تحميل

   منظمة العواصم والمدن الإسلامية

مؤتمر متابعة جدول أعمال الموئل في المدن الإسلامية

تونس  من 27 إلي 30 مارس 2000م


 

( الخصوصية المكانية والسكانية في تطوير المستوطنات البشرية )

الدكتور عبد الباقي إبراهيم

 

1- رصد التجارب الدولية في نشاط العمران :

1-1 التجربة في المدن الغربية:

 

·         لابد وأن نقر بأن علوم العمران السائدة تعتمد على المرجعية الغربية في النظرية والمنهج والأسلوب كما في التعليم والتدريب والممارسة .

·         قامت النظرية الغربية لمعالجة المشاكل العمرانية التي نتجت عن التحولات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية في أعقاب الثورة الصناعية وهى تتحول الآن لمواجهة التحولات الناتجة عن ثورة الاتصالات.

·         كل ذلك في إطار الخصوصية الجغرافية والسكانية في الدول الغربية حيث الانتشار السكاني متوازناً على كامل الأرض، وحيث الانخفاض المستمر في معدلات الزيادة السكانية، وحيث انتشار الثقافة العمرانية مع زيادة المشاركة الشعبية، وحيث الارتفاع المستمر في المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

·         التخطيط بهدف التطوير والارتقاء بالمستوى العمراني في المدن القائمة مع التحسين لمواكبة التقدم التكنولوجي المتعاظم لخدمة الإنسان والبيئة.

·         إنشاء المدن الجديدة حول أنوية عمرانية قائمة بهدف توفير بيئة عمرانية أفضل وتخفيف الحمل السكاني عن كاهل المدن الكبيرة وتأكيد التوازن السكاني على الأرض وجود الآليات القادرة على التخطيط والتنفيذ.

·         وضعت القوانين والتشريعات والمعايير التخطيطية والمعدلات ومناهج التعليم والمراجع وبناء القدرات لمواجهة المتطلبات الحالية والمستقبلية ثم تصدير الفائض من الخدمات الاستشارية ومنتجات صناعة البناء.

·         الدول النامية تحولت إلي حقول للتجارب العمرانية المستوردة فكراً وعملاً، فتغيرت هويتها الحضارية وضعفت قدراتها التنظيمية في إدارة العمران وازدادت الفجوة الحضارية والاقتصادية بين الشمال والجنوب وازدادت نسبة الفقر في الدول النامية .

 

 1-2 التجربة في المدن الإسلامية :

 

·         تطبيق التشريعات والنظريات والمعايير التخطيطية المستوردة أدى إلي التكدس العمراني في الأودية وعلى طول الشواطىء بالرغم من توفر الظهير الصحراوي الممتد بلا حدود في كل الأقطار الإسلامية .

·         تفاقم المشاكل العمرانية والبيئية والأمنية و المرورية والاجتماعية والثقافية نتيجة طبيعية للتكدس السكاني المتمثل في الكثافات وتركيز الخدمات والاستثمارات أدت إلي مزيد من الإهدار في الموارد الطبيعية والإنفاق على الحلول الوقتية التي لا عائد لها على المدى الطويل وذلك بحجة التلبية العاجلة للمتطلبات الجماهيرية دون إدراك للأثار الجانبية والمشاكل المستقبلية وذلك نتيجة طبيعية لأسلوب اتخاذ القرار في الشئون العمرانية ولاتساع الفجوة بين الفكر التخطيطي الذي يرى الأمور في أبعادها القريبة والبعيدة معاً والضغط السياسي الذي يؤدي إلي اللجوء للحلول السريعة في غياب التوعية بالثقافة العمرانية لدى الجمهور ولدى متخذ القرار في الإدارة المحلية.

·         لم تشهد القوانين والتشريعات العمرانية التى استندت إلي المرجعية الغربية تطوراً لمواجهة المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية مثلها مثل المناهج والبحوث التخطيطية الأمر الذي أدى إلي اتساع الفجوة بين التداول النظري والعمل التطبيقي وبين الفكر الأكاديمي والواقع الحقلي.

·          وكما بزغت النظرية الغربية وتطورت من الواقع الغربي يمكن البحث عن النظرية الإسلامية من واقع الخصائص العمرانية للمدن الإسلامية وفي ضوء النتائج المستفادة من التجارب التي مرت بها . فللمدينة سلوكياتها العمرانية المرتبطة بخصوصيتها الاجتماعية والثقافية والنابعة من موروثها الحضاري. لقد أصبح الانتشار العمراني استراتيجية حتمية لمواجهة ظاهرة الانفجار السكاني ويصبح إعمار الأرض هدف استراتيجي كما هو مضمون ديني، الأمر الذي يتطلب توفر الآليات التشريعية والحوافز الاقتصادية والاجتماعية التي تساعد على تحقيقه وذلك بتعظيم عوامل الجذب للمستوطنات الجديدة وانحسارها في المستوطنات القائمة والأخذ بمبدأ الجدوى الاستيطانية كعامل حاكم في الجدوى الاقتصادية للمشروعات العمرانية مع خفض الكثافات السكانية وتوفير المحسنات البيئية .

·         لما كانت الإدارة المحلية هى المحرك التنفيذي للتنمية العمرانية فإن النظرية الجديدة لتطوير المدن الإسلامية تتطلب الأخذ بمبدأ الأقاليم التخطيطية الإدارية التي تعمل على تكامل برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالتنمية العمرانية في بعدها المكاني الذي تمليه استراتيجية الانتشار العمراني على الظهير الصحراوي. وبالتالي يتم بناء القدرات المحلية لإدارة العمران من خلال البرامج التدريبية بعد تنظيم الهياكل الإدارية ومدها بدلائل الأعمال لمختلف المهام التي تقوم بها مع تعظيم القدرة على المتابعة والتقويم ثم التطوير في حلقات متتالية .

·         إن تعظيم المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار والتنمية المستدامة يحتاج إلي قدر كبير من التنوير والتوعية بالثقافة العمرانية حتى يكون المجتمع قادراً على المشاركة الواعية، الأمر الذي يتطلب تضافر كل الجهود الإعلامية والتعليمية وتوظيف كافة الوسائل المرئية والسمعية والمقرونة التي تخاطب وجدان الجماهير وعقولهم .

·         تستكمل المنظومة التنموية في المدن الإسلامية بتوحيد تشريعات التخطيط العمراني وتنظيم المباني وتحسين البنية مع العناية بالتبسيط والإيضاح والأحكام كما تستكمل بتعظيم دور مراكز بحوث البناء والإسكان والتخطيط العمراني للقيام بالمتابعة العلمية والتقييم والتطوير من خلال التجربة الواقعية لوضعها أمام متخذ القرار وذلك بالإضافة إلي العمل على استنباط عناصر جديدة في تكنولوجيا البناء المتوافقة مع البيئة المحلية والقدرات الفردية والمالية حتى يمكن خفض ميزان المدفوعات والحد من الاستيراد وتعظيم التجارة البيئية والخدمات الاستشارية  بين الدول الإسلامية .

·         إن تعمير الظهير الصحراوي يعتمد على جذب الاستيطان البشري الإنتاجي لفئات السن القادرة على الريادة في العمل عندما تتوفر لها كل الإمكانيات والآليات وجذب الاستثمارات التي تساعد على ذلك باعتباره أولوية مطلقة في التنمية الإقليمية مع إعطاء الأفضلية لمن يسبق في الإعمار و بناء على ذلك توضع خطط الإسكان في إطار استراتيجية الانتشار الاستيطاني في الصحراء.

·         إن الحفاظ على الثروة العقارية في المدن القائمة يتطلب وضع نظام للتأمين العقاري الذي يساعد على صيانة هذه  الثروة من التدهور والانهيار.

·         إن تطوير المناطق العشوائية والمتدهورة يتطلب المساهمة المتوازية للشركات العقارية التي تقوم بتنمية المناطق الجديدة حيث يمكن الربط بين أعمال الارتقاء بالمستوى العمراني للمناطق القديمة وبناء المستوطنات الجديدة في نفس الوقت ويندرج هذا المبدأ على جذب الاستثمار العقاري لتطوير المناطق التاريخية في إطار القواعد واللوائح التي توضع للحفاظ على التراث الحضاري لهذه المناطق .

·         لقد أصبح إيواء المحتاجين وإسكان الفقراء مطلباً هاماً لتفريغ المدن الإسلامية من سكنى الصفيح و العشش والقبور. وذلك في منظومة متكاملة تبدأ بالإيواء المؤقت الذي تتم خلاله أعمال التأهيل الاجتماعي للأفراد وتدريبهم على أعمال البناء بالجهود الذاتية لمساكنهم ثم الانتقال إليها  وتحويل الإيواء المؤقت إلي محلات للصناعات الحرفية والخدمية التي تتيح فرصاً جديدة للعمل للسكان .

·         يبقى المنهج الإسلامي هو الموجه الأساسي لإعمار الأرض والبناء وهو الأساس الفكري الذي تنبثق منه النظريات والسياسات ومنه يتحدد المنظور الإسلامي للنظرية المعمارية كما تتحدد منه النظرية الإسلامية للتنمية العمرانية .

 

2- مستقبل العمل في منظمة العواصم والمدن الإسلامية:

·         لما كان الاستيطان البشري له خصوصيته المكانية والسكانية فإنه يبقى بعيداً عن مبدأ العولمة الاقتصادية  الاجتماعية أو الثقافية فقد أعلن مؤتمر الاستيطان البشري في اسطنبول عام 1996 بأن العولمة توفر فرصاً وتحديات للعمليات التنموية كما تنطوي على أخطار وعدم تيقن لما قد ينجم عنها .

·         إن الارتقاء بالاستيطان البشري لا يتم بإعلان المبادىء والواجبات أو التوجيهات والسياسات كما تضمنتها الموضوعات التسع التي أقرت في مؤتمر اسطنبول ولكن يتم بالتعامل المباشر مع واقع المشاكل التي تواجهها المستوطنات البشرية .

·         لقد انعقد المؤتمر الأول للموئل في مانكوفر بكندا عام 1976 وانعقد المؤتمر الثاني بعد عشرين عاماً في اسطنبول ويجري الآن الاستعداد للمؤتمر الثالث اسطنبول 6 وبقيت أحوال المستوطنات البشرية في الدول النامية في تدني مستمر إلا فيما ندر منها. بالرغم مما جاء في 150 فقرة من إعلان اسطنبول تضمنت تفاصيل العمل المطلوب من الحكومات والمنظمات الوطنية.

·         إن الأمر يستدعي تقييماً محايداً لحالة الاستيطان في كل دول العالم ومدى تحقيقها للمبادىء والأسس التي وضعتها منظمة الموئل سواء في مجال التمكين والشفافية والمشاركة أو في التنمية المستدامة أو في بناء القدرات أو التوجه للامركزية وتقوية السلطات المحلية وإدارة العمران او في مجال المشاركة الشعبية ومحاربة الفقر وغير ذلك من المحاور التي وردت في إعلان اسطنبول .

وبالتالي يمكن تقييم الدور الفعال لمنظمة الموئل دولياً والبحث عن وسائل تعظيم دور المنظمات الإقليمية الأقرب إلي المشاكل والتي ترعى شئون الاستيطان والعمران مثل منظمة العواصم والمدن الإسلامية أو منظمة المدن العربية .

·         إن منظمة العواصم والمدن الإسلامية تستطيع أن تتطلع بالدور الذي تقوم به المنظمة الدولية للموئل وغيرها من المنظمات الدولية ذات العلاقة في إطار العالم الإسلامي التي تمثله ويشمل هذا الدور توفير المعلومات والإصدارات وتنظيم الندوات العلمية والدورات التدريبية والبحوث التطبيقية وبناء القدرات المحلية ومشاركة المنظمات الوطنية ومواجهة الانفجار السكاني بالانتشار العمراني كاستراتيجية إقليمية .

·         ويمكن أن يمتد نشاط المنظمة ليشمل تطور مناهج الاستيطان البشري في الجامعات الإسلامية وتفعيل النظرية الإسلامية في العمارة والإعمار ومعالجة المشاكل العمرانية المحلية في ضوء الخصوصية المكانية والسكانية لدول العالم الإسلامي وتوجيه البحث العلمي التطبيقي لمراكز البحوث المحلية بعيداً عن العمومية والنظريات المطلقة .

·         إذا كانت منظمة الموئل وبرنامج البيئة تدعوان إلي ضرورة تعظيم دور اللامركزية والإدارة المحلية في التنمية والتعمير. فلا أقل من تفعيل هذا المبدأ بإسناد جزءاً من مهامهما للمنظمات الإقليمية وتعزيزها بالموارد البشرية ومدها بالموارد المالية لتعظيم دورها في مساعدة الدول التي تتعامل معها مباشرة ويبقى عمل المنظمات الدولية في تفعيل مبدأ التكافل بين الدول لتضييق الفجوة بين الأغنياء والفقراء في دول العالم .

 



عن المركز :: نطاق الخدمات :: مشروعات المركز :: الدورات التدريبية :: الأنشطة الثقافية :: مجلة عالم البناء
أخبار المركز ::خريطة الموقع :: إتصل بنا
English