تطوير نظام
الحكم المحلي لدعم التنمية القومية
تحويل الأقاليم
التخطيطية إلي محافظات اقل عدداً وأكثر فاعلية
دكتور عبد الباقي إبراهيم
رئيس
مركز الدراسات التخطيطية والمعمارية
وكبير خبراء الأمم المتحدة في
التنمية العمرانية
وأستاذ التخطيط ورئيس قسم العمارة
بجامعة عين شمس سابقا
الحكم
المحلي بنظامه الحالي لا يعدو أن يكون تطويرا لنظام المديريات الذي كان معمولاً به
قبل الستينات.. ونظام المديريات أقيم قبل ذلك للتحكم في نظم الري وجباية الضرائب
والحصر السكاني وتوزيع الخدمات التعليمية والصحية, وكان يعتمد في الأساس علي نظام
الأمن الداخلي حيث قسمت الدولة إلي مديريات يرأس كل مديرية ضابط شرطة كبير وتنقسم
المديريات إلي مراكز يرأس كل منها مأمور مركز وهو أيضا ضابط شرطة أقل رتبه. وهكذا
جاء النظام الجديد للحكم المحلي ليقيم المدير ويحل محله المحافظ ممثلا لرئيس
الجمهورية ويحكم عمله مجلس محلي من ممثلي الشعب كبرلمان مصغر.. ويتضمن جهاز
المحافظة مديريات للخدمات مثل الإسكان والمرافق والصحة والتعليم والتأمينات
الاجتماعية والطرق, ومديريات للإنتاج مثل الزراعة والصناعة إن وجدت, وهي مديريات
تنفيذية و لا يوجد في جهاز المحافظة جهاز للتخطيط المحلي للمحافظة.. وذلك لأن
وزارة التخطيط المركزية قد قسمت الدولة إلي تسع أقاليم تخطيطية يضم كل منها مجموعة
من المحافظات وعينت في كل إقليم وكيلا للوزارة لشئون التخطيط الإقليمي و لا يعرف
حتى الآن بالتحديد دور أجهزة التخطيط الإقليمي التي لم تستكمل مقوماتها الفنية
وهياكلها التنظيمية والإدارية. وهنا تصبح عملية التنمية القومية مركزية في المقام
الأول مع مباشرة هامشية علي المستوى المحلي, فقد قسمت الدولة إلي عدد من الأقاليم
التخطيطية في وقت ظهرت فيه الدعوة إلي ضرورة قيام التخطيط الإقليمى. كهمزة وصل بين
التخطيط القومي والتخطيط المحلي.. هذا في الوقت الذي لم يكن هناك تخطيطا محليا علي
مستوى المحافظات وما فيها من مدن وقرى.. وجاء القرار تقسيم الدولة إلي أقاليم
تخطيطية لها كياناتها الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية من وجهة نظر خبراء وزارة
التخطيط التي عارضها خبراء ومستشاري وزارة التعمير.. وتداخلت المفاهيم كما تداخلت
الأقاليم, وأصبح الحكم المحلي شكلا لا موضوعية فيه إلا تنفيذ القرارات المركزية
التي تحدد حجم الاستثمارات ومجالات التنمية لكل محافظة عن طريق ممثل وزارة التخطيط
في الإقليم التخطيطي.
من
ذلك تصبح الإقليم التخطيطية كيانات جغرافية أكثر منها كيانات للتنمية الإقليمية..
هذا في الوقت الذي لا يمكن قيام أقاليم تخطيطية في الدول النامية دون أن تكون في
نفس الوقت كيانات إدارية وتنظيمية تستطيع أن تخطط إقليميا وتنفذ إقليميا وذلك في
إطار الاستراتيجية القومية بجوانبها الثلاثة المتكاملة اقتصاديا واجتماعيا
وعمرانيا, فقد ظل الجانب العمراني منفصلا عن الجوانب الاقتصادية والاجتماعية طوال
المرحلة الماضية الأمر الذي اضعف قدرة الخطط القومية اقتصاديا واجتماعيا فقط علي
تحقيق الاستراتيجية العمرانية للدولة, وتسبب ذلك في معظم المشاكل القائمة في مصر
بسب زيادة الضغط السكاني على الرقعة السكانية المحدودة في الوادي الضيق, وحتى
المدن الجديدة التي أقامتها وزارة التعمير فهي لا تزال تمثل كيانات منعزلة لا تدخل
في إطار الاستراتيجية القومية المتكاملة اقتصاديا واجتماعيا وعمرانيا.
وتنتهي
النتيجة إلي ضعف الحكم المحلي بصورته القائمة وذلك بسب ضعف أجهزته التي لم تستكمل
مقومتها الإدارية والتنظيمية بعد كل هذه السنين الطويلة. والثورة الحالية لا تبشر
بخير إذا ما أستمر نظام الحكم المحلي بهذه الصورة الشكلية. وإذا كانت الدولة قد
ارتضت التقسيمات التي وضعتها وزارة التخطيط للأقاليم التخطيطية في مصر.. مع ما
يعترض ذلك من نقد من قبل خبراء وزارة التعمير.. فأنه ليس من الصعب إعادة النظر في
هذه التقسيمات لتفي بكافة أغراض التنمية اقتصاديا واجتماعيا وعمرانيا ولكن المهم
بعد ذلك أن تصبح هذه الأقاليم التخطيطية أقاليم إدارية أيضا وإلا فقدت صلاحيتها
كما تفقدها الآن ولن يأتي ذلك إلا عن طريق تطبيق نظام الحكم المحلي علي مستوى
الأقاليم التخطيطية في شكل محافظات لها مجالسها التشريعية المحلية وأجهزتها
التخطيطية وأجهزتها التنفيذية في شكل وزارات محلية مثل الشئون القروية والبلدية أو
التموين والأمن والتعليم والصحة والزراعة أو غيرها... وتقل المحافظات من 26 محافظة
غير مكتملة التنظيم والفاعلية إلي 9
محافظات متكاملة التنظيم والقدرة علي تخطيط التنمية الإقليمية وإدارة مشروعاتها
وتعود التقسيمات الإدارية الحالية إلي نظام البلديات والمجالس القروية.
بهذه
الصورة يمكن تحقيق الاستراتيجية العمرانية لتفريغ الضغط السكاني عن الوادي الضيق
وهو ما يمكن أن يظهر في نشاط التنمية الحضرية أو الريفية فلا تتعجل الوزارة
الحالية في اتخاذ قراراتها التنظيمية أو التشريعية لمعالجة المشاكل الآتية دون أن
تنزل إلي أعماق المشاكل وجذورها وبذلك يصبح تحديد الحيز العمراني للمدينة أو
القرية إجراء مؤقت لا يمكن أن يستمر العمل به لأكثر من خمس سنوات علي أكثر تقدير وإلا
اضطرت الحكومات التالية إلي إعادة تحديد الحيز العمراني للمدينة أو القرية ليغطي
نطاق أوسع وتكون النتيجة تأجيل وقوع البلاء وليس استأصله.
بهذا
المفهوم الجديد تتغير العديد من التنظيمات السائدة التي تتم علي المستوى المركزي..
مثل ذلك مشكلة اليوم.. وهو التنسيق لدخول الكليات والمعاهد.. ففي الوضع المقترح
يمكن أن يتم هذا التنسيق علي مستوى الإقليم التخطيطي فتتحدد لكل إقليم جامعاته
ومعاهده ومدارسه التي تناسب طبيعته.. وبهذا المفهوم الجديد تصبح القاهرة كإقليم
تخطيطي إقليما إداريا وأيضا كمحافظة واحدة لها مشاكلها المشتركة في المرافق والنقل
والإسكان والطرق والمرور وهنا تظهر واقعية التخطيط والإدارة والتنفيذ، وقس علي ذلك
العديد من التنظيمات والتشريعات.. فبهذا المفهوم فقط يمكن أن تقتحم الأجهزة
المحلية في صورتها الجديدة مشاكل الإسكان بكل أبعادها التخطيطية والتشريعية
والتنظيمية والفنية, وذلك في إطار الاستراتيجية العمرانية للدولة التي تهدف إلي
توزيع السكان علي اكبر مسطح ممكن من الأرض وذلك بتوفير عوامل الجذب في الأرض
الجديدة مع توفير عوامل الطرد في الأرض القائمة حتى تحقق الاستراتيجية العمرانية
أهدافها بواقعية بعيداً عن الضغوط السياسية التي تولد القرارات العفوية ...