وليس بالضرورة اعتبار هذه الأرقام نهائية، فالمنطق العلمي للتخطيط الإقليمي يهدف
إلي إيجاد نظام حصري للتجمعات الجديدة يحدد لكل منها حجمه ووظيفته في ضوء علاقته
الوظيفية بالنظام الكلي الذي يحكم العلاقة بين مجموع التجمعات الجديدة في المنطقة
التخطيطية الواحدة.
غياب البعد المكانى فى الخطط السابقة :
والبعد
المكاني في الخطة الخمسية الثانية يعتبر في حقيقة الأمر هو المحور الرئيس للتنمية
القومية علي المدى القريب أو البعيد. فقد أثبتت السنوات الماضية إن إغفال البعد
المكاني من برامج التنمية القومية السابقة بالرغم من التحذيرات المتتالية قد أدى
إلي تركز كل المشاكل في المدن والقرى القائمة التي تعاني من داء التضخم
والتزاحم.فالإنفاق الضخم علي المرافق العامة في الخطة الخمسية الأولي ما هو في
الواقع إلا نتيجة لتراكمات الماضي الذي اغفل فيه المخططون البعد المكاني في برامج
التنمية المتتالية الأمر الذي تسبب في معظم المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي
أصابت المجتمع ومعظم المشاكل البيئية التي أصابت المدن والقرى واوصلتها إلي حالة
من الشلل التام الذي يتطلب علاجه أمولا باهظة تؤثر بالتبعية علي قدرة برامج التنمية
الاقتصادية الاجتماعية علي مر السنين الماضية كان هو السبب الأساسي في تدهور مدن
وقرى مصر حضاريا وبيئيا فالمدينة ليست شوارع ومباني صماء ولكنها عضو حي يحي ويموت
بحياة وموت المجتمع الذي يعيش فيها.
مفهوم البعد المكاني في الخطة الخمسية الثانية
وإذا
كان ذكر البعد المكاني كمحور أساسي من المحاور الثلاثة التي تبني عليها الخطة
الخمسية الثانية يبعث بصيصا من الأمل في المستقبل المنتظر إلا أن مكونات هذا البعد
في الخطة لابد وان يبني علي أساس علمي سليم ويأخذ حقه من العناية والدراسة, فهو
ليس رسم خريطة اقتصادية لكل محافظة يوضح عليها كافة مشروعاتها سواء المقامة بمعرفة
القطاع العام أو الخاص أو عدم إضافة مشروعات جديدة ذات أحجام كبيرة علي شريط
الوادي القديم واستيعابها في مواقع جديدة لمجتمعات جديدة. ولكن البعد المكاني من
الناحية العلمية هو حركة مستمرة تدفع الفائض السكاني من الوادي الضيق إلي
المجتمعات الجديدة حركة تحكمها الروابط الاجتماعية القديمة التي تساعد علي استقرار
الحياة في المناطق الجديدة حركة تشدها قوة الجذب في المناطق الجديدة من طرف
وتدفعها قوة الطرد من الطرف الآخر في المدن والقرى القائمة, ويعني ذلك أن تنمية
المناطق لابد وأن تأخذ الأولوية في برامج التنمية حتى إذا ما استقر فيها الاستيطان
يمكن أن يتبعها تنمية المناطق القديمة. وإذا كان هذا المنهج العلمي يتعارض مع بعض
الأهداف السياسية التي تحركها مجموعات الضغط من الذين ينتمون إلي المدارس السياسية
المختلفة ألا انه هو السبيل الوحيد لإنقاذ السفينة من الغرق. ويعني ذلك إن النشاط
السياسي لابد وان يسعى إلي إبراز الخطر الداهم الذي سوف تتعرض له المدن والقرى
القائمة عاجلا أو آجلا إذا استمرت الأمور فيها تسير علي نفس المنوال الذي أوصلها
إلي حالتها الحاضرة. هذا المنوال الذي أتخم المدن والقرى الحالية بمشروعات
الجامعات الإقليمية والمصانع المحلية والمشروعات الخدمية وما تبعها من خدمات
ومرافق زادت من معدل استقطاع الأراضي التي تغذي الإنسان المصري حتى أصبح يستدين
ليأكل، هذا المنوال الذي مزق الرقعة الزراعية بالطرق السريعة التي جذبت علي
جوانبها العمران في كل مكان والذي ساعد علي تركيز 40% من استثمارات الدولة في
مدينة كالقاهرة تضم ربع سكان مصر هذا الفكر الذي يواجه المشاكل بالحلول العاجلة في
سبيل إرضاء الرغبات الوقتية للشعب واكتساب تأييده السياسي, هذا الفكر الذي يخشى
الحقيقة ويخفيها عن الشعب, هذا الفكر الذي يتفاعل مع المتطلبات العاجلة لتسكينها
دون إدراك للمشاكل المستقبلية المترتبة عليها.
والبعد
المكاني في الخطة الخمسية الثانية وهو يهدف إلي إعادة توزيع الفائض السكاني علي
المناطق الجديدة كاستراتيجية عمرانية لن يتأكد إلا بتوزيع الاستثمارات بالأسلوب
الذي يحقق هذه الغاية. وبذلك يمكن توجيه المشروعات الجديدة التي يقيمها القطاع
العام أو القطاع الخاص علي أساس نتائج دراسات الجدوى إلى تحقيق أكبر قدر من أهداف
الاستراتيجية العمرانية أكثر منها تحقيق أكبر قدر من العائد الاقتصادي, من هنا
لابد من إيجاد الصيغة الاقتصادية المتوازنة التي تحكم مواقع المشروعات الجديدة
فتحقيق أكبر قدر من الدخل القومي علي المدى الزمني القصير لابد وان يوازنه علي
الكفة الثانية تحقيق أكبر قدر من أهداف الاستراتيجية العمرانية علي المدى الزمني
الطويل هنا يمكن أن يمثل البعد المكاني في الخطة الخمسية الثانية محورا مؤثرا علي
مستقبل مصر… فليس بزيادة الدخل فقط تبني الأمم.
البعد المكاني والتنظيمات الإدارية
إن
فاعلية البعد المكاني في تنفيذ الخطة الخمسية الثانية لن تظهر فقط في أرقام الخطة
وخرائطها ولكنها تظهر ايضا في التنظيمات التي تساعد علي تحقيق أهداف هذا البعد
المكاني. والمكان في مصر تتجاذبه العديد من الهيئات والمؤسسات كل منها يسعى إلي
تحقيق غاية واحدة تحددها اللوائح والقوانين التي تحرك هذه الهيئات أو المؤسسات وان
تعارضت هذه اللوائح وهذه القوانين كما هو حادث بين قانون التخطيط العمراني وقرارات
تحديد الحيز العمراني للمدن والقرى. أو ما هو واضح من تكرار اختصاصات الهيئة
العامة للتخطيط العمراني في تنمية القرى ( اقتصاديا واجتماعيا وعمرانيا )
واختصاصات جهاز تخطيط وتنمية القرية – أيضا - ( اقتصاديا واجتماعيا وعمرانيا ) أو
ما هو واضح فى مسئولية وزارة التخطيط عن تحديد الأقاليم التخطيطية الاقتصادية
وتنميتها ومسئولية وزارة التعمير في تحديد الأقاليم التخطيطية للتعمير وبناء
المجتمعات الجديدة فيها. وبعد كل ذلك يظهر دور أجهزة القوات المسلحة التي تضع
الاستراتيجية الدفاعية عن كافة الأرض الصحراوية والزراعية والتي ارتأت وقف إقامة
بعض المدن الجديدة لعدم مناسبة مواقعها لخططها الدفاعية. هنا يمكن البحث عن دور
وزارة التخطيط – أو بمعني أدق الجهاز المركزي للتخطيط – الذي يضمن فاعلية البعد
المكاني في تنفيذ الخطة الخمسية الثانية دون تضارب بين اختصاصات الأجهزة المعنية
التي تتعامل مع المكان، فالبعد المكاني في الخطة الخمسية الثانية بهذا المنطق سوف
يحول المفهوم العام لبرامج التنمية الاقتصادية الاجتماعية إلي برامج التنمية
الاقتصادية الاجتماعية والعمرانية معا وبهذا يتحقق التكامل بين جناحي التنمية بنفس
المنهج وبنفس الهدف الذي تمخضت عنه دراسات خبراء الأمم المتحدة منذ أكثر من اثني
عشرة عاما.
البعد المكاني وسياسة الإسكان والتعمير
إن
البعد المكاني في الخطة الخمسية الثانية سوف يؤثر بالتبعية علي سياسة الإسكان في
الدولة. والإسكان هنا يمثل العصب الرئيسي في بناء المجتمعات الجديدة الذي يتطلبها
البعد المكاني في الخطة. من هنا لابد وأن ترتبط مشروعات الإسكان بمشروعات الإنتاج
سواء في الوفرة أو في المكان إذ لابد وان تتحول مشروعات الإسكان من مجرد إعداد
الأراضي للتعمير وتوفير المواد اللازمة للبناء وإطلاق العنان للقطاع الخاص ليبني
كما يشاء, ومن مجرد توفير اعداد من وحدات الإسكان الشعبي في المناطق الخالية في
المدن أو فيما حولها إلي سياسة عامة للاستيطان تربط السكن بمكان العمل في كلا من
المجتمعات الجديدة والقديمة مع سياسة عامة لأسس تخطيط وتصميم وبناء الإسكان الجديد
بما يتناسب مع البيئة الصحرواية واستعمال المواد المحلية وتنظيم المشاركة الشعبية
في عمليات البناء وأكثر من ذلك الاعتماد علي التكنولوجيا المتوافقة وتوفير الطاقة
التي كادت تنضب في مصر, كما يتطلب الأمر إعادة النظر كلية في نظام الإسكان
التعاوني الحالي الذي إلي أسلوب للمتاجرة في المساكن بعد الحصول علي القروض
الميسرة للبناء في أي مكان وبأي أسلوب وبأي نمط. من هنا يمكن ربط نظام الإسكان
التعاوني من ناحية ونظام الخدمات التعاونية من ناحية أخرى وذلك في مستوطنات
متكاملة حتى يتسع نظام الإسكان التعاوني ليغطى اكبر نسبة ممكنة في خطط الإسكان
وذلك عي حساب حجم الإسكان الخاص, وعلي الجانب الآخر يتحول إسكان ذوى الدخل المحدود
إلي مفهوم آخر هو إسكان من يسعى ويعمل علي زيادة الدخل من ذوى الدخل المحدود وبذلك
يمكن استثمار مشروعات إسكان ذوى الدخل المحدود الذي توفره الدولة كوسيلة لزيادة
الإنتاج علي أساس أن الدولة تساعد من يساعد نفسه, ومن هنا يمكن توفير اكبر عدد من
الوحدات السكنية في صورة القشرة الخارجية
مع ترك المساحة الداخلية للساكن ينظمها وينهيها كيفما يشاء تبعا لجهده الخاص وعلي
قدر المدخرات التي يوفرها. وبذلك تستطيع الخطة الخمسية الثانية أن تضاعف من أعداد
الوحدات السكنية في الصورة القشرة بنفس تكاليف الوحدات السكنية الكاملة. وهنا تكمن
أهمية عامل الاقتصاد في البناء سواء في مشروعات الإسكان أو في مباني الخدمات أو
المباني العامة التي ظهر فيها الإسراف في التصميم والتنفيذ بصورة كبيرة تمثل حجما
كبيرا من الفاقد في قطاع يمتص حوالي 48% من جملة الاستثمارات القومية الأمر الذي
يستدعي مراجعة كاملة لدور هذا القطاع في ضوء البعد المكاني للخطة الخمسية
النهائية.
مصادر البيانات لتحديد البعد المكاني
والبعد
المكاني في الخطة الخمسية الثانية أيضا يحتم العودة إلي العديد من الدراسات التي
تمت في مصر في هذا الشأن ومحاولة جمعها كمراجع للدراسات التفصيلية التي سوف توضع
لتحدد مكونات البعد المكاني في الخطة وهنا لابد من الإشارة إلي هذا العدد الضخم من
الدراسات التخطيطية التي تمت بواسطة أجهزة مختلفة محلية وأجنبية في مناطق مختلفة
بمفاهيم وأهداف مختلفة وتمثل نماذج مختلفة لإهدار الجهد والمال في وقت تستدين فيه
الدولة لتطعم أبنائها الأمر الذي يستدعي جمع هذه الدراسات بواسطة أجهزة قادرة علي
التعامل مع البيانات والمعلومات التي تضمها ففيها حصيلة وافرة يمكن ان تكون قاعدة
أساسية للمعلومات التي تساعد علي توضيح البعد المكاني في الخطة الخمسية الثانية.
فهناك دراسة السياسة القومية للتعمير والتي تكلفت مليون ونصف دولار من المعونة
الفنية الأمريكية ونصف مليون جنيه مصري من الحكومة المصرية وتزدحم بها إدارج
الجهاز المركزي للتعمير بوزارة التعمير. ثم هناك دراسة الإسكان وصناعة البناء في
مصر التي قام بها الأمريكان مع جامعة القاهرة لا تجد من يستفيد منها. ودراسة
التخطيط الإقليمي لمنطقة القناة التي أشترك فيها برنامج التنمية للأمم المتحدة
شاملة التخطيط الصناعي والتخطيط السياحي, وهناك دراسات تدريب القوى العاملة في
صناعة البناء في إقليم قناة السويس بالتعاون مع المعونة الدانمركية, ودراسة جدوى
التكامل الزراعي في إقليم القناة, والدراسة الإقليمية لبحيرة المنزلة بالتعاون مع
الأمم المتحدة, والدراسة الخاصة بالتخلص من الفضلات في إقليم القناة، ثم دراسة
التخطيط الهيكلي لمحافظة السويس بالتعاون مع المعونة النرويجية, ودراسة القوى
العاملة في إقليم القناة, وفي جنوب مصر هناك الدراسة الإقليمية لتنمية بحيرة السد
العالي بالتعاون مع أجهزة المعونة الفنية اليابنية ومشروع المزارع التجريبية
بمنطقة كلابشة. وعلي الجانب الشرقي لمصر هناك دراسة التخطيط الإقليمي لمحافظة
البحر الأحمر بالتعاون مع وكالة التنمية الفرنسية, وفي الشمال هناك دراسة الساحل
الشمالي الغربي, وفي اغلي بقعة في مصر تمت دراسة التنمية القليمية لسيناء بالتعاون
مع المعونة الأمريكية. هذا بخلاف الدراسة الإقليمية للوادي الجديد ومخططات مدن
بورسعيد والاسماعلية والسويس والعاشر من رمضان والسادات ودمياط الجديدة ثم إقليم
دمياط وتجديد مخططات القاهرة وضواحيها ثم التخطيط الإقليمي لمنطقة الفرارة ويجرى
الآن إعداد الدراسة الإقليمية لمنطقة ميناء دمياط وما حوله. وبحسبة بسيطة يمكن
القول بأن الدولة قد أنفقت علي هذه الدراسات حوالي 9 مليون جنيه بالإضافة إلي قيمة
المعونات الأجنبية التي بلغت حوالي 13 مليون دولار و 2 مليون إسترليني و 9 مليون
فرنك فرنسي و 10.5 مليون كرونة دانمركي و 3.7 جلدر هولندي، هذا بالإضافة إلي
تكاليف مشروعات أخرى تزخر بها مخازن وزارة التعمير, ثم هناك الدراسات الإقليمية
التي قامت بها وزارة التخطيط من ناحية أخرى للإقليم التخطيطي لجنوب الصعيد
بالتعاون مع الأمم المتحدة وهو الإقليم الممتد من وادي النيل غربا حتى البحر
الأحمر شرقا, وهناك دراسات عن تخطيط النقل والمواصلات علي المستوى القومي قامت بها
وزارة النقل. كما تقوم وزارة الزراعة من جانبها بتحديد حدود امتدادات المدن والقرى
بالاستعانة بالخرائط الجوية التي يعدها مركز الاستشعار من بعد وغير كل ذلك من
دراسات وما خفي كان أعظم, ويعني ذلك إهدار للجهد والمال في دراسات تمس البعد
المكاني لخطط التنمية القومية دون أن تجد من يستفيد منها في وضع برامج التنمية
الاقتصادية الاجتماعية والعمرانية التي تتحول بالتبعية إلي مشروعات واستثمارات
يخصص لكل وزارة تنفيذية نصيبا منها للتنفيذ ولن يصلح هذا الحال إلا بإنشاء الجهاز
المركزي للتخطيط الذي تصب فيه كل البيانات والإحصاءات والمخططات العمرانية لمصر
وتخرج منه برامج التنمية الاقتصادية الاجتماعية والعمرانية بصورة متكاملة والأمر
لا يتطلب إلا التجرد من الحساسية والبيروقراطية حتى يرتفع الصالح العام فوق كل
اعتبار هنا تظهر شجاعة القرار قبل أن تغرق السفينة بمن عليها… وان في الماضي
القريب لعبرة.
ومن
الغريب أن نجد عددا من الجهات الرسمية وهي تعمل منفصلة علي أيجاد الصيغة العلمية
والتطبيقية للبعد المكاني في خطط التنمية القومية, ففي الوقت الذي يعد فيه معهد
التخطيط القومي لعقد ندوة علمية تجمع كل الجهات التي تتعامل مع المكان سواء في
وزارة التعمير أو الحكم المحلي أو الزراعة أو القوات المسلحة بهدف البحث عن صيغة
لمعالجة الاختصاصات المشتركة بينها ووضع الأسلوب الذي يضمن تنسيق العمل بينها نجد
هناك لجنة في وزارة التعمير تبحث عن صيغة أخرى لتأكيد البعد المكاني في خطط
التنمية القومية. كما نجد أيضا اهتماما خاصا من بعض أعضاء مجلس الشورى لإعداد
دراسة أخرى تحدد محاور التنمية العمرانية خارج المناطق المأهولة بالسكان في الوادي
الضيق. كما يدعي البعض الآخر قدرتهم علي إعداد مخطط شامل لمصر في ستة أشهر إذا طلب
منهم ذلك. وغير ذلك من الاهتمامات والمحاورات المتناثرة التي لا يجمعها فكر واحد
أو جهاز واحد ويبقي جسد مصر محلا للتجارب.
البعد المكانى والتقسيمات التخطيطية الإدارية :
ويظهر
البعد المكاني في خطط التنمية القومية بعد كل ذلك في إطار التنمية الإقليمية
للأقاليم التخطيطية التي تحددها وزارة التخطيط ويعني ذلك أن تأكيد البعد المكاني
في التنمية القومية لابد وأن يرتبط بأجهزة التنمية ألإقليمية الأمر الذي لم يتبلور
بعد في إطار الهيكل التنظيمي لأجهزة التخطيط المحلي وإذا كان هناك دراسات تجرى في
الوقت الحاضر لتنظيم أجهزة التخطيط القومي فقد سبق أن أعدت دراسات أخرى لتنظيم
أجهزة التخطيط المحلي قامت بها الهيئة العامة للتخطيط العمراني آخذة في الاعتبار
الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية معا والمستوى المحلي في هذه الدراسة
كان يتمثل في التقسيم الادراي للمحافظات لتقسيمات إدراية. وعلي صعيد آخر يناقش
المجلس الأعلى للحكم المحلى إعادة النظر في التقسيمات التخطيطية والإدارية القائمة
بهدف إيجاد صيغة جديدة للتقسيمات التخطيطية الإدارية وقد سبق ذلك دراسات عديدة في
هذا المجال ولم تلتقي علي صيغة واحدة فالأقاليم التخطيطية التي رسمتها وزارة
التخطيط وأجرت في بعضها بعض الدراسات تتعارض مع أقاليم التنمية التي رسمتها وزارة
التعمير وتجرى فيها دراستها التخطيطية بمفهوم آخر مع أن الدراسات في كلا الجانبين
تتعرض لنفس الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية أي المكانية لكل إقليم
وهكذا تستمر مصر حقلا لكل التجارب… وسوف يبقي البعد المكاني في التنمية القومية
خيالا ما لم تتحول الأقاليم التخطيطية إلي أقاليم إدارية تتحقق في إطارها برامج
التنمية الاقتصادية الاجتماعية والعمرانية. وهنا يتحدد عدد المحافظات الإدارية
بعدد الأقاليم التخطيطية ويصبح لكل إقليم مجلسه المحلي ووزارته المحلية و برامجه
المحلية وعاصمته المحلية وهنا ترتبط الخطط المحلية بالخطط الإقليمية بالخطط
القومية. أما المدن التي كانت عواصم للمحافظات ولم تختار كعواصم للأقاليم
التخطيطية فتتحول إدارتها إلي البلديات المحلية وبذلك يعود نظام البلديات مرة أخرى
إلي المدن المصرية ليعيد إليها وجهها الحضاري الذي فقدته علي مدى الربع قرن الماضي…
ويبقي هنا القرار الشجاع الذي يقر الخطة الخمسية الثانية ليقر التقسيمات التخطيطية
الإدارية التي تضمن فعالية البعد المكاني للخطة, ورسم الخريطة الجديدة لمصر
المستقبل… و لا يقوى علي هذا القرار الصعب إلا الشجاع المؤمن بمستقبل بلده.