الاستراتيجية القومية للاستيطان خارج الوادي
ومستقبل العمران في مصر
إعداد
دكتور عبد الباقي محمد إبراهيم
·
أستاذ التخطيط العمراني ورئيس قسم
العمارة بجامعة عين شمس سابقاً
·
كبير خبراء الأمم المتحدة في التنمية
العمرانية سابقاً
·
رئيس الجمعية المركزية لإيواء المحتاجين
·
رئيس جمعية إحياء التراث التخطيطي
والعمراني
ـــــ
القاهرة في سبتمبر 1999
الاستراتيجية القومية للاستيطان خارج الوادي
ومستقبل العمران في مصر
ـــــ
1-مقدمة:
1-1 في الكلمة التي ألقاها السيد الرئيس محمد
حسني مبارك في الحفل الذي أقيم بمناسبة البدء في مشروع وادي النيل الجديد يوم 9
يناير 1997 قال سيادته "واليوم يخوض هذا الشعب ملحمة بناء جديدة تمثل مدخله
الصحيح إلى القرن الحادي والعشرين وسند قوي لمواجهة تحديات عصر قادم والجسر الذي
يمكن أن تعبره مصر إلى مستقبل باهر تنتشر فيه الحياة والعمران خارج حدود وادي النيل
تستثمر إمكانيات مصر كلها ويوفر لملايين المصريين حياة أفضل" ، وقال "
لقد أملت ضرورات المستقبل البدء في تنفيذ هذا المشروع العملاق بعد أن أصبح أمراً
حتمياً أن ننطلق خارج حدود الوادي الضيق الذي عشنا فيه قروناً طويلة لا نفكر في
الخروج منه حتى ضاق بكثافته السكانية العالية ولم يعد في إمكانه أن يستوعب طموحات
مصر في غد أفضل" : وقال "ولو أن الأمور مضت على هذا النحو دون رؤية
جديدة شجاعة توسع رحاب التنمية وتزيد رقعة العمران على أرض مصر وتخفف من الاكتظاظ
السكاني للمدن والقرى فإن النتيجة سوف تكون مزيداً من التكدس السكاني الذي يأكل ما
يتبقى من أرض الوادي القديم التي تعاني الآن من زحف عمراني خطير أكل أجود
أراضيها".
1-2 يؤكد
ما قاله السيد رئيس الجمهورية ضرورة البحث عن رؤية جديدة شجاعة توسع رحاب التنمية
وتزيد رقعة العمران على أرض مصر وألا يكون هناك المزيد من التكدس السكاني الذي
يأكل ما تبقى من أرض الوادي القديم، وقد حذر في خطابه من أن الزحف العمراني إن لم
يتوقف سوف يأكل أجود أراضي الوادي. وإذا كان سيادته قد أشار إلى توجه الدولة إلى
إيجاد محاور جديدة للتنمية الاقتصادية العمرانية كما في مشروعات جنوب الوادي في
توشكى وشرق العوينات وشمال خليج السويس وفي سيناء وشرق التفريعة في بورسعيد وفي
غيرها من مناطق التنمية السياحية والزراعية وإذا كانت الدولة قد بدأت الأخذ بإنشاء
مدن جديدة خارج الوادي لامتصاص جزء من الفائض السكاني من الوادي القديم وإذا كانت
هذه المشروعات العملاقة والمدن الجديدة سوف تستوعب حسب تقديرات المخططين حوالي 20
مليون نسمة عام 2020 فإن تعداد السكان في ذلك الوقت سوف يبلغ حوالي 90 مليون ويعني
ذلك أنه سيبقى في الوادي الضيق 70 مليون نسمة على أحسن تقدير إن لم يكن 80 مليون
أي بزيادة كبيرة عما هو عليه حالياً. وعلى ذلك فإن الرؤية الجديدة الشجاعة لحل هذه
المشكلة والتي أشار إليها السيد الرئيس تستدعي العمل فوراً على وضع الاستراتيجية
القومية للاستيطان خارج الوادي ووضع الآليات القادرة على تنفيذها دون أدنى تأخير
لتفادي كارثة الانفجار العمراني على أرض الوادي باعتبار أن ذلك سوف يؤثر سلبياً
مستقبلاً على كل ما تقوم به الدولة حالياً من مشروعات عمرانية وإصلاحات اقتصادية
واجتماعية وتحسينات حضرية وبيئية وخدمية وتنظيمات إدارية وأمنية تنفق الدولة في
سبيلها مليارات الجنيهات.
1-3 إن الدولة وهي تضع برامجها التنموية وتوجه استثماراتها لمواجهة المشكلات
الحالية لا بد وأن تأخذ في الاعتبار ضرورة العمل سريعاً على مواجهة الخطر الداهم
المتولد عن الاكتظاظ السكاني للمدن والقرى وذلك بتوجيه الاستثمارات المخصصة
للمشروعات المختلفة حتى تحقق الاستراتيجية الاستيطانية خارج الوادي. وكثير من
المشروعات التي أقيمت وتقام ويتم التخطيط لها في مختلف المجالات من طرق وإسكان
ومرافق وخدمات تقام في مدن وقرى الوادي الضيق. فإذا كانت هذه المشروعات تواجه
مشاكل عاجلة ومؤقتة إلا أن البعض منها في واقع الأمر يمثل عقبة في سبيل تحقيق
الأهداف التي جاءت في خطاب السيد رئيس الجمهورية. الأمر الذي يستوجب توخي الحذر
عند التخطيط لمثل هذه المشروعات. فالطرق الزراعية التي أعدت لربط مدن وقرى الوادي
وإن كانت قد ساعدت على تحسين الحركة بين هذه التجمعات السكنية إلا أنها جذبت معها
العديد من الأنشطة العمرانية والصناعية والخدمية التي انتشرت على الأراضي الزراعية
وتحولت إلى عناصر جذب أكثر للاستيطان في قلب الوادي. وإذا كانت مشروعات الصرف
الصحي والكهرباء والمياه قد ساعدت على تحسين الحياة للمواطنين في مدن وقرى الوادي
إلا أنها ساعدت على الارتفاع بالمباني الريفية لتحاكي عمران المدينة وبالتالي
اجتذبت إليها الزيادة السكانية لتقيم وتتوالد وتتكاثر على رقعة الأرض المحدودة،
الأمر الذي سوف يؤثر آجلاً أو عاجلاً على كفاءة المشروعات التي أقيمت بمليارات
الجنيهات. وإذا كانت مشروعات الجامعات الإقليمية والمعاهد العلمية التي أقيمت في
مدن الوادي الضيق قد أدت جزءاً من متطلبات التعليم العالي حيث يقيم البشر إلا أنها
جذبت إليها العديد من الأنشطة السكنية والتجارية التي تطلبت العديد من الخدمات
والمرافق العامة، الأمر الذي زاد من الاكتظاظ السكاني مرة أخرى في هذه المدن. وإذا
كانت الكباري العلوية والأنفاق السفلية قد ساعدت بنسب محدودة على حل مشاكل المرور،
إلا أنها قد يسرت الإقبال على العمل والإقامة في المدن الكبيرة وبالتالي ساعدت على
الزيادة في تعداد سكان هذه المدن وبالتالي على الزيادة في تعداد السيارات التي
تضيف عبئاً أثقل على طاقة الطرق والكباري العلوية والأنفاق ويستمر تفاقم المشاكل
بمعدلات تصاعدية مما يحصد أمامه كل نتائج الإنجازات التي تمت في مختلف المجالات
الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية.
1-4 إذا كان الانفجار السكاني يبتلع معظم المجهودات الخارقة التي تقوم بها
الدولة ويساعد على زيادة الفقر وتدني الخدمات والمرافق آجلاً أو عاجلاً.فإن هذا الانفجار
السكاني يمكن مواجهته بواسطة الانتشار العمراني خارج الوادي. وهذا ما تعالجه هذه
الدراسة التي تسعى للبحث عن الأساليب التي تساعد على زيادة عوامل الجذب الاستيطاني
خارج الوادي بحيث تفوق عوامل الجذب الاستيطاني داخل الوادي. ويتم في هذه الدراسة
مراجعة وتقييم الدراسات التي جمعتها رياسة الوزراء عام 1997 في مجلد بعنوان
"مستقبل مصر في القرن الواحد والعشرين" وحددت مداها بعام 2020 كما تم
مراجعة وتقييم الدراسات التي تمت لوضع خريطة مصر حتى عام 2017 ولم تتضمن الإشارة
إلى الآليات اللازمة لتحقيق هذه الدراسات وبالتالي تحقيق استراتيجية الخروج من
الوادي الضيق متضمنة جميع الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والخدمية والأمنية
والبيئية. وقد تعرضت بعض صفحات هذه الدراسة إلى تقييم تجربة المدن الجديدة في مصر
وما حققته من أهداف وما أصابها من قصور. كما تعرضت إلى التجارب العمرانية التي شهدتها
مدينة القاهرة كأكبر تجمع عمراني في مصر وما حققته من أهداف محدودة وما أصابها من قصور كبير. وكان لا
بد من الإشارة إلى عدالة توزيع الاستثمارات على الحيز العمراني المصري لتحقق
الاستراتيجية القومية للاستيطان خارج الوادي وبالتالي تطرقت الدراسة إلى سياسة الإسكان
في إطار سياسة الاستيطان وذلك للارتباط الوثيق بينهما، من إسكان الفقراء وإيواء
المحتاجين إلى الإسكان الاقتصادي والمتوسط وفوق المتوسط، مع ربط مكان السكن بمكان
العمل كسياسة عامة لتحقيق الاستقرار خارج الوادي وتخفيف الأعباء المعيشية.
والإسكان ليس فقط هو توفير الوحدات السكنية ولكن هو بناء مجتمعات سكنية متكاملة
الخدمات. إن الربط بين التخطيط واتخاذ القرار بشأن مكوناته يعتبر عاملاً هاماً من
عوامل الواقعية في التخطيط والتنفيذ والدراسة تبحث في هذا المجال العلاقة الإدارية
والقانونية بين خبراء التخطيط والسلطة في اتخاذ القرارات التنفيذية وهنا يبرز دور
الإدارة المحلية في توجيه الاستثمارات وتأثير ذلك على تحقيق الاستراتيجية القومية
للاستيطان خارج الوادي وهو ما تناولته الدراسة بهدف استبدال المحافظات بحدودها
الإدارية الحالية إلى أقاليم تخطيطية وإدارية تحقق أهداف الخروج من الوادي
والانتشار العمراني خارجه. وتطرقت الدراسة أيضاً إلى استنباط العديد من الدروس من
التجربة المصرية في مجال التعمير وخرجت الدراسة ببعض المؤشرات لتطوير مناهج
وأساليب التنمية العمرانية كعملية مستمرة في المدن والقرى القديمة وقدمت نظرية
جديدة لتنمية التجمعات الجديدة. وفي النهاية تضع الدراسة عناصر وآليات تحقيق
الاستراتيجية القومية للاستيطان خارج الوادي الضيق وما تحتاجه من إجراءات فورية
تجاوباً مع ما أدلى به السيد رئيس الجمهورية من توجيهات في هذا الشأن.
-
إن الهدف الأساسي لهذه
الدراسة هو إنقاذ العمران المصري من المصير الذي ينتظره إذا استمرت برامج التنمية
الاقتصادية الاجتماعية تتم في إطار الحيز العمراني الحالي لمدن وقرى مصر. والدراسة
بهذا المنطق تعمل على إيجاد التوازن البيئي والعمراني في إطار استراتيجية قومية
للاستيطان خارج الوادي. حيث أنه من العبث توجيه الإنفاق القومي للمعالجة العاجلة
للمشاكل البيئية دون معالجة المشكلة وغيرها من المشاكل من جذورها. حيث أن استمرار
تزايد التكدس السكاني في مدن وقرى الوادي الضيق سوف يؤدي إلى استمرار تزايد
المشاكل البيئية والعمرانية والاجتماعية والاقتصادية.
2-
مستقبل مصر في القرن الواحد والعشرين والخروج من الوادي الضيق:
2-1 لقد جاء تحديد الصورة المستقبلية لعمران
مصر في المجلد الذي نشره مجلس الوزراء تحت عنوان -مصر والقرن الحادي والعشرين- وفي
القسم الثاني على التحديد تحت عنوان ملامح استراتيجية التنمية حتى عام 2017 وجاء
من أهداف هذه الاستراتيجية:
1-
فتح المجال أمام توطين ملايين من
المصريين خارج الوادي الضيق الذي لا يتجاوز نحو 5.5% من مساحة البلاد ليتسع الحيز
المعمور إلى 25% من تلك المساحة - خلال عشرين عاماً.
2-
مضاعفة الناتج المحلي الإجمالي كل عشرة
سنوات بحيث يصل إلى أكثر من أربعة أضعافه عام 2017
3-
زيادة متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي
من 4270 جنيه إلى 13750 جنيه سنوياً عام 2017
4-
توليد نحو 550 ألف فرصة عمل سنوياً حتى
يرتفع عدد المشتغلين من 15.8 مليون مشتغل عام 1997 إلى 26.8 مليون مشتغل في نهاية
2017
2-2 وجاء في نفس المجلد أن هذه الأهداف
وغيرها تتطلب تشجيع القطاع الخاص على القيام بدوره كشريك أساسي في عملية التنمية
بحيث يصل إسهامه في التنمية إلى نسبة 80% والدولة إلى 20% من حجم الاستثمار مع حث
القطاع الخاص على الاستثمار في مجالات البنية الأساسية من طرق ومطارات ومحطات قوى
وأنشطة خدمية متنوعة وذلك في إطار الخطط التي تضعها الدولة لهذه المشروعات.
2-3 وجاء في ملامح التنمية الزراعية
ضرورة تحسين إنتاجية الأراضي الزراعية القديمة وتحسين إنتاجها وحمايتها من الزحف
العمراني والارتفاع بإنتاجية مناطق الاستصلاح الجديدة التي تبلغ مساحتها 1.6 مليون
فدان. هذا بالإضافة إلى إيجاد وعي ادخاري بالريف المصري (في الوادي الضيق) وتشجيع
قيام اتحادات للمنتجين مع ضرورة استخدام الموارد المائية (في الوادي الضيق)
باستخدام مياه الصرف والمياه الجوفية والأمطار مع زيادة حجم الموارد المائية
المتاحة بحيث تدفع إلى التركيز على استصلاح نحو 3.4 مليون فدان حتى عام 2017
بالامتداد خارج الوادي المعمور في جنوب الوادي والصحارى الشرقية والغربية ومصر
الوسطى ومصر العليا وسيناء.
2-4 وفي
مجال الصناعة يؤكد تقرير مجلس الوزراء على توفير المقومات للارتقاء بالمناخ
الاستثماري وبخاصة في المناطق الجديدة وتدعيم البنية الأساسية في تلك المناطق وهو
ما يؤدي إلى تطوير نمط الحياة بما يوجد من مجتمعات عمرانية متكاملة خارج الكتل
السكنية القائمة وذلك مع تحقيق التوزيع الإقليمي المناسب للأنشطة الصناعية
والاستغلال الأمثل للطاقات الإنتاجية للمصانع القائمة (في الوادي الضيق والمدن
الجديدة).
2-5 تعرض
تقرير مجلس الوزراء لتطوير قطاع الكهرباء وزيادة إنتاجيته إلى حوالي 40 مليار
ك.و.س عام 2017 لتحقيق التنمية الاقتصادية الاجتماعية المتوازنة على المستوى
القومي والإقليمي وعلى وجه الخصوص في تنمية محافظات سيناء وتنمية جنوب الوادي -
ويتبع ذلك تطوير قطاع البترول مع تحقيق الانتشار الجغرافي لطاقات التكرير وتدعيم
جهود تنمية شمال الوادي والإسهام في جهود تنمية جنوب الوادي.
2-6 كما جاء عن قطاع النقل والمواصلات
أنه يهدف إلى الارتقاء بشبكات الطرق الحالية (في الوادي الضيق وخارجه) مع ربط جميع
أطراف الدولة خاصة مناطق التوطن الجديدة التي تمتد من المناطق المعمورة الحالية
وتوفير احتياجات الانتشار الأوسع في الحيز المكاني غير المطروق الذي يمتد إليه
العمران.
2-7 وعن التنمية السياحية ذكر التقرير أن
السياحة تقوم بتحقيق جانب هام من جوانب التنمية الاقتصادية هو التنمية الإقليمية
وذلك بخلق مناطق ومجتمعات عمرانية وسياحية جديدة تساهم في خلق فرص عمل للمواطنين وتسمح
بالاستيطان الدائم لهم وذلك بالسعي إلى الوصول بعدد السياح إلى نحو 27 مليون
سائح في نهاية عام 2017 وزيادة أعداد الليالي السياحية إلى ما يقرب من 217 ليلة
وزيادة الطاقة الفندقية إلى ما يقرب من 618 ألف غرفة عام 2017.
2-8 وعن قطاع الإسكان والمرافق والمدن
الجديدة ذكر التقرير أن الرؤية الخاصة بسياسات الإسكان والمرافق والمدن الجديدة
تقوم على الالتزام بالأهداف الاستراتيجية للخروج من الوادي الضيق والانتشار
المنظم للسكان في ربوع البلاد ولتحقيق التوازن بين توزيع السكان والعمل على توفير
الأراضي بمرافقها للإسكان والخدمات والصناعة حفاظاً على الأرض الزراعية وإعطاء
الأولوية لتنفيذ مشروعات التجمعات الجديدة بمنطقة دلتا الوادي الجديد - وإنجاز
المخططات الهيكلية للتنمية العمرانية لمدن وقرى الجمهورية كافة (في الوادي
الضيق)مع التركيز على المدن ذات الأولوية وتوفير مياه الشرب والصرف الصحي بالمدن
والقرى جميعاً وتطوير الطراز المعماري المحلي بما يتفق مع تراثنا وحضارتنا. مع
الحفاظ على المباني ذات الطابع الخاص في إطار الحفاظ على التراث المعماري والثقافي
لمصر. وتطوير المكاتب الاستشارية الهندسية والارتقاء بها لتقوم بدورها في مسيرة
التنمية العمرانية. ومن أهداف هذا القطاع
توفير 280 ألف وحدة سكنية سنوياً حتى عام 2017 (في الوادي الضيق وخارجه) مع العمل
على تحقيق التوازن في العلاقة بين المالك والمستأجر.
2-9 وجاء في تقرير مجلس الوزراء أن
الدولة تستهدف إقامة 44 مدينة وتجمعاً جديداً تم تحديدها على مناطق مساحتها 2.5
مليون فدان تحتل المدن منها 190 ألف فدان مع تحقيق معدلات نمو كبيرة في هذه المدن
الجديدة وربطها بالمدن الأخرى والعواصم (في الوادي الضيق) بشبكات النقل السريع.
2-10 وتضمن
التقرير بعد ذلك استراتيجيات التعليم والبحث العلمي وبناء 1500 مدرسة سنوياً حتى
عام 2017 (في الوادي الضيق وخارجه) وتبع ذلك استراتيجية الموارد البشرية والقوى
العاملة واستراتيجية الصحة والسكان التي جاء فيها التوسع وزيادة أعداد المستشفيات
العامة والمركزية والمستشفيات القروية والوحدات الريفية والمراكز الصحية أما في
مجال السكان فتوضح تقريرات النمو السكاني بلوغ السكان نحو 80 مليون نسمة عام 2017
ومحاولة حفظ معدل النمو السكاني ليبلغ 1.3% عام 2017.
2-11 وعن
استراتيجية قطاع العدل والأمن الداخلي أشار التقرير إلى تطوير جميع أبنية المحاكم
وتحديثها وبناء الجديد منها (داخل الوادي الضيق وخارجه)بما يبرز جماليات حضارة مصر
المعمارية. وفي قطاع الثقافة يضيف التقرير العمل على تحقيق توازن دقيق بين الأصالة
والمعاصرة في المجالات الثقافية مع تجديد قصور الثقافة وبيوتها في المحافظات
(الحالية) وإنشاء قصور ثقافة جديدة ونشر بيوت ثقافة الطفل بالمحافظات (داخل الوادي
الضيق وخارجه)وتطوير المتاحف الأثرية والإقليمية وينطبق نفس التوجه في قطاع
الرعاية المدنية الذي يهدف إلى إنشاء مراكز تنموية بكل محافظة (في الوادي وخارجه).
2-12 تهدف استراتيجية الرعاية الاجتماعية - كما جاء في التقرير الوزاري - إلى
تحقيق الاستقرار الاجتماعي من خلال تنمية قدرات المرأة مع رعاية المسنين وإنشاء
أقسام لغير القادرين منهم. هذا بالإضافة إلى تنمية المجتمعات المحلية وإنشاء مراكز
جديدة (في الوادي) لرعاية الطفل في الريف ومؤسسات إيواء للأطفال ودور الحضانة
وإنشاء مراكز إعداد الأسر المنتجة بالجامعات مع مراكز التأهيل المهني الشامل (في
الوادي الضيق).
3-البحث عن
الآليات التي تحقق الاستراتيجية القومية:
3-1 لقد جاءت كل هذه الاستراتيجيات التي ذكرت
في تقرير مجلس الوزراء لتؤكد توفير معظم الخدمات والمشروعات الاستثمارية في
المجتمعات القائمة في الوادي الضيق وهو ما يزيد من عناصر الجذب الاستيطاني إليها
دون محاولة دفع نسبة من هذه الخدمات والمشروعات إلى المناطق الجديدة وزيادة وسائل
الجذب الاستيطاني إليها وذلك في إطارات التنمية الإقليمية للأقاليم التخطيطية التي
تربط المجتمعات القديمة بالمجتمعات الجديدة ربطاً عضوياً واجتماعياً وسكانياً
وتنموياً وحيث يمكن دفع نسبة من المؤسسات الخدمية والتنموية الرئيسية إلى المناطق
الجديدة مع تسهيل وسائل الوصول إليها من المناطق القديمة وخاصة عند اختيار مواقع
الجامعات أو الكليات والمعاهد الجديدة أو اختيار مواقع مراكز الخدمات الصحية
والإدارية الرئيسية فالاستراتيجية القومية للتنمية كما جاءت تفاصيلها في المجلد
الذي أعده مجلس الوزراء عام 1997 لم تتعرض من قريب أو بعيد للآليات التي تضمن
تحقيق الهدف الأول للاستراتيجية وهو نشر العمران على 25% من أرض مصر الخروج من
الوادي الضيق كما أشار إلى ذلك السيد رئيس الجمهورية في خطابه في يناير عام 1997.
3-2 ويتضح
من التقرير الذي أعده مجلس الوزراء عام 1997 أيضاً أنه لم يتعرض إلى الاستراتيجية
الخاصة بتطوير الإدارة المحلية بل ترك فعاليات التنمية بكل أبعادها في القطاعات
المختلفة تعمل على تطوير المحافظات في إطار حدودها الإدارية الحالية ولم تتطرق
الدراسة من بعيد أو قريب إلى دور الإدارة المحلية في تحقيق الأهداف التنموية
للأقاليم التخطيط وتحويلها إلى أقاليم تخطيطية إدارية حتى تتحقق أهداف التنمية
المحلية في إطار الأهداف الاستراتيجية القومية للاستيطان خارج الوادي الضيق. فنظام
الإدارة المحلية بتقسيماتها الإدارية الحالية يعتبر حجر عثرة في سبيل تحقيق دفع
السكان من الوادي الضيق إلى المناطق الجديدة ونشر العمران على 25% من أرض مصر كهدف
استراتيجي.
3-3 إذا كان من المهم وضع إطار عام لاستراتيجيات التنمية القومية للقطاعات
المختلفة فإن من الأهم وضع الاستراتيجيات الإدارية والتنظيمية التي تحقق الأهداف
الوطنية لهذه الاستراتيجيات وهو ما غاب عن صفحات المجلد الذي أعده مجلس الوزراء
عام 1997 والذي يعتبر قد حقق نصف ما ينبغي منه. فالتنمية بكل مكوناتها الاقتصادية
والاجتماعية والعمرانية يصعب تحقيقها ما لم تعتمد على الآليات الإدارية والتنظيمية
القادرة والمؤهلة. ومعنى ذلك ربط الأهداف التخطيطية على كل المستويات بالإمكانيات
والقدرات التنفيذية في كل مستوى وإلا فقدت الأهداف مصداقيتها وفعاليتها الأمر الذي
يجب أن يطرح عل الرأي العام بكل فئاته بهدف التوعية أولاً ثم الدعوة إلى المشاركة
في اتخاذ القرارات الصعبة التي تمس الغالبية العظمى من السكان الذين تدعوهم
الاستراتيجية القومية للتنمية للخروج إلى المناطق الجديدة قبل أن يحصرهم الوادي
الضيق بلا متنفس اقتصادي أو صحي أو سكني، الأمر الذي يقع في أولويات الاستراتيجية
الإعلامية بكل وسائلها المقروءة والمرئية والمسموعة تجنباً للأخطار التي سوف يتعرض
لها المجتمع إذا استمر استيطانه للوادي الضيق الذي يضيق بسكانه حالياً ويتعرض فيه
لأخطار صحية واجتماعية وأمنية ونفسية كثيرة بسبب الزيادة العالية للكثافة السكانية
كما أقر بذلك خطاب السيد رئيس الجمهورية في يناير عام 1997. وإذا كان التقرير
الوزاري قد قدر تعداد السكان عام 2017 بحوالي 80 مليون نسمة وأن المدن الجديدة
وعددها 44 مدينة ينتظر أن تستوعب 20 مليون نسمة عام 2017 على أعلى تقدير يمكن
تصوره وذلك بمتوسط 450 ألف نسمة لكل مدينة فإن ما سوف يتبقى في الوادي الضيق 60
مليون نسمة على أحسن تقدير إن لم يكن 70 مليون نسمة على أساس التقدير الواقعي
ومعنى ذلك أن الضغط السكاني في الوادي الضيق والذي يقول تقرير مجلس الوزراء لعام
1997 عنه أنه قد بلغ أقصى مداه سوف يزداد إلى أكثر من هذا المدى الأمر الذي
ينبئ بكارثة عمرانية في الوادي الضيق وتصبح الاستراتيجية القومية
للتنمية والتي تعرض لها تقرير مجلس الوزراء غير ذات موضوع.
4 - التجمعات العمرانية
في الوادي بين التخطيط والتطوير والتهجير:
4-1 تعرضت مدن الوادي إلى العديد من
المحاولات التخطيطية بداية من عام 1958 عندما قامت وزارة الشئون البلدية والقروية
بإعداد المخططات العامة للعديد من مدن الوجه البحري والصعيد وكان منها مدن القاهرة
وبنها وطنطا وأسيوط كبداية لوضع مخططات عامة لباقي المدن. وأعدت هذه المخططات في
ضوء البيانات والخرائط والإحصائيات المتوفرة في ذلك الوقت وتحددت في ضوئها صورة
استعمالات الأراضي وشبكات الطرق وارتفاعات المباني بعد عشرين عاماً من تاريخه حتى
تكون دليلاً أمام البلديات لتنفيذ مشروعاتها ولوائحها، وقدمت هذه المخططات على
خرائط كبيرة محمولة على ألواح خشبية ما فتئت أن تحولت بعد عامين إلى قواطيع في
الغرف والممرات نظراً لصعوبة الرجوع إليها من ناحية وعدم جدواها عملياً في التطبيق
من ناحية أخرى فلم تكن يسندها قانون أو لوائح ملزمة لأعمال البناء والتطوير. وفي
بداية السبعينات وبعد إنشاء هيئة تخطيط إقليم القاهرة الكبرى - على غرار لندن
الكبرى- بدأ العمل في وضع المخططات العامة لمدينة القاهرة ومحيطها الإقليمي الذي
تحددت حدوده تقديرياً ليضم إليه المجتمعات التي ترتبط بالقاهرة بأكبر نسبة من
الحركة. وجاءت حدود إقليم القاهرة الكبرى ليضم شمالاً جزءاً من محافظتي القليوبية
والمنوفية كما يضم غرباً محافظة الجيزة وقد أعدت المخططات العمرانية دون هدف واضح
يساعد على الاستيطان خارج الوادي كما كان الهدف من تخطيط لندن الكبرى هو إنشاء
تجمعات عمرانية حولها لتمتص الكثافة السكانية العالية في وسط المدينة. وبعد ذلك
تحولت هيئة تخطيط القاهرة الكبرى إلى الهيئة العامة للتخطيط العمراني ليشمل نشاطها
إعداد المخططات الإقليمية والمخططات العامة للمدن والمخططات العمرانية التفصيلية
للمناطق ذات الأولوية وذلك في ضوء المحددات والقواعد والأساليب التي حددها قانون
التخطيط العمراني رقم 2 لعام 1983 الذي سبق وأن قدم لمجلس الشعب عام 1971 حاملاً
الفكر التخطيطي الذي كان سائداً في الستينات في دول الغرب أي أنه تمت الموافقة
عليه من البرلمان بعد أحد عشر عاماً من تقديمه الأمر الذي ينم عن عدم وضعه ضمن
الاهتمامات الأولى للدولة في ذلك الوقت ربما لوجود بعض القيود المنظمة للعمران
والتي ربما لا تروق لأصحاب المصالح الخاصة. وأعيد التخطيط العام للقاهرة مرة أخرى
في منتصف الثمانينات. وبدأت تظهر المشاكل الإدارية والتنظيمية في تنفيذه فهو معد بواسطة
هيئة في وزارة الإسكان وتقوم بتطبيقه إدارة عامة للتخطيط العمراني تعمل في إطار
أجهزة محافظة القاهرة التي يوجه أعمالها مجلس محلي وآخر تنفيذي لكل منهما رؤيته
الخاصة في التطبيق سواء أكان ذلك من منظور سياسي أو لهدف قومي أو لمصلحة خاصة أو
غير ذلك من الأسباب ومع ذلك فهناك جهات عديدة لها قراراتها الخاصة في مجال تعمير
المدينة. الأمر الذي تسبب في وقف العمل بهذا المخطط إلى أن اعتمده الوزير المختص
ليستطيع أن ينفذ بعض المشروعات. ومع ذلك فلم يخرج عن المخطط العام المعتمد إلا عدد
قليل من المخططات التفصيلية لبعض المناطق في المدينة وهنا تطلب المخططات التنفيذية فقط في حالات تطوير شبكات الطرق أو
تطوير بعض المناطق العشوائية أو تخطيط بعض المناطق المستجدة والتي تحتاج إلى
مخططات تفصيلية توضح عليها استعمالات الأراضي ونظم ولوائح البناء المناسبة لكل
قطاع عمراني فيها. وهذه المناطق كثيراً ما يتم التعامل معها من قبل الإدارة
المحلية بما يخالف المخطط التفصيلي المعتمد لها سواء أكان ذلك رغبة من المجالس
المحلية أو التنفيذية أو رغبة بعض المسئولين في تخصيص أراضي لمشروعات معينة سياحية
أو تجارية أو إدارية وقد يتطلب الأمر في بعض الأحيان التغيير في بعض مسارات الطرق
أو السماح للبناء على أراضي مخصصة كمناطق مفتوحة وربما يتطلب الأمر بناء كباري
علوية أو أنفاق سفلية في بعض المواقع التي كانت معدة لاستعمالات أخرى في المخططات
التفصيلية ومعنى ذلك أن المخططات العامة للمدن أو المخططات التفصيلية التي توضع لبعض
المناطق تفقد أهدافها التي وضعت لتحقيقها بسبب أو لآخر يقره متخذ القرار ويجد له
مخرجاً من بنود قانون التخطيط العمراني . وهذا ما يؤكد عدم صلاحية المخططات العامة
التي ترسم صورة المدن بعد عشرين عاماً من تاريخ إعدادها وهي فترة طويلة جداً يتم
فيها العديد من التغيرات و التعديلات التي تخرج المخطط العام عن صورته الأولى .
وهذا ما يجرنا إلى أهمية دراسة أسلوب اتخاذ القرار بالنسبة للمشروعات العمرانية
وبالتالي يمكن وضع المخططات الهيكلية التي تتصف بالمرونة لمقابلة ما يطرأ عليها من
متغيرات يفرضها متخذ القرار من وقت لآخر. كما تسمح بمرونة التغيير أو التعديل في
مسارات شبكات البنية الأساسية والطرق التي هي المحدد الوحيد للملامح العمرانية
للمخطط العام.
4-2 لقد
أجمع خبراء التخطيط العمراني في العالم أن النظرية التقليدية لإعداد المخططات
العامة للمدن التي ترسم صورة العمران لها بعد عشرين عاماً من تاريخ إعدادها لم يعد
لها قيمة عملية أو تطبيقية وذلك من واقع الممارسة والمتابعة المستمرة والتقييم
العلمي لهذه النظرية الجامدة. وكان البديل الذي قدم في الستينات هو وضع المخططات
الهيكلية ذات الخاصية المرنة التي تقبل المتغيرات السياسية والاقتصادية
والاجتماعية والتكنولوجية المستقبلية. ومع أن هذا البديل ليس له سند قانوني في
قانون التخطيط العمراني رقم 3 لعام 1982 إلا أنها أحد دلائل الأعمال التخطيطية
التي كلفنا بإعدادها عام 1986 تحت عنوان
إعداد المخطط الإرشادي وهو ما بدئ الأخذ به في التسعينات ولا يزال قانون التخطيط
العمراني لم يراجع أو يتطور ولكن أجهزة التخطيط العمراني في الدولة بدأت تأخذ
بمبدأ التخطيط الهيكلي كبديل شرعي للمخطط العام كما جاء وصفه في القانون.
4-3 وإذا
كانت متطلبات الإنسان تختلف من شعب إلى آخر كماً ونوعاً فإنه من الصعب تعميم هذه
المتطلبات على جميع الشعوب بنظمها السياسية والاجتماعية والبيئية المختلفة. وهكذا
المدن يصعب أن توضع لها نظرية عامة سواء في تخطيطها أو في الارتقاء بها عمرانياً.
فهناك أسس فنية ومنهجية علمية في التناول ولكن السياسات والأهداف تختلف من مدينة
إلى أخرى. تبعاً لدورها في منظومة التنمية القومية أو الإقليمية . وإذا كان هذا
التوجه يتم العمل به في العديد من دول العالم إلا أنه في الحالة المصرية يعتبر
ضرورة حتمية نظراً للخاصية الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية لمصر .. حيث يقيم
95% من البشر على 5% من المساحة الكلية للدولة. فهنا يكمن الهدف في توزيع السكان على أكبر رقعة ممكنة من الأرض
حددتها الاستراتيجية التي قدمها مجلس الوزراء المصري عام 1997 بنسبة 25% وهذا
الهدف بالضرورة يتطلب سياسات تنموية اقتصادية واجتماعية وعمرانية تضمن تحقيقه على
أرض الواقع. من هذا المنطلق فإن أهداف المخططات العمرانية للمدن القديمة في الوادي
تختلف عن أهداف المخططات العمرانية للمدن الجديدة في مناطق التعمير الجديدة .
فالهدف التخطيطي الأولي يعتبر هذه المدن طاردة بينما الهدف التخطيطي للثانية
يعتبرها مدن جاذبة. وبالتالي تختلف السياسات التي تحقق الهدف الأول عن السياسات
التي تحقق الهدف الثاني وإن كانت كل من السياستين تعمل لهدف واحد وهو جذب السكان
من المدن القديمة وتوطينهم في المدن الجديدة. وبالتالي كذلك تختلف أساليب وآليات
التنمية العمرانية في الحالة الأولى عنها في الحالة الثانية وإن كانت هذه الأساليب
وهذه الآليات تعمل معاً لتحقيق الاستراتيجية القومية للاستيطان خارج الوادي الضيق.
4-4 ويبقى التساؤل عن البعد المكاني للاستراتيجية القومية للاستيطان خارج
الوادي وهل تتم باعتبار الدولة إقليماً واحداً أو أنها مكونة من عدة أقاليم
تخطيطية بكل منها مجموعات من التجمعات العمرانية المحلية. وقد بدأ الفكر التخطيطي
في أول الأمر بالبعد المحلي للتجمعات العمرانية والقرى وبعد فترة بدأ البعد
الإقليمي يظهر كضرورة لتحديد الوظائف العمرانية للمدن والقرى وربط العلاقات بينها
كما جاء في نظريات التخطيط الإقليمي التي ظهرت في بولندا في الخمسينات ثم في
ألمانيا ثم في المملكة المتحدة وفرنسا وغيرها من الدول التي يختلف نسيجها العمراني
القومي والإقليمي عن النسيج العمراني لمصر . ففي هذه الدول ينتشر العمران والسكان
على معظم المساحات الكلية لهذه الدول وهو نسيج معاكس تماماً للنسيج العمراني لمصر
ففي الدول السابقة يعيش حوالي 95% من البشر على حوالي 95% من الأرض بينما في مصر
يعيش 95% من البشر على 5% من الأرض. الأمر الذي لا تصلح معه نظريات التخطيط
الإقليمي الواردة من الغرب في مثل هذه الحالة حيث يمكن اعتبار الدولة كإقليم واحد
فيه 5% من المساحة الكلية منطقة طاردة ومناطق التعمير الجديدة مناطق جاذبة. فقد
ثبت عملياً أن تقسيم الدولة إلى ثمانية أقاليم تخطيطية لم يجني ثماره . فوزارة
التخطيط تعتبر هذه الأقاليم حيزاً مكانياً لاستطلاع متطلبات المحافظات فيه من
استثمارات الخطط الخمسية. وهذه عملية لا تتطلب وجود أجهزة تخطيطية تابعة لوزارة
التخطيط في كل إقليم - وعلى الجانب الآخر أنشأت الهيئة العامة للتخطيط العمراني
أجهزة تابعة لها في كل إقليم تخطيطي من هذه الأقاليم لمعاونة المحافظات في الإقليم
على إعداد المخططات العامة أو الهيكلية للتجمعات العمرانية فيها باعتبار كل محافظة
إقليماً إدارياً. وهذا ما أدى إلى غياب التكامل بين التخطيط الاقتصادي الاجتماعي
والتخطيط العمراني أو حتى التنسيق بينها.
4-5 وفي أي الحالات لا تزال التنمية المستدامة غائبة في العمليات التخطيطية
سواء منها التخطيط الاقتصادي الاجتماعي أو التخطيط العمراني. فالتنمية المستدامة
تعمل على استغلال الموارد المتاحة طبيعياً أو بشرياً أو مالياً وعدم استنزافها
خاصة في المناطق الجديدة الجاذبة التي يتم تنميتها من خلال مشروعات استثمارية
يتحدد فيها حجم المنتج أو الخدمة وبالتالي يتحدد حجم العمالة اللازمة في مراحل
المشروع والذي على أساسه يتولى المخطط العمراني حساب حجم العمالة المعاونة في
المجالات الإدارية والتجارية والتعليمية والصحية أي حساب حجم السكان المرتبط
بالمشروعات ومصادر اجتذابها من المواقع الطاردة في المجتمعات العمرانية القديمة
وبالتالي يمكن وضع الآليات التي تساعد على عمليات الإرسال من الثانية وعمليات
الاستقبال في الأولي وهذه الآليات هي التي تعمل على تحقيق الأهداف الاستراتيجية
القومية للاستيطان خارج الوادي. وعلى هذا الأساس تتحدد أهداف وسياسات المخططات
الهيكلية لتطوير أو تحسين الأوضاع في التجمعات العمرانية القديمة كما تتحدد أهداف و
سياسات المخططات الهيكلية لبناء التجمعات العمرانية الجديدة كل منها مدعمة
باللوائح والقوانين مع النظم الإدارية والمالية والفنية المناسبة بحيث يتأكد مبدأ
المساواة بين أفراد المجتمع فلا يعقل أن يكون نصيب الفرد في القاهرة من الخدمات
أضعاف نصيب الفرد من الخدمات في المدن الأخرى داخل الوادي الضيق . كما لا يعقل أن
يكون نصيب الفرد من الخدمات في مدن الوادي الضيق أضعاف نصيب الفرد من الخدمات في
المجتمعات العمرانية الجديدة. فالعكس هو الأصح لتحقيق الاستراتيجية القومية
للاستيطان خارج الوادي. إن ذلك يستدعي إعادة النظر في أسعار هذه الخدمات فمن يريد
أن يقيم في القاهرة بخدماتها عليه أن يتحمل أعباء إقامته فيها. وهذه الأعباء تتمثل
في أسعار الخدمات التي تتوفر في المدينة وما ينفق فيها لإنشاء الطرق المعلقة
والجسور فوق الأرض والأنفاق تحت الأرض. وما ينفق على المعاهد والجامعات والمراكز
التجارية والترفيهية التي تعتبر عناصر جذب هنا في الوقت الذي يفترض أن تكون
المدينة طاردة إلى المناطق الجديدة التي تتوفر فيها هذه الخدمات بالأسعار المقبولة
للمستوطنين الجدد في هذه المناطق وفي حالات كثيرة تتوفر هذه الخدمات دون مقابل
خاصة للرواد الأوائل لهذه المناطق. وهذه إجراءات لا تستدعي انتظار المخططات
القومية أو الإقليمية أو المحلية ولا تستدعي كل هذه الدراسات والخرائط والبيانات
بل هي إجراءات تنظيمية إدارية فورية يمكن أن تضعها الدولة وتعمل على توعية المجتمع
بأسبابها وأهدافها حتى يكون مشاركاً في اتخاذ القرار أو متفاعلاً معه بدلاً من أن
ينزل عليه فجأة من أعلى.
4-6 وإذا كانت المدن القديمة أو الجديدة هي كيانات عضوية كالشجرة تبدأ كبذرة ثم
تنمو وتنمو حتى تثمرأو يتوقف نموها عند حد معين في بعض الأحيان أو تموت بعد فترة
قصيرة في أحيان أخرى فإن التعامل مع هذه المدن يبدأ من هذا المنطلق والعمران يكونه
البشر اقتصادياً واجتماعياً والحجر وظيفياً وإنشائياً متمثلاً فيما يبنى فوق سطح
الأرض أو ما في باطنها فالعمران هو مزيج من البشر والحجر في كيان عضوي واحد يتأثر
بكل العوامل التي يعيش فيها بيئياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وعلمياً. فمن
المنطق أن يتم التعامل مع المدن ليس بالتخطيط الجامد ولكن من مفهوم التنمية
العمرانية كعملية مستمرة تحتاج إلى رعاية تنظيمية وإدارية وتشريعية قادرة على
التفاعل والتجاوب مع التغيرات التي تطرأ على العوامل المحيطة بالعمران من البشر
والحجر معاً. سواء أكانت هذه العوامل داخلية في المجتمع أو خارجية من مؤثرات
سياسية وهي التي يلعب فيها متخذ القرار دوراً هاماً في خلق المتغيرات أو المؤثرات
في النظم الاقتصادية التي توجه أساليب الاستثمار في البناء حيث يكون لرأس المال
العام والخاص الذي تمثله المصالح الشخصية دوره المؤثر على التنمية العمرانية. ما
لم تتدخل الدولة وهذا من واجبها في توجيه هذه الاستثمارات لخدمة المصالح القومية
الذي تفرضه الاستراتيجية القومية للاستيطان خارج الوادي. وهكذا تصبح التنمية
العمرانية عملية مركبة ومتشابكة العوامل مختلفة البدائل والأولويات. الأمر الذي
يتطلب أساليباً متطورة للمعلومات المغذية لهذه التنمية بحيث تتجدد باستمرار ويمكن
استرجاعها عند الحاجة. وهذه عملية تحتاج إلى تقنية متقدمة تنتج الأرقام والمعلومات
كما تنتج الخرائط والبيانات على مختلف المستويات القومية والإقليمية والمحلية من
ناحية وفي أبعادها القطاعية من ناحية أخرى. هذه هي ميكانيكية العملية التنموية
التي تقوم بها أجهزة متكاملة التخصصات فهي لا تحتاج إلى اجتهادات شخصية أو قرارات
عنترية بقدر ما تحتاج إلى عشرات من دلائل الأعمال التي توضح بالتفصيل كيفية
التعامل مع المكونات المختلفة لميكانيكية العملية التنموية سواء في المكونات
الاقتصادية أو الاجتماعية أو البيئية أو الخدمية أو الهندسية أو التنظيمية أو
الإدارية أو التشريعية أو السلوكية. وهنا تتغلب علوم التنمية العمرانية لتصبح
علوماً متكاملة ينخرط فيها الاقتصاديون و الاجتماعيون والمعماريون و المهندسون و
الإداريون والبيئيون والجغرافيون في مناهج متكاملة بحيث تقوم كل من هذه التخصصات
بدورها في العملية التنموية المتكاملة وتتكون هذه التخصصات من خلال برامج علمية في
الدراسات العليا المتكاملة حتى يعمل كل منهم في مجال تخصصه وفي إطار ميكانيكية
العملية التنموية -كما اقترحنا ذلك عام 1972 لمجلس جامعة عين شمس.
4-7 تلعب
الإدارة المحلية دوراً هاماً ومؤثراً في التنمية العمرانية بصفتها القائمة على
تنفيذ المشروعات المدرجة لها في الخطط الخمسية المتتالية. والإدارة المحلية تقترح
مشروعاتها حتى يمكن تقدير قيمة الاستثمارات الملازمة لها من موارد الدولة.
والإدارة المركزية هي التي تحدد في النهاية حجم الاستثمارات المتاح وبالتالي تتمكن
الإدارة المحلية من تغيير خططها في ضوء الموازنات الجديدة. والإدارة المحلية قد
تتولى الإشراف المباشر على مشروعات الخدمات التعليمية والصحية والأمنية والإدارية
الواقعة داخل حدودها وقد لا تتولى الإشراف على المشروعات الإقليمية التي تمر داخل
حدودها الإدارية. وكذلك المشروعات ذات الوظيفة المركزية. وهنا تتداخل اختصاصات
أجهزة التخطيط المحلي باختصاصات أجهزة التخطيط المركزي وبالتالي تختلط الأوامر
الإدارية والتنظيمية كما تختلط الصلاحيات المالية بين المركزية والمحلية وتختلط
قرارات المجالس المحلية بقرارات المجالس التنفيذية في نفس المحافظة. وكلما زادت
أعداد المحافظات زاد تعقيد العلاقات بين المركزية والمحلية خاصة وأن المجالس
المحلية هي المؤثرة على اتخاذ القرار في المشروعات العمرانية المحلية ولأيهما
تحقيق الاستراتيجية كأولوية مطلقة على المستوى القومي. فكل ما يهم المجالس المحلية
هو توفير أكبر قدر من الخدمات وجذب أكبر قدرمن الاستثمارات داخل حدودها الإدارية
وهي بذلك تساعد على التركيز السكاني داخل
حدودها الإدارية في الوادي الضيق. والخروج من هذا التضارب في القرارات المركزية
والمحلية يستوجب الإقلال من الحدود الإدارية وتجميع المحافظات الحالية في أقاليم
تخطيطية يضم كل منها جزء من المناطق القديمة وآخر من المناطق الجديدة مكونة بذلك
حدوداً إدارية جديدة وتوجيه الخطط التنموية فيها بآليات تنظيمية وإدارية لتحقيق
الاستراتيجية القومية للاستيطان خارج الوادي الضيق وبهذا المنطلق سوف تتطابق
الحدود الإدارية مع الحدود التخطيطية مكونة بذلك أقاليم تخطيطية إدارية أقل عدداً
وأكثر فعالية لتحقيق الاستراتيجية القومية كهدف حتمي لا يمكن الخروج عنه تفادياً
للكارثة العمرانية التي قد تواجهها الدولة إذا لم تسرع في تنفيذها دون تأخير.
5-
الاستراتيجية القومية للاستيطان خارج الوادي الضيق - المنهج والآليات:
5-1 إذا كانت المشروعات القومية الكبيرة في
توشكى والعوينات وشمال خليج السويس وشرق التفريعة وسيناء بالإضافة إلى أربعة
وأربعين مدينة جديدة قدر لها أن تستوعب 20 مليون نسمة على مدى عشرين عاماً بمعدل
مليون نسمة سنوياً على أحسن تقدير أو على الأقل نصف مليون نسمة سنوياً. مع أن هذا
الرقم لا يزال موضوع تساؤل عن مدى تحقيقه. الأمر الذي يستوجب البحث عن قنوات إضافية
لتحقيق الاستراتيجية القومية للاستيطان خارج الوادي، وذلك لن يتأتى إلا بالعمل على
توطين الأنشطة والمشروعات الاستثمارية المدرجة في الخطط الخمسية المتتالية
للمحافظات والمدن القديمة خارج الوادي الضيق أو على أطرافه، الأمر الذي يتطلب
الآليات التي تساعد على تحقيق ذلك من خلال زيادة قوى الجذب إلى الخارج مع زيادة
قوى الطرد من الداخل دون أن يخل ذلك بالمتطلبات الحياتية الأساسية للمجتمعات
القائمة. ومع قياس الجدوى الاستيطانية لكل مشروع على حدة حتى يمكن وضعه على
الخريطة العمرانية للدولة.
5-2 بالمنطق السابق يمكن قياس الجدوى الاستيطانية
-لأي مشروع مثل مبنى الأوبرا المزمع إقامته في ميدان الأوبرا القديم. فالمشروع لا
يعد من المتطلبات الحياتية لمجتمع القاهرة كما أنه سوف يتولد عنه حجم كبير من حركة
المرور التي سوف تضاف على الكثافة المرورية الشديدة التي تتحرك في الميدان وفي ما
حوله من شوارع. كما أن المشروع سوف يجذب إليه أعداداً كبيرة من العمالة سواء في
داخل المبنى أو في خارجه بالإضافة إلى ما سوف يجذبه من أنشطة هامشية أخرى تزيد من
الضغط السكاني في المنطقة التي هي جزء من القاهرة، وبذلك يفقد المشروع جدواه
المحققة للاستراتيجية القومية للاستيطان. ويمكن البحث له عن موقع آخر في مدينة
جديدة خارج الوادي الضيق ليزيد من عناصر الجذب إليها وهكذا تتم دراسة الجدوى
الاستيطانية للمشروعات العمرانية.
5-3 كذلك
يمكن إدراج المتطلبات المستقبلية للجامعات الحالية الموجودة داخل الوادي الضيق ضمن
خطط الاستيطان خارج الوادي. وذلك بتجميعها في كليات جديدة تكون جامعات جديدة
ومراكز بحوث أنوية لمدن جامعية جديدة تضم إسكان هيئات التدريس والعاملين والطلبة.
بالإضافة إلى الخدمات العامة التي تترتب على ذلك مكونة مجتمعات علمية جديدة في
بيئة جديدة وبفكر أكاديمي جديد خارج الوادي الضيق حتى تتحقق الطفرة التكنولوجية
التي تطمح إليها مصر. وفي هذا السياق يمكن مراجعة مكونات المباني الجامعية الحالية
في الوادي الضيق والبحث عن إمكانية تحويلها إلى مباني تعليمية أو صحية تخدم
المتطلبات العاجلة للمجتمعات المحلية القائمة داخل الوادي.
5-4 في
مجال آخر يمكن استغلال القروض التي يمنحها الصندوق الاجتماعي للشباب لمساعدتهم على
فتح آفاق جديدة للعمل في مجال الصناعات الصغيرة أو الحرفية في بناء الإسكان
بالجهود الذاتية في مجتمعات إنتاجية صغيرة يتوفر فيها العمل والسكن معاً وما
تتطلبه الخدمات والمرافق العامة المحلية وذلك في إطار العلاقات العمرانية في
الأقاليم التخطيطية للمناطق الجديدة التي تضم المدن الكبيرة والقرى الإنتاجية
الصغيرة. في هذه الحالة يمكن قيام الشباب بالمساهمة بالجهود الذاتية في بناء
مساكنهم بأنفسهم بأساليب مناسبة للبناء كما يمكن بنفس المنهج مد المرافق وتوفير
الخدمات المحلية كما يمكن توفير الإسكان للفقراء بنفس الأسلوب بعد تأهيلهم
اجتماعياً ومهنياً وثقافياً أولاً ثم تدريبهم على أعمال البناء لأنفسهم بأنفسهم
خلال مرحلة الإيواء قبل الانتقال إلى مساكنهم الجديدة وهم أكثر استعداداً للتعامل
معها بعد الارتقاء بهم اجتماعياً وثقافياً. ويستدعي هذا الاتجاه قيام الجمعيات
الأهلية التي تستطيع تنظيم وإدارة أعمال التنمية المتكاملة للمجتمعات الفقيرة أو
لمجتمعات القرى الإنتاجية على غرار الجمعية المركزية لإيواء المحتاجين. على أن
تعمل هذه الجمعيات تحت مظلة مؤسسة عامة لإسكان الشباب وإيواء المحتاجين تكون حلقة
الربط بين الدولة التي توفر الأراضي المرفقة والجمعيات الأهلية التي تقوم
بالدراسات الاجتماعية والإحصائية للفئات المستفيدة وإخراجها من المدن القديمة
وتوطينها في المجتمعات الصغيرة أو القرى الإنتاجية والتي يجب أن تعطى الأولوية
والأفضلية في التنمية والتعمير عن القرى الريفية داخل الوادي الضيق في نفس الوقت
الذي يتم فيه توثيق الربط الاجتماعي بين القرى الجديدة والقرى الريفية القديمة في
الوادي الضيق.
5-5 في
إطار البحث عن الآليات التي تحقق الاستراتيجية القومية للاستيطان خارج الوادي يمكن
للدولة أن تقوم بدمج الأجهزة القائمة على
أعمال التنمية في آلية واحدة تعمل على الربط بين التنمية الاقتصادية الاجتماعية
بالتنمية العمرانية حتى تتحقق الاستراتيجية القومية للاستيطان خارج الوادي ونظراً للأهمية
العظمى لهذه الاستراتيجية في بناء مصر المستقبل فإن ذلك يستوجب تواجه الآليات
القادرة على تحقيق أهداف هذه الاستراتيجية ويتحقق ذلك بدمج أجهزة التنمية
الاقتصادية الاجتماعية مع أجهزة التنمية العمرانية في إطار إداري وتنظيمي واحد
يعمل على المستوى القومي والإقليمي والمحلي بعد تطوير حدود الإدارة المحلية بحيث
تتطابق الحدود التخطيطية بالحدود الإدارية. وتتحدد العلاقة التبادلية بين
المستويات التخطيطية المختلفة رأسياً كما تتحدد العلاقات التكاملية بين الأجهزة
القطاعية أفقياً في الإقليم التخطيطي الإداري الواحد. وهذا يتطلب بدوره توفير نظام
المعلومات المناسب لكل مستوى أجهزة للمعلومات مركزياً ومحلياً بنظام موحد.
5-6 من الآليات التي تساعد على تحقيق الاستراتيجية القومية للاستيطان خارج
الوادي تكليف الشركات العقارية التي ترغب في الاستثمار العقاري خارج الوادي أن
تتكفل بتطوير المناطق المزدوجة أو العشوائية داخل المدن القائمة بهدف تحسين البيئة
العمرانية فيها وتوطين نسبة من سكانها خارج الوادي واستثمار المناطق التي تخلو في
هذه المناطق من مشروعات خدمية أو ترفيهية محلية للسكان الباقين في هذه المناطق.