التخطيط العمراني بين النظرية والتطبيق

                                                                                                                               دكتور عبد الباقي إبراهيم

 

الخلاصــــة

لا تزال مشروعات التخطيط العمراني في الدول العربية قاصرة على إعداد المخططات العامة أو التفصيلية للتجمعات السكنية معتمدة في ذلك على كم كبير من البيانات الإحصائية والدراسات البيئية والمقومات الاقتصادية والاجتماعية وتخرج هذه المخططات في صورة تقارير ومخططات توضح في صورة جامدة ما يجب أن يكون عليه الوضع العمراني للمدينة بعد فترة محددة من الزمن مع أن التنمية العمرانية هي عملية ديناميكية مستمرة تتحرك في إطار المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يواجهها مجتمع المدينة، من هنا تصبح هذه التقارير والمخططات الجامدة غير ملائمة لحركة المجتمع وتطوره، الأمر الذي يتطلب البحث عن أسلوب آخر لتنظيم وإدارة التنمية العمرانية باعتبارها عملية مستمرة، أسلوب ينقل النظرية إلى واقع ملموس كما ينقل الفكر التخطيطي علي المستويات القومية والإقليمية والمحلية إلي مشروعات تنفيذية لها أبعادها الكمية والاستثمارية ولها أيضا برامجها التنفيذية. وألا يستمر التخطيط جامدا في مخططاته ويعني ذلك ضرورة البحث عن الأسلوب الذي يتعامل مع النظرية التخطيطية كعملية مستمرة لها أبعادها التنظيمية والإدارية والمالية والتنفيذية. وهنا يتداخل هذا الأسلوب بأجهزة التخطيط الاقتصادي والمالي. ويبدأ البحث بعد ذلك عن الصيغة الأنسب لتكامل التخطيط الاقتصادي الاجتماعي بالتخطيط العمراني في إطار التنمية الشاملة والاستراتيجية القومية للتعمير. فالمهم هنا ليس في رسم المخططات بقدر ما هو في تحويلها إلي مشروعات لها أبعادها الاستثمارية سواء من خلال الموازنات السنوية أو الخطط الخمسية، ويصبح التنسيق بين أجهزة التخطيط المختلفة علي كافة المستويات أمرا ضمنيا لتسيير عملية التنمية العمرانية التي تتبلور في صورة مشروعات طويلة الأجل ومشروعات قصيرة الأجل تنفذ علي المستويات القومية أوالإقليمية أو المحلية بحيث تنطلق معا في إطار من التنسيق الدقيق بحيث لا يختلف مشروع ينفذ في مستوى تخطيطي عن مشروع آخر ينفذ في مستوى تخطيطي عن مشروع آخر ينفذ في مستوى تخطيطي آخر ويتكامل معه.

لذلك فأن تنظيم عمليات التنمية العمرانية علي المستويات التخطيطية المختلفة يصبح أمرا ضمنيا خاصة في الدول النامية التي تحتاج إلي التنمية الإدارية والتنظيمية بقدر ما تحتاج إلي التنمية الاقتصادية الاجتماعية والعمرانية في إطار من التنسيق الدقيق بين مكوناتها.

وإذا استمر المنطق يعالج المشكلة من هذا المنطلق فان ذلك بالتبعية سوف يؤدى إلي التعرض إلي الهيكل التنظيمي والإداري للدولة سواء في المستوى المركزي أو المستوى المحلي وهذا ما يجب أن يعمل عليه أسلوب التخطيط العمراني حتى يمكن أن تسد هذه الفجوة الكبيرة الواقعة بين النظرية والتطبيق.ويعالج البحث هنا العلاقات الرأسية بين المستويات التخطيطية المختلفة كما يعالج في نفس الوقت العلاقات الأفقية بين قطاعات التنمية المختلفة، وما يرتبط بذلك من دراسات للأوضاع الراهنة لإدارة وتنظيم عمليات التنمية القومية أو المحلية وما يجب أن تتطور إليه من هياكل تنظيمية تساعد علي إحكام العلاقات الرأسية بين المستويات التخطيطية من ناحية وإحكام العلاقات الأفقية بين الخطط القطاعية المختلفة في بعدها المكاني أو العمراني أمرا حيويا لبناء المجتمعات النامية وهذا لا يتحقق إلا بتوحيد البيانات والمفاهيم والمعايير والأساليب التخطيطية حتى تتأكد وحدة الفكر بين الاقتصادي والاجتماعي والعمراني الذين يشكلون المحاور الثلاثة الرئيسية في عملية التنمية القومية والإقليمية والمحلية.  

ان من أسباب التخلف الحضاري الذي تشهده المدينة العربية في الوقت الحاضر ليس في غياب البحوث والدراسات والمخططات وهي كثيرة ومتعددة تمتلئ بها مخازن الدولة ولكن في غياب الأجهزة القادرة علي تحويل هذه البحوث والدراسات والمخططات إلي واقع ملموس بتحويلها إلي مشروعات تنفيذية لها أبعادها الكمية والمالية والتنفيذية وهنا تظهر الحاجة إلي بناء الكوادر القادرة علي إدارة هذه الأجهزة أما من خلال البرامج التدريبية أو المناهج التعليمية. هذه هي صورة الحلقة المتكاملة والمترابطة التي تضمن نقل النظرية التخطيطية إلي برامج تنفيذية.

مقدمــة

تطورت النظرية التخطيطية في الغرب وأخذت أبعادها العلمية بعد الحرب العالمية الأولى واستقرت نظرياتها تدريجيا بعد الحرب العالمية الثانية وقد بنيت هذه النظرية لتواكب الخصائص الاقتصادية والاجتماعية والجغرافية للبيئة التي نشأت فيها كما تطورت لتواكب المتغيرات الحضارية التي طرأت على المجتمعات التي تأثرت بالتطبيقات العملية لهذه النظرية في كل مرحلة من مراحل التطور. وانتقلت هذه النظرية برمتها إلى الوطن العربي من خلال المكاتب الاستشارية التي أوكل إليها إعداد المخططات العمرانية للمدن أو من خلال المراجع العلمية التي شكلت المناهج الدراسية للتخطيط العمراني في الجامعات العربية أو من خلال قناعة متخذي القرار بتفوق النظرية الغربية التي أوصلت المدن في الغرب إلى ما وصلت إليه من تقدم وارتقاء وفى كل هذه التحولات تناسى المخطط العربي ان للتخطيط جوانبه الحضارية كما له جوانبه العلمية كما أن له جوانبه الاقتصادية الاجتماعية كما له جوانبه الإدارية والتنظيمية والتشريعية وهذه في مجملها تعتبر من المتغيرات التي تؤثر مباشرة على منطق النظرية ومن ثم على عناصرها وواقعيتها التطبيقية.واستمرت المدينة العربية تنمو وتتطور في ظل معطيات النظرية الغربية حتى فقدت هويتها الحضارية وتخلفت مقوماتها البيئية وأصبحت تعانى من العديد من المشاكل التي تراكمت على مر الزمن وفى غيبة النظرية المحلية التي تتعامل مع الواقع الاقتصادي والاجتماعي والبيئي للمدينة العربية. والتعامل مع المدينة لا يقتصر على العنصر الجامد للمدينة والمتمثل في شبكات الطرق والمرافق والمباني والخدمات ولكن يبدأ أولا بالتعامل مع البشر الذين يشكلون العنصر الحى للمدينة ومن هذا المنطلق تتكامل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمجتمع مع الجوانب الفنية والهندسية في عملية التنمية الحضرية التي تتعامل مع المدينة كعملية مستمرة لها أجهزتها الإدارية ولوائحها التنظيمية التي تستطيع ان تواكب تطور المدينة بأرضها وسكانها في إطار الأبعاد الزمنية القصيرة والمتوسطة والطويلة الأجل. وهى أبعاد تتحرك أيضا مع تحرك الزمن فما ينتج عن الأجل القصير يصبح مع الزمن واقعا ملموسا وما ينتج عن الأجل المتوسط يصبح مع الزمن في إطار الأجل المتوسط، وما ينتج عن الأجل الطويل يصبح مع الزمن في إطار الأجل المتوسط ويتحرك الأجل الطويل مرة أخرى إلى المستقبل. ويعنى ذلك أن النظرية التخطيطية عندما تنتقل إلى الواقع تنتقل عن طريق الأجهزة المحركة لعملية التنمية العمرانية كعملية مستمرة ويعنى ذلك أيضا أن النظرية التخطيطية ترتبط بالواقع من خلال الجوانب الإدارية والتنظيمية التي تتعامل بصفة مستمرة مع الجوانب الفنية التخطيطية والتنفيذية لعملية التنمية. من هنا تصبح النظرية التخطيطية أسلوب عمل وتنظيم وإدارة أكثر منها وضع تصور ثابت للمدينة بعد مرحلة ثابتة من الزمن. من هذا المنطلق تتحدد أهداف النظرية.

مرحلية التنمية الحضرية أساس النظرية:

تتحدد مرحلية التنمية في النظرية الغربية في إطار الصورة الثابتة التي توضع لتخطيط المدينة بعد فترة طويلة ومحددة من الزمن الأمر الذي ثبت عدم واقعيته من الناحية التطبيقية إذ أن ثبات الحال من المحال وان رسم صورة جامدة للمدينة بعد فترة زمنية محددة أمر لا يتفق مع طبيعة النمو العضوي للكائنات الحية فالمدينة ليست قوالب جامدة من المباني أو الطريق والمرافق ولكنها كائن حي بما فيها من بشر لهم توجيهاتهم السياسية ومقوماتهم الاقتصادية الاجتماعية وخصائصهم الثقافية التي تتغير وتتطور مع المتغيرات الحضارية التي تؤثر عليهم. كما ثبت من النظرية الغربية أيضا ان القياسات المستقبلية للزيادات السكانية أو لمتطلباتهم الحياتية ورغباتهم المعيشية أو لنوعياتهم المهنية وتركيباتهم الاجتماعية هي قياسات رقمية حسابية ترتكز على معدلات التحولات الماضية في كل الظروف اقتصادية واجتماعية وثقافية تختلف عن الحاضر. وهى بالأخرى تختلف عن المستقبل. لذلك فان النظرية الواقعية هي التي تحاول أن تتعامل مع المتغيرات المتلاحقة وتواجه الظروف غير المتوقعة الأمر الذي يستدعى وضع إطار النمو العمراني للمدينة في صورة هيكلية توجه ولا تحدد.. تستوعب المتغيرات وتمتص الأمر الواقع.

ولا تنطبق النظرية الواقعية على الهيكل العمراني للمدينة فقط ولكنها تمتد إلى كل المكونات السكنية والصناعية والخدمية والترفيهية وشبكات البنية الأساسية. بحيث تنمو المدينة في صورة متحركة تتكامل فيها هذه المكونات وتتوازن. ويتدرج ذلك على المكون المعمارى للمدينة والذي يتمثل في مباني الخدمات من مدارس ومستشفيات ومراكز تجارية وأيضا مباني الخدمات من وحدات سكنية مفردة أو مجمعة. وذلك حتى تنمو مكونات هذه المباني مع نمو السكان الذين يستعملونها خاصة في المدن الجديدة. فبناء مدرسة كاملة الفصول على أساس استيعاب عدد محدد من الطلبة بعد عشرة سنوات مثلا.. سوف يتوقف استعمال جزء منها طوال هذه السنوات حتى يصل حجم المدرسة من الطلبة إلى الحجم الحدي وبذلك يصبح توقف استعمال هذا الجزء عبئا على اقتصاديات المبنى.. وبذلك يخضع العمل المعماري أيضا إلى مفهوم النمو العضوي أو المرحلي الأمر الذي سوف يؤثر بالتبعية على العملية التصميمية لكل مبنى ... ومن ناحية أخرى لابد من تطبيق نفس المبدأ على شبكات الطرق والمرافق العامة أو البنية الأساسية بحيث لا تبقى أجزاء كثيرة منها متوقفة عن العمل غير مستغلة ودون استعمال يحفظ صيانتها فكثيرا ما تبلى أجزاء كثيرة من هذه المرافق قبل أن تستكمل المدن الجديدة بسكانها. فمرحلية التنفيذ ترتبط بمرحلية الاستيطان الأمر الذي يتطلب منهجا جديدا في تصميم الشبكات العامة بحيث يمكن استثمارها على مراحل تتناسب مع حجم السكان في كل مرحلة الأمر الذي يدخل أيضا في إطار اقتصاديات التنمية العمرانية. من هنا يصبح العامل الاقتصادي هو المحرك الفعلي للنظرية الواقعية أكثر منه تقدير المخطط لمراحل تنفيذ أجزاء من المدينة لا يربطها رباط عضوي أو يحكمها خطة استثمارية محددة وتحتاج النظرية الواقعية في ضوء ذلك إلى أسلوب يضمن حرية الحركة لمواجهة المتغيرات وتتناسب مع مرحليات التنمية في ضوء المتوفر من الاستثمارات ويكمن ذلك في استعمال خلية عمرانية تتجمع أو تتكاثر تبعا لضغط التنمية.

مرحلية التنمية وشبكة الطرق الداخلية :

تعمل النظرية الغربية على تثبيت وظيفة الطرق وذلك في إطار التدرج الهرمي لنوعيات الطرق المختلفة الرئيسية منها أو الفرعية وذلك في ضوء الدراسات المستقبلية التي تحدد سعات هذه الطرق وحجم المرور فيها. والطرق في ذلك مثلها مثل المرافق العامة أو المباني الخدمية لا تستغل بكامل طاقاتها إلا في نهاية بناء المدينة بعد استيعابها لكامل السكان. ولكن الطرق تختلف عن غيرها من مكونات المدينة بأنها تتأثر بمتغيرات يصعب إدراكها عند وضع المخططات. فالطريق دائما ما يجذب إليه الأنشطة المختلفة والتجارية فيها بصفة خاصة فمهما كانت قوى التشريعات التي تعمل على غير ذلك. والطريق إذا جذب إليه الأنشطة التجارية في غير توقع تتغير كفاءته كما تتغير طاقته حتى إذا ما كثفت هذه الأنشطة يتجه العمل إلى تحويلها إلى طرق للمشاة كما هو حادث في العديد من المدن القديمة.وإذا كان الأمر كذلك فانه من الواقعية الالتجاء إلى أسلوب أخر في التخطيط يستجيب إلى هذه الظاهرة الطبيعية. بحيث تحدد وظيفة المحاور الرئيسية للأحياء والمجاورات السكنية لمرور السيارات إلى أن يتم تشبع الأنشطة التجارية والخدمية على جوانبها ثم تحول وظيفتها بعد ذلك للاستخدام لمحاور حركة المشاة بحيث تحول مسارات المرور بعد ذلك إلى مسارات أخرى موازية لهذه المحاور وعلى جانبيها. على أن تتحرك هذه الظاهرة مع النمو المرحلي للمدينة وبذلك تصبح النظرية الواقعية أسلوبا للتنمية أو منهجا للتعامل مع المدينة . بصفة مستمرة في مراحل نموها المختلفة. وهنا تصبح التنمية العمرانية عملية مستمرة لا تلتزم بشكل ثابت أو معايير ثابتة كما تنص على ذلك النظرية الغربية القديمة.

لقد اعتاد المنطق التخطيطي في العديد من مدن الدول النامية أن تتحدد ارتفاعات المباني على جانبي الطرق بالنسبة لسعات هذه الطرق فكلما زاد عرض الشارع زادت ارتفاعات المباني على جانبيه. مع العلم بأن زيادة إرتفاعات المباني تقود إلي زيادة الكثافة السكانية التي تقود في النهاية إلي زيادة الحاجة إلي مواقف للسيارات الخاصة من ناحية ومواقف لسيارات الخدمة من ناحية أخرى كما أن زيادة الكثافة السكانية تستقطب كما أكبر من الأنشطة والخدمات وخاصة التجارية منها. الأمر الذي يضعف في النهاية من كفاءة هذه الطرق وتفقد بذلك وظيفتها المحددة في التخطيط الثابت الذي لا يقبل الحركة ولا يتعامل مع المتغيرات الأمر الذي تهدف إليه النظرية الواقعية.

إدارة التنمية وواقعية التخطيط:

تتوقف النظرية الواقعية علي كفاءة تنظيم عملية التنمية علي قدرة الإدارة علي تحويل المخططات إلي أسلوب عمل لتنفيذ مجموعة من الأنشطة سواء في استقبال السكان الجدد وتوطينهم وتوفير الخدمات المؤقتة وتعزيز ذلك بعوامل الجذب المختلفة ويدخل في ذلك العوامل الإنسانية والمادية معا مع العمل علي مشاركة المجتمع الجديد عندما يصل إلي حجم معين في توجيه عملية التنمية واتخاذ القرارات الناتجة عنها وذلك بهدف إدماج المجتمع في عملية التنمية المتكاملة بشريا وعمرانيا معا. حتى لا تفقد المناطق الجديدة مقومتها الاجتماعية والحضارية في بداية تكوينها كجنين يتغذى من الأم حتى ينتقل إلي مرحلة الطفولة ثم مرحلة الصبا ثم مرحلة الشباب إلي أن يصل إلي مرحلة النضوج والتي يستطيع عندها أن يتولى أمور نفسه بنفسه وبهذه الصورة يتطور أسلوب تنظيم وإدارة التنمية البشرية العمرانية من مرحلة إلي أخرى بما يتناسب مع طبيعة كل مرحلة وفي كل مرحلة تتحد الاختصاصات وطرق الأداء ومؤهلات الأجهزة اللازمة للقيام بهذه الاختصاصات وشكل المؤسسات التي تقوم علي تنفيذ المشروعات العمرانية أو الخدمية مع توضيح ارتباط إدارة التنمية المحلية بإدارات التنمية المركزية وأسلوب اتخاذ القرارات التنفيذية مع تحديد مصادر تمويل المشروعات سواء من القطاع العام أو القطاع الخاص الأمر الذي يدخل في إطار اقتصاديات التنمية العمرانية وان طبيعة هذه الارتباطات الوظيفية وما يصحبها من تداخلات إدارية تتطلب أسلوبا مناسبا للتنمية العمرانية يتحمل هذه الارتباطات ويواجه هذه التداخلات ويربط التخطيط بالواقع بسهولة أكثر وبذلك تتحدد الطبيعة المرنة للتخطيط العمراني بحيث يستوعب كل مكونات المدينة بصورة متكاملة في كل مرحلة من مراحل النمو وتمتد عناصره بأسلوب عضوي لمواجهة المتغيرات التي تطرأ عليه أو المفاجآت التي قد يتعرض لها.

وبذلك تعتمد النظرية الواقعية على أسلوب الخلية التي تتجمع أو تتكاثر محتوية نوعيات الإسكان المختلفة بالشكل والحجم التي تتطلبها الظروف والواقع عند اتخاذ القرار للتنفيذ . كما تمتد محاور الحركة والخدمات بحيث تنمو تدريجيا نموا عضويا كنمو ساق الشجرة بفروعها المختلفة.

منهجية العمل وواقعية التخطيط:

يتم إعداد المخططات العمرانية عادة وفى إطار النظرية الغربية خلال عدة مراحل للدراسة تبدأ بجمع المعلومات ثم تحليلها ثم وضع السياسات التخطيطية ثم تقويم المرادفات والبدائل التي تحققها ثم اختيار البديل الامثل وتطويره حتى يصل إلى الصورة التي يتم اعتمادها من الجهات المسئولة قبل أن يتحول إلى مراحل تخطيطية ثم مخططات تفصيلية للمناطق ذات الأولوية. وذلك مع الأخذ في الاعتبار تكامل الدراسات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية خلال كل مراحل هذه الدراسة والتي تقدم في النهاية في مجموعة من التقارير والمخططات العمرانية المكملة له. وتشير مثل هذه الدراسة في كثير من الأحيان إلى التنظيم الإداري للأجهزة التخطيطية التي تتولى نقل هذه المخططات إلى حيز الواقع في صورة مشروعات استثمارية قد توضع في إطار الخطط الخمسية لبرامج التنمية الاقتصادية الاجتماعية كما تتطرق هذه الدراسات فيما تحتويه إلى تحديد مراحل التنمية العمرانية ونظم ولوائح البناء في مناطق الاستعمالات المختلفة لهذه المخططات. وتنتهي الدراسة بانتهاء تقديمها إلى المسئولين عنها في أجهزة التخطيط العمراني وتبقى معلقة إلى حين استكمال الكوادر الفنية التي تستطيع أن تنقل هذا الفكر التخطيطي من حيز النظرية إلى حيز الواقع من خلال الاستثمارات القطاعية التي ترصد لتنفيذ العناصر المختلفة المكونة لهذه المخططات الأمر الذي يحتاج إلى نظام خاص للتنسيق بين هذه القطاعات من ناحية والأجهزة المركزية للتخطيط الاقتصادي الاجتماعي من ناحية أخرى وهو ما يصعب تحقيقه في الكثير من الحالات حيث أن أجهزة التخطيط العمراني خاصة ما تتبع قطاع التعمير أو الاسكان لا تتحمل صلاحياته إلزام القطاعات الأخرى بالالتزام بتنفيذ المكونات المختلفة للمخططات. وهكذا تتعثر المخططات العمرانية خاصة وأنها لا تتم في إطار المتتاليات الخمسية لبرامج التنمية الاقتصادية الاجتماعية التي تتولاها الأجهزة المركزية للتخطيط ويفقد التخطيط العمراني بذلك مقوماته الاقتصادية الاجتماعية كما يفقد التخطيط الاقتصادي الاجتماعي مقوماته العمرانية أو المكانية ويصبح التخطيط بجوانبه الاقتصادية الاجتماعية والعمرانية مجردا من التكامل أو التنسيق الذي يضمن الأهداف والسياسات التنموية.

ومن ناحية فقد ثبت قصور مفهوم المخططات العمرانية العامة عن تحقيق أهدافها في التطبيق نظرا لتعدد المتغيرات والسياسات بصفة مستمرة فتطورت النظرية الغربية لملاقاة هذا الخلل في التطبيق ولجأت إلى مفهوم أخر في هذا المجال وهو استبدال المخططات العامة الهيكلية التي تسمح بقدر أكبر من المرونة في مواجهة التغيرات التي تطرأ على سياسات التنمية العمرانية ولكن في إطار الخطوط الرئيسية التي تحدد مساراتها المستقبلية. ومع ذلك فقد تأثر هذا الاتجاه بسرعة المتغيرات وفقدت النظرية الجديدة بذلك مصداقيتها التطبيقية الأمر الذي يستدعى البحث عن نظرية جديدة تستطيع أن تتعامل مع المتغيرات التخطيطية بصفة مستمرة دون خلل بالفكر الأساسي للتنمية العمرانية التي تسعى إلى توفير البيئة الأصلح لحياة الإنسان في حاضره ومستقبله. فالإنسان هنا هو العنصر المتغير اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا. وهذا ما أفردنا له بحث خاص يوضح أسس وأبعاد هذه النظرية الجديدة.

ويبقى هناك اتجاهين أساسيين في إعداد الدراسات التخطيطية الأول يعتمد على التحليل الاقتصادي لمقومات التنمية فى المناطق الجديدة والتي على ضوئها يمكن تحديد الهياكل الاجتماعية التى تتطلبها هذه التنمية وبناء على ذلك يمكن إعداد البيئة العمرانية التى تصلح لإسكان هذه الهياكل وتوفير الخدمات والمرافق العامة لهم على مدى مراحل استيطانهم للأرض الجديدة وبذلك تكون التنمية الاقتصادية الاجتماعية هي أساس بناء المخطط العمراني. والاتجاه الثاني يعتمد على التحليل البيئي لمقومات التنمية العمرانية في صورة مناطق مختلفة ذات استعمالات مختلفة تربطها شبكة من الطرق وتلتزم بتقسيم مكاني معين ومعايير تخطيطية معينة تتمثل في منطقة وسط المدن بعناصرها المختلفة السكنية والأحياء التي تنقسم بدورها إلى مجاورات سكنية كما تملى إحجامها وكثافاتها ومقوماتها النظرية العربية. هذا بجانب المناطق الصناعية والترفيهية والرياضية والسياحية والخدمية وهنا تقتصر الدراسات الاقتصادية على التبصر بالمقومات الاقتصادية للتنمية، كما تقتصر الدراسات الاجتماعية على التبصر بالهياكل الاجتماعية المنتظر استيطانها في المراحل المختلفة للتنمية العمرانية وبذلك يكون المخطط العمراني هو الموجه للتنمية الاقتصادية الاجتماعية وفى كلا الحالتين يقدم المخطط العمراني في صورة ثابتة المعالم لمستقبل التنمية العمرانية على مدى طويل من الزمن يبلغ عشرون عاما.. وان تحددت مراحل هذه التنمية في إطار هذه الصورة الثابتة المعالم وهذا ما يتنافى مع طبيعة الأمور وواقعيتها والمرحلية العضوية للتنمية الأمر الذي يتطلب البحث عن صيغة جديدة للتفاعل الاقتصادي والاجتماعي والعمراني المتبادل بصورة مستمرة على مدى البعد الزمني للتنمية الشاملة وبأسلوب مستقر إداريا وتنظيميا وفى إطار من المرحلية المرنة التي يمكنها أن تستوعب كل المتغيرات الطارئة وهذا ما يتضمنه بحث خاص يعد لإيضاح النظرية الجديدة في تخطيط المدن الجديدة باعتبارها الأقرب إلى تطبيق المفاهيم التخطيطية. فالمدن القائمة مع ما تعانيه من مشاكل تتضخم مع الزمن فان منهج إعادة تخطيطها أصبح بعيدا عن الواقع سواء في البعد الزمني أو المكاني.. وأقرب المناهج للتعامل معها هي من خلال الارتقاء بالبيئة العمرانية القائمة أكثر منها تخطيطها بالمفاهيم التقليدية للنظرية الغربية.    

 

 



عن المركز :: نطاق الخدمات :: مشروعات المركز :: الدورات التدريبية :: الأنشطة الثقافية :: مجلة عالم البناء
أخبار المركز ::خريطة الموقع :: إتصل بنا
English