الاستراتيجية
القومية للاستيطان خارج الوادي
ومستقبل
العمران في مصر
إعداد
دكتور
عبد الباقي محمد إبراهيم
·
أستاذ
التخطيط العمراني ورئيس قسم العمارة بجامعة عين شمس سابقاً
·
كبير
خبراء الأمم المتحدة في التنمية العمرانية سابقاً
·
رئيس
الجمعية المركزية لإيواء المحتاجين
·
رئيس
جمعية إحياء التراث التخطيطي والعمراني
ـــــ
القاهرة في سبتمبر 1999
الاستراتيجية القومية للاستيطان خارج الوادي
ومستقبل العمران في مصر
1-مقدمة:
1-1 في
الكلمة التي ألقاها السيد الرئيس محمد حسني مبارك في الحفل الذي أقيم بمناسبة
البدء في مشروع وادي النيل الجديد يوم 9 يناير 1997 قال سيادته "واليوم يخوض
هذا الشعب ملحمة بناء جديدة تمثل مدخله الصحيح إلى القرن الحادي والعشرين وسند قوي
لمواجهة تحديات عصر قادم والجسر الذي يمكن أن تعبره مصر إلى مستقبل باهر تنتشر فيه
الحياة والعمران خارج حدود وادي النيل تستثمر إمكانيات مصر كلها ويوفر لملايين
المصريين حياة أفضل" ، وقال " لقد أملت ضرورات المستقبل البدء في تنفيذ
هذا المشروع العملاق بعد أن أصبح أمراً حتمياً أن ننطلق خارج حدود الوادي الضيق
الذي عشنا فيه قروناً طويلة لا نفكر في الخروج منه حتى ضاق بكثافته السكانية
العالية ولم يعد في إمكانه أن يستوعب طموحات مصر في غد أفضل" : وقال
"ولو أن الأمور مضت على هذا النحو دون رؤية جديدة شجاعة توسع رحاب التنمية
وتزيد رقعة العمران على أرض مصر وتخفف من الاكتظاظ السكاني للمدن والقرى فإن
النتيجة سوف تكون مزيداً من التكدس السكاني الذي يأكل ما يتبقى من أرض الوادي
القديم التي تعاني الآن من زحف عمراني خطير أكل أجود أراضيها".
1-2 يؤكد
ما قاله السيد رئيس الجمهورية ضرورة البحث عن رؤية جديدة شجاعة توسع رحاب التنمية
وتزيد رقعة العمران على أرض مصر وألا يكون هناك المزيد من التكدس السكاني الذي
يأكل ما تبقى من أرض الوادي القديم، وقد حذر في خطابه من أن الزحف العمراني إن لم
يتوقف سوف يأكل أجود أراضي الوادي. وإذا كان سيادته قد أشار إلى توجه الدولة إلى
إيجاد محاور جديدة للتنمية الاقتصادية العمرانية كما في مشروعات جنوب الوادي في
توشكى وشرق العوينات وشمال خليج السويس وفي سيناء وشرق التفريعة في بورسعيد وفي
غيرها من مناطق التنمية السياحية والزراعية وإذا كانت الدولة قد بدأت الأخذ بإنشاء
مدن جديدة خارج الوادي لامتصاص جزء من الفائض السكاني من الوادي القديم وإذا كانت
هذه المشروعات العملاقة والمدن الجديدة سوف تستوعب حسب تقديرات المخططين حوالي 20
مليون نسمة عام 2020 فإن تعداد السكان في ذلك الوقت سوف يبلغ حوالي 90 مليون ويعني
ذلك أنه سيبقى في الوادي الضيق 70 مليون نسمة على أحسن تقدير إن لم يكن 80 مليون
أي بزيادة كبيرة عما هو عليه حالياً. وعلى ذلك فإن الرؤية الجديدة الشجاعة لحل هذه
المشكلة والتي أشار إليها السيد الرئيس تستدعي العمل فوراً على وضع الاستراتيجية
القومية للاستيطان خارج الوادي ووضع الآليات القادرة على تنفيذها دون أدنى تأخير
لتفادي كارثة الانفجار العمراني على أرض الوادي باعتبار أن ذلك سوف يؤثر سلبياً مستقبلاً
على كل ما تقوم به الدولة حالياً من مشروعات عمرانية وإصلاحات اقتصادية واجتماعية
وتحسينات حضرية وبيئية وخدمية وتنظيمات إدارية وأمنية تنفق الدولة في سبيلها
مليارات الجنيهات.
1-3 إن الدولة وهي تضع برامجها التنموية وتوجه استثماراتها لمواجهة المشكلات الحالية
لا بد وأن تأخذ في الاعتبار ضرورة العمل سريعاً على مواجهة الخطر الداهم المتولد
عن الاكتظاظ السكاني للمدن والقرى وذلك بتوجيه الاستثمارات المخصصة للمشروعات
المختلفة حتى تحقق الاستراتيجية الاستيطانية خارج الوادي. وكثير من المشروعات التي
أقيمت وتقام ويتم التخطيط لها في مختلف المجالات من طرق وإسكان ومرافق وخدمات تقام
في مدن وقرى الوادي الضيق. فإذا كانت هذه المشروعات تواجه مشاكل عاجلة ومؤقتة إلا
أن البعض منها في واقع الأمر يمثل عقبة في سبيل تحقيق الأهداف التي جاءت في خطاب
السيد رئيس الجمهورية. الأمر الذي يستوجب توخي الحذر عند التخطيط لمثل هذه
المشروعات. فالطرق الزراعية التي أعدت لربط مدن وقرى الوادي وإن كانت قد ساعدت على
تحسين الحركة بين هذه التجمعات السكنية إلا أنها جذبت معها العديد من الأنشطة
العمرانية والصناعية والخدمية التي انتشرت على الأراضي الزراعية وتحولت إلى عناصر
جذب أكثر للاستيطان في قلب الوادي. وإذا كانت مشروعات الصرف الصحي والكهرباء
والمياه قد ساعدت على تحسين الحياة للمواطنين في مدن وقرى الوادي إلا أنها ساعدت
على الارتفاع بالمباني الريفية لتحاكي عمران المدينة وبالتالي اجتذبت إليها
الزيادة السكانية لتقيم وتتوالد وتتكاثر على رقعة الأرض المحدودة، الأمر الذي سوف
يؤثر آجلاً أو عاجلاً على كفاءة المشروعات التي أقيمت بمليارات الجنيهات. وإذا
كانت مشروعات الجامعات الإقليمية والمعاهد العلمية التي أقيمت في مدن الوادي الضيق
قد أدت جزءاً من متطلبات التعليم العالي حيث يقيم البشر إلا أنها جذبت إليها
العديد من الأنشطة السكنية والتجارية التي تطلبت العديد من الخدمات والمرافق
العامة، الأمر الذي زاد من الاكتظاظ السكاني مرة أخرى في هذه المدن. وإذا كانت
الكباري العلوية والأنفاق السفلية قد ساعدت بنسب محدودة على حل مشاكل المرور، إلا
أنها قد يسرت الإقبال على العمل والإقامة في المدن الكبيرة وبالتالي ساعدت على
الزيادة في تعداد سكان هذه المدن وبالتالي على الزيادة في تعداد السيارات التي
تضيف عبئاً أثقل على طاقة الطرق والكباري العلوية والأنفاق ويستمر تفاقم المشاكل
بمعدلات تصاعدية مما يحصد أمامه كل نتائج الإنجازات التي تمت في مختلف المجالات
الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية.
1-4 إذا كان الانفجار السكاني يبتلع معظم المجهودات الخارقة التي تقوم بها
الدولة ويساعد على زيادة الفقر وتدني الخدمات والمرافق آجلاً أو عاجلاً.فإن هذا
الانفجار السكاني يمكن مواجهته بواسطة الانتشار العمراني خارج الوادي. وهذا ما
تعالجه هذه الدراسة التي تسعى للبحث عن الأساليب التي تساعد على زيادة عوامل الجذب
الاستيطاني خارج الوادي بحيث تفوق عوامل الجذب الاستيطاني داخل الوادي. ويتم في
هذه الدراسة مراجعة وتقييم الدراسات التي جمعتها رياسة الوزراء عام 1997 في مجلد
بعنوان "مستقبل مصر في القرن الواحد والعشرين" وحددت مداها بعام 2020
كما تم مراجعة وتقييم الدراسات التي تمت لوضع خريطة مصر حتى عام 2017 ولم تتضمن
الإشارة إلى الآليات اللازمة لتحقيق هذه الدراسات وبالتالي تحقيق استراتيجية
الخروج من الوادي الضيق متضمنة جميع الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والخدمية
والأمنية والبيئية. وقد تعرضت بعض صفحات هذه الدراسة إلى تقييم تجربة المدن
الجديدة في مصر وما حققته من أهداف وما أصابها من قصور. كما تعرضت إلى التجارب
العمرانية التي شهدتها مدينة القاهرة كأكبر تجمع عمراني في مصر وما حققته من أهداف محدودة وما أصابها من قصور كبير. وكان لا
بد من الإشارة إلى عدالة توزيع الاستثمارات على الحيز العمراني المصري لتحقق
الاستراتيجية القومية للاستيطان خارج الوادي وبالتالي تطرقت الدراسة إلى سياسة
الإسكان في إطار سياسة الاستيطان وذلك للارتباط الوثيق بينهما، من إسكان الفقراء
وإيواء المحتاجين إلى الإسكان الاقتصادي والمتوسط وفوق المتوسط، مع ربط مكان السكن
بمكان العمل كسياسة عامة لتحقيق الاستقرار خارج الوادي وتخفيف الأعباء المعيشية.
والإسكان ليس فقط هو توفير الوحدات السكنية ولكن هو بناء مجتمعات سكنية متكاملة
الخدمات. إن الربط بين التخطيط واتخاذ القرار بشأن مكوناته يعتبر عاملاً هاماً من
عوامل الواقعية في التخطيط والتنفيذ والدراسة تبحث في هذا المجال العلاقة الإدارية
والقانونية بين خبراء التخطيط والسلطة في اتخاذ القرارات التنفيذية وهنا يبرز دور
الإدارة المحلية في توجيه الاستثمارات وتأثير ذلك على تحقيق الاستراتيجية القومية
للاستيطان خارج الوادي وهو ما تناولته الدراسة بهدف استبدال المحافظات بحدودها
الإدارية الحالية إلى أقاليم تخطيطية وإدارية تحقق أهداف الخروج من الوادي
والانتشار العمراني خارجه. وتطرقت الدراسة أيضاً إلى استنباط العديد من الدروس من
التجربة المصرية في مجال التعمير وخرجت الدراسة ببعض المؤشرات لتطوير مناهج
وأساليب التنمية العمرانية كعملية مستمرة في المدن والقرى القديمة وقدمت نظرية
جديدة لتنمية التجمعات الجديدة. وفي النهاية تضع الدراسة عناصر وآليات تحقيق
الاستراتيجية القومية للاستيطان خارج الوادي الضيق وما تحتاجه من إجراءات فورية
تجاوباً مع ما أدلى به السيد رئيس الجمهورية من توجيهات في هذا الشأن.
-
إن الهدف الأساسي لهذه
الدراسة هو إنقاذ العمران المصري من المصير الذي ينتظره إذا استمرت برامج التنمية
الاقتصادية الاجتماعية تتم في إطار الحيز العمراني الحالي لمدن وقرى مصر. والدراسة
بهذا المنطق تعمل على إيجاد التوازن البيئي والعمراني في إطار استراتيجية قومية
للاستيطان خارج الوادي. حيث أنه من العبث توجيه الإنفاق القومي للمعالجة العاجلة
للمشاكل البيئية دون معالجة المشكلة وغيرها من المشاكل من جذورها. حيث أن استمرار
تزايد التكدس السكاني في مدن وقرى الوادي الضيق سوف يؤدي إلى استمرار تزايد
المشاكل البيئية والعمرانية والاجتماعية والاقتصادية.
2- مستقبل مصر في القرن
الواحد والعشرين والخروج من الوادي الضيق:
2-1 لقد
جاء تحديد الصورة المستقبلية لعمران مصر في المجلد الذي نشره مجلس الوزراء تحت
عنوان -مصر والقرن الحادي والعشرين- وفي القسم الثاني على التحديد تحت عنوان ملامح
استراتيجية التنمية حتى عام 2017 وجاء من أهداف هذه الاستراتيجية:
1-
فتح المجال
أمام توطين ملايين من المصريين خارج الوادي الضيق الذي لا يتجاوز نحو 5.5% من
مساحة البلاد ليتسع الحيز المعمور إلى 25% من تلك المساحة - خلال عشرين عاماً.
2-
مضاعفة
الناتج المحلي الإجمالي كل عشرة سنوات بحيث يصل إلى أكثر من أربعة أضعافه عام 2017
3-
زيادة متوسط
نصيب الفرد من الناتج المحلي من 4270 جنيه إلى 13750 جنيه سنوياً عام 2017
4-
توليد نحو
550 ألف فرصة عمل سنوياً حتى يرتفع عدد المشتغلين من 15.8 مليون مشتغل عام 1997
إلى 26.8 مليون مشتغل في نهاية 2017
2-2 وجاء في نفس المجلد أن هذه الأهداف وغيرها
تتطلب تشجيع القطاع الخاص على القيام بدوره كشريك أساسي في عملية التنمية بحيث يصل
إسهامه في التنمية إلى نسبة 80% والدولة إلى 20% من حجم الاستثمار مع حث القطاع
الخاص على الاستثمار في مجالات البنية الأساسية من طرق ومطارات ومحطات قوى وأنشطة
خدمية متنوعة وذلك في إطار الخطط التي تضعها الدولة لهذه المشروعات.
2-3 وجاء في ملامح التنمية الزراعية ضرورة تحسين
إنتاجية الأراضي الزراعية القديمة وتحسين إنتاجها وحمايتها من الزحف العمراني
والارتفاع بإنتاجية مناطق الاستصلاح الجديدة التي تبلغ مساحتها 1.6 مليون فدان.
هذا بالإضافة إلى إيجاد وعي ادخاري بالريف المصري (في الوادي الضيق) وتشجيع قيام
اتحادات للمنتجين مع ضرورة استخدام الموارد المائية (في الوادي الضيق) باستخدام
مياه الصرف والمياه الجوفية والأمطار مع زيادة حجم الموارد المائية المتاحة بحيث
تدفع إلى التركيز على استصلاح نحو 3.4 مليون فدان حتى عام 2017 بالامتداد خارج
الوادي المعمور في جنوب الوادي والصحارى الشرقية والغربية ومصر الوسطى ومصر العليا
وسيناء.
2-4 وفي
مجال الصناعة يؤكد تقرير مجلس الوزراء على توفير المقومات للارتقاء بالمناخ
الاستثماري وبخاصة في المناطق الجديدة وتدعيم البنية الأساسية في تلك المناطق وهو
ما يؤدي إلى تطوير نمط الحياة بما يوجد من مجتمعات عمرانية متكاملة خارج الكتل
السكنية القائمة وذلك مع تحقيق التوزيع الإقليمي المناسب للأنشطة الصناعية
والاستغلال الأمثل للطاقات الإنتاجية للمصانع القائمة (في الوادي الضيق والمدن الجديدة).
2-5 تعرض
تقرير مجلس الوزراء لتطوير قطاع الكهرباء وزيادة إنتاجيته إلى حوالي 40 مليار
ك.و.س عام 2017 لتحقيق التنمية الاقتصادية الاجتماعية المتوازنة على المستوى
القومي والإقليمي وعلى وجه الخصوص في تنمية محافظات سيناء وتنمية جنوب الوادي -
ويتبع ذلك تطوير قطاع البترول مع تحقيق الانتشار الجغرافي لطاقات التكرير وتدعيم
جهود تنمية شمال الوادي والإسهام في جهود تنمية جنوب الوادي.
2-6 كما جاء عن قطاع النقل والمواصلات أنه يهدف
إلى الارتقاء بشبكات الطرق الحالية (في الوادي الضيق وخارجه) مع ربط جميع أطراف
الدولة خاصة مناطق التوطن الجديدة التي تمتد من المناطق المعمورة الحالية وتوفير
احتياجات الانتشار الأوسع في الحيز المكاني غير المطروق الذي يمتد إليه العمران.
2-7 وعن التنمية السياحية ذكر التقرير أن
السياحة تقوم بتحقيق جانب هام من جوانب التنمية الاقتصادية هو التنمية الإقليمية
وذلك بخلق مناطق ومجتمعات عمرانية وسياحية جديدة تساهم في خلق فرص عمل للمواطنين
وتسمح بالاستيطان الدائم لهم وذلك بالسعي إلى الوصول بعدد السياح إلى نحو 27 مليون
سائح في نهاية عام 2017 وزيادة أعداد الليالي السياحية إلى ما يقرب من 217 ليلة
وزيادة الطاقة الفندقية إلى ما يقرب من 618 ألف غرفة عام 2017.
2-8 وعن قطاع الإسكان والمرافق والمدن الجديدة
ذكر التقرير أن الرؤية الخاصة بسياسات الإسكان والمرافق والمدن الجديدة تقوم على
الالتزام بالأهداف الاستراتيجية للخروج من الوادي الضيق والانتشار المنظم للسكان
في ربوع البلاد ولتحقيق التوازن بين توزيع السكان والعمل على توفير الأراضي
بمرافقها للإسكان والخدمات والصناعة حفاظاً على الأرض الزراعية وإعطاء الأولوية
لتنفيذ مشروعات التجمعات الجديدة بمنطقة دلتا الوادي الجديد - وإنجاز المخططات
الهيكلية للتنمية العمرانية لمدن وقرى الجمهورية كافة (في الوادي الضيق)مع التركيز
على المدن ذات الأولوية وتوفير مياه الشرب والصرف الصحي بالمدن والقرى جميعاً
وتطوير الطراز المعماري المحلي بما يتفق مع تراثنا وحضارتنا. مع الحفاظ على
المباني ذات الطابع الخاص في إطار الحفاظ على التراث المعماري والثقافي لمصر.
وتطوير المكاتب الاستشارية الهندسية والارتقاء بها لتقوم بدورها في مسيرة التنمية
العمرانية. ومن أهداف هذا القطاع توفير
280 ألف وحدة سكنية سنوياً حتى عام 2017 (في الوادي الضيق وخارجه) مع العمل على
تحقيق التوازن في العلاقة بين المالك والمستأجر.
2-9 وجاء في تقرير مجلس الوزراء أن الدولة
تستهدف إقامة 44 مدينة وتجمعاً جديداً تم تحديدها على مناطق مساحتها 2.5 مليون
فدان تحتل المدن منها 190 ألف فدان مع تحقيق معدلات نمو كبيرة في هذه المدن
الجديدة وربطها بالمدن الأخرى والعواصم (في الوادي الضيق) بشبكات النقل السريع.
2-10 وتضمن
التقرير بعد ذلك استراتيجيات التعليم والبحث العلمي وبناء 1500 مدرسة سنوياً حتى
عام 2017 (في الوادي الضيق وخارجه) وتبع ذلك استراتيجية الموارد البشرية والقوى
العاملة واستراتيجية الصحة والسكان التي جاء فيها التوسع وزيادة أعداد المستشفيات
العامة والمركزية والمستشفيات القروية والوحدات الريفية والمراكز الصحية أما في
مجال السكان فتوضح تقريرات النمو السكاني بلوغ السكان نحو 80 مليون نسمة عام 2017
ومحاولة حفظ معدل النمو السكاني ليبلغ 1.3% عام 2017.
2-11 وعن
استراتيجية قطاع العدل والأمن الداخلي أشار التقرير إلى تطوير جميع أبنية المحاكم
وتحديثها وبناء الجديد منها (داخل الوادي الضيق وخارجه)بما يبرز جماليات حضارة مصر
المعمارية. وفي قطاع الثقافة يضيف التقرير العمل على تحقيق توازن دقيق بين الأصالة
والمعاصرة في المجالات الثقافية مع تجديد قصور الثقافة وبيوتها في المحافظات
(الحالية) وإنشاء قصور ثقافة جديدة ونشر بيوت ثقافة الطفل بالمحافظات (داخل الوادي
الضيق وخارجه)وتطوير المتاحف الأثرية والإقليمية وينطبق نفس التوجه في قطاع
الرعاية المدنية الذي يهدف إلى إنشاء مراكز تنموية بكل محافظة (في الوادي وخارجه).
2-12 تهدف استراتيجية الرعاية الاجتماعية - كما جاء
في التقرير الوزاري - إلى تحقيق الاستقرار الاجتماعي من خلال تنمية قدرات المرأة
مع رعاية المسنين وإنشاء أقسام لغير القادرين منهم. هذا بالإضافة إلى تنمية
المجتمعات المحلية وإنشاء مراكز جديدة (في الوادي) لرعاية الطفل في الريف ومؤسسات
إيواء للأطفال ودور الحضانة وإنشاء مراكز إعداد الأسر المنتجة بالجامعات مع مراكز
التأهيل المهني الشامل (في الوادي الضيق).
3-البحث
عن الآليات التي تحقق الاستراتيجية القومية:
3-1 لقد جاءت كل هذه الاستراتيجيات التي ذكرت في
تقرير مجلس الوزراء لتؤكد توفير معظم الخدمات والمشروعات الاستثمارية في المجتمعات
القائمة في الوادي الضيق وهو ما يزيد من عناصر الجذب الاستيطاني إليها دون محاولة
دفع نسبة من هذه الخدمات والمشروعات إلى المناطق الجديدة وزيادة وسائل الجذب
الاستيطاني إليها وذلك في إطارات التنمية الإقليمية للأقاليم التخطيطية التي تربط
المجتمعات القديمة بالمجتمعات الجديدة ربطاً عضوياً واجتماعياً وسكانياً وتنموياً
وحيث يمكن دفع نسبة من المؤسسات الخدمية والتنموية الرئيسية إلى المناطق الجديدة
مع تسهيل وسائل الوصول إليها من المناطق القديمة وخاصة عند اختيار مواقع الجامعات
أو الكليات والمعاهد الجديدة أو اختيار مواقع مراكز الخدمات الصحية والإدارية
الرئيسية فالاستراتيجية القومية للتنمية كما جاءت تفاصيلها في المجلد الذي أعده
مجلس الوزراء عام 1997 لم تتعرض من قريب أو بعيد للآليات التي تضمن تحقيق الهدف
الأول للاستراتيجية وهو نشر العمران على 25% من أرض مصر الخروج من الوادي الضيق
كما أشار إلى ذلك السيد رئيس الجمهورية في خطابه في يناير عام 1997.
3-2 ويتضح من التقرير الذي أعده مجلس الوزراء عام
1997 أيضاً أنه لم يتعرض إلى الاستراتيجية الخاصة بتطوير الإدارة المحلية بل ترك
فعاليات التنمية بكل أبعادها في القطاعات المختلفة تعمل على تطوير المحافظات في
إطار حدودها الإدارية الحالية ولم تتطرق الدراسة من بعيد أو قريب إلى دور الإدارة
المحلية في تحقيق الأهداف التنموية للأقاليم التخطيط وتحويلها إلى أقاليم تخطيطية
إدارية حتى تتحقق أهداف التنمية المحلية في إطار الأهداف الاستراتيجية القومية
للاستيطان خارج الوادي الضيق. فنظام الإدارة المحلية بتقسيماتها الإدارية الحالية
يعتبر حجر عثرة في سبيل تحقيق دفع السكان من الوادي الضيق إلى المناطق الجديدة
ونشر العمران على 25% من أرض مصر كهدف استراتيجي.
3-3 إذا كان من المهم وضع إطار عام لاستراتيجيات
التنمية القومية للقطاعات المختلفة فإن من الأهم وضع الاستراتيجيات الإدارية
والتنظيمية التي تحقق الأهداف الوطنية لهذه الاستراتيجيات وهو ما غاب عن صفحات
المجلد الذي أعده مجلس الوزراء عام 1997 والذي يعتبر قد حقق نصف ما ينبغي منه.
فالتنمية بكل مكوناتها الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية يصعب تحقيقها ما لم
تعتمد على الآليات الإدارية والتنظيمية القادرة والمؤهلة. ومعنى ذلك ربط الأهداف
التخطيطية على كل المستويات بالإمكانيات والقدرات التنفيذية في كل مستوى وإلا فقدت
الأهداف مصداقيتها وفعاليتها الأمر الذي يجب أن يطرح عل الرأي العام بكل فئاته
بهدف التوعية أولاً ثم الدعوة إلى المشاركة في اتخاذ القرارات الصعبة التي تمس
الغالبية العظمى من السكان الذين تدعوهم الاستراتيجية القومية للتنمية للخروج إلى
المناطق الجديدة قبل أن يحصرهم الوادي الضيق بلا متنفس اقتصادي أو صحي أو سكني،
الأمر الذي يقع في أولويات الاستراتيجية الإعلامية بكل وسائلها المقروءة والمرئية
والمسموعة تجنباً للأخطار التي سوف يتعرض لها المجتمع إذا استمر استيطانه للوادي
الضيق الذي يضيق بسكانه حالياً ويتعرض فيه لأخطار صحية واجتماعية وأمنية ونفسية
كثيرة بسبب الزيادة العالية للكثافة السكانية كما أقر بذلك خطاب السيد رئيس
الجمهورية في يناير عام 1997. وإذا كان التقرير الوزاري قد قدر تعداد السكان عام
2017 بحوالي 80 مليون نسمة وأن المدن الجديدة وعددها 44 مدينة ينتظر أن تستوعب 20
مليون نسمة عام 2017 على أعلى تقدير يمكن تصوره وذلك بمتوسط 450 ألف نسمة لكل
مدينة فإن ما سوف يتبقى في الوادي الضيق 60 مليون نسمة على أحسن تقدير إن لم يكن
70 مليون نسمة على أساس التقدير الواقعي ومعنى ذلك أن الضغط السكاني في الوادي
الضيق والذي يقول تقرير مجلس الوزراء لعام 1997 عنه أنه قد بلغ أقصى مداه سوف
يزداد إلى أكثر من هذا المدى الأمر الذي ينبئ بكارثة عمرانية في الوادي الضيق
وتصبح الاستراتيجية القومية للتنمية والتي تعرض لها تقرير مجلس الوزراء غير ذات
موضوع.
4-الخروج
من الوادي ضرورة مصيرية:
4-1 تعرض القسم الثالث من التقرير الذي أعده مجلس
الوزراء عن مصر في القرن الحادي والعشرين إلى أهم مكونات الاستراتيجية القومية
للتنمية بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية وهي الخروج من الوادي الضيق.
وقد جاء في بدايته أن البعد المكاني يمثل محوراً أصيلاً من محاور التنمية بعد أن
بلغ الضغط السكاني على وادي النيل وتخومه أقصى مداه. ويمثل الجدول التالي تحول
العمران على المستوى القومي على مدى القرن العشرين كما جاء في التقرير:
الزمن
|
المساحة
المنزرعة
|
المساحة
المأهولة
|
عدد
السكان بالمليون
|
نصيب
الفرد من الزراعة
|
نصيب الفرد
من المأهول
|
بداية
القرن 19
|
3
مليون فدان
|
4.2
مليون فدان
|
3
|
1 ف/
للفرد
|
1.4 ف/
للفرد
|
بداية
القرن العشرين
|
4.7
مليون فدان
|
6.6
مليون فدان
|
11.2
|
0.4 ف/فرد
|
0.6 ف/فرد
|
منتصف
القرن العشرين
|
5.2
مليون فدان
|
7.3
مليون فدان
|
19
|
0.3 ف/فرد
|
0.4 ف/فرد
|
نهاية
القرن العشرين
|
7.8
مليون فدان
|
12.5
مليون فدان
|
62
|
0.13 ف/
فرد
|
0.21
ف/فرد
|
الفترة
حتى عام 2017
|
9.4
مليون فدان
|
15
مليون فدان (12.5+2.5)
|
80
|
0.117
ف/فرد
|
0.187
ف/فرد
|
ويقول
تقرير مجلس الوزراء الذي أعد عام 1997 أنه مع زيادة المساحة الزراعية والمأهولة
فإن متوسط نصيب الفرد فيها يتناقص مما يجعل الخروج من الوادي القديم إلى المناطق
الجديدة ليس مجرد اختيار بين بدائل مطروحة ولكنه مسألة حياة لا لجيلنا وحده ولكن
للأجيال القادمة أيضاً - (هكذا بنص الحرف) - ويقول أن التوسعات الزراعية شرق
الدلتا مع امتداد ترعة السلام وترعة الشيخ زايد في سيناء والتوسعات غرب الدلتا
والتي في جنوب الوادي سوف تضيف 1.6 مليون فدان بحيث تصبح المساحة المزروعة 9.4
مليون فدان.
4-2 يقر التقرير في أحد أجزائه على أن التوسعات
التي طرأت على المأهول السكاني كان معروفاً سلفاً أنها لن تحدث خلخلة للزيادة
السكانية أو تعالج التركيز السكاني الأمر الذي أكد منذ بداية الثمانينات حتمية
النفاذ إلى الصحراء إلا أن التوسع ظل في تخوم الوادي شرقاً وغرباً وفي الساحل
الشمالي الغربي والبحر الأحمر وحول الوادي في الجنوب اتساقاً مع الإمكانيات
الاستثمارية التي كانت توجه في أغلبها إلى سد احتياجات الوادي القديم من إعادة
بناء المرافق وبنيته الأساسية وتحديث قواعد الإنتاج ( وهي عوامل تساعد على
الامتداد في الوادي الضيق) بعكس ما تهدف إليه الاستراتيجية القومية للاستيطان خارج
الوادي.
4-3 ويستطرد التقرير قائلاً بأنه تم توطين أغلب
الصناعات في المدن الجديدة التي بلغت 19 مدينة واستحدثت 29 منطقة صناعية استوعبت
نحو 3100 مصنع (ولكن لم يذكر التقرير كم استوعبت هذه المدن من السكان حتى نهاية
القرن العشرين). ويتيح ذلك امتدادات في شبكة المنتجات البترولية ومحطات توليد
الكهرباء والنقل البري لربط الحيز المكاني (؟) المصري شماله بجنوبه بأربعة محاور
مع سبعة محاور عرضية تربط وادي النيل بساحل البحر الأحمر كما تحققت إنجازات كثيرة
في النقل البري والبحري والجوي والاتصالات. كما تحققت طفرات في التنمية السياحية
على طول ساحل البحر الأحمر وخليج العقبة والساحل الشمالي الغربي وهو ما يسمى إسكان
المصايف وليس للاستيطان البشري - كل ذلك ولم يشر التقرير من بعيد أو قريب إلى
معدلات الاستيطان البشري التابع لهذه المشروعات وفي نفس الوقت يشير التقرير إلى
بناء 2.3 وحدة سكنية منذ 1981 حتى عام 1997 دون إشارة إلى مواقعها في الوادي الضيق
أو في المناطق الجديدة وإلى مدى تحقيق هذه الأرقام وغيرها لأهداف الاستراتيجية
القومية للاستيطان خارج الوادي. ويعترف التقرير بأن هذه الإنجازات قد واجهت عقبة
الكثافة السكانية المتزايدة في الرقعة المعمورة التي ضاقت عن أن تستوعب طموحات
المستقبل وآماله بل باتت متعارضة مع متطلبات التنمية ذاتها إذ أصبح التوسع التنموي
الزراعي والصناعي يقتطع من مناطق كثيرة من الموارد الأرضية المنتجة أو يتم على
حسابها كما أدى التركيز السكاني في بعض المناطق إلى التضحية بمتطلبات الرقي
الاجتماعي والصحي.
4-4 باسترجاع خطاب السيد رئيس الجمهورية نجد أنه
قال فيه " إن الانتشار المخطط والمنظم للسكان في كل ربوع البلاد أصبح أمراً
لا بديل عنه" وكما يقوم التقرير الوزاري أن الإبقاء على الاختناق في الوادي
وتخومه أمر له عواقبه الوخيمة المصاحبة للزحام في السكن والمدرسة والمستشفى
والطريق والمواصلات بل حتى في النوادي وأماكن الترفيه وهو الذي يؤدي إلى تدهور
شامل وتدريجي في مرافق المدن وفقدها لرونقها الحضاري ويجعل الجهود المبذولة في
النظافة والتجميل ومكافحة التلوث حرثاً في بحر فضلاً عن خروج المصري من طبيعته
السمحة وتحوله إلى العدوانية.
4-5 يقدم التقرير الوزاري مشروع تنمية سيناء
ومشروع جنوب الوادي على أنهما النموذج لانطلاقة مصر نحو بناء حضارة جديدة وفي نفس
المكان يقول التقرير أن هذا التحول الجذري في مجالات التنمية المكانية وما ينطوي
عليه من امتدادات جديدة خارج الوادي لا يعني الوقوف عن تطوير المجتمعات القائمة
وخاصة الحديث منها بل يظل الترابط كاملاً لإحداث التكامل بين هذه المجتمعات
والمجتمعات القائمة في الوادي المعمور والتي يتم العمل على تحديثها واستكمال ما لم
يستكمل منها ومواصلة التعمير في الشمال الغربي (الساحل الشمالي) وفي شرق الدلتا
بالإضافة إلى تطوير وتوسيع إمكانات الدلتا والقاهرة الكبرى في المناطق المتاخمة
للحفاظ على طاقتها الاستيعابية فتزداد كفاءة تلك المجتمعات وينتشر التعمير في
مناطق الوادي في ذات الوقت الذي تنشط فيه الحياة الجديدة خارج الوادي في إطار
متناسق بين القديم والحديث يحقق وحدة التنمية والاستغلال الأمثل للحيز العمراني
المصري. الأمر الذي قد يتناقض مع استراتيجية الخروج من الوادي ومع كل ما في ذلك من
تناقضات منهجية لتحقيق الاستراتيجية للخروج من الوادي فإن ما ذكر آنفاً يساعد على
استمرار استقرار السكان في المجتمعات القديمة وهو ما يعرض الاستيطان في المجتمعات
الجديدة للتوقف. ويؤكد ذلك ما جاء في نفس التقرير من أن محافظة البحر الأحمر وقد
كانت وما زالت عنصر جذب للقوى العاملة (للعمل وليس للاستيطان) أما محافظة الوادي
الجديد التي لم تتحول بعد إلى منطقة جذب رغم ما شهدته من مشروعات في التوسع
الزراعي الأفقي وتقول النتائج الأولية للتعداد أن مدن الطرد لم تعد طاردة وإنما
تكاد أن تحتفظ بسكانها (وهذه ظاهرة سلبية أكثر منها إيجابية لتحقيق الاستراتيجية
القومية).
4-6 تحول التقرير الوزاري بعد ذلك إلى تعديد
المشروعات المقترحة والجارية في مناطق شمال مصر وما تم فيها من مشروعات وإنجازات
في المجالات الإنتاجية المختلفة زراعية وصناعية بالإضافة إلى البنية الأساسية
والتنمية السياحية معزز كل ذلك بالأرقام والبيانات التفصيلية .. وتبعها سرد
المشروعات المقترحة والجارية في مناطق جنوب الوادي وما فيها من آمال واسعة في
مجالات التنمية الصناعية والزراعية والسياحية خاصة في مشروع الدلتا الجديدة (إذا
صح التعبير) كخير نموذج تطبيقي. وقد تم وصفه تفصيلاً بالمبررات العلمية لفائدته من
جميع النواحي كمبررات لإنشائه.
4-7 ومع هذا السرد التفصيلي لمجالات التنمية في
شمال مصر وجنوبها والمبررات العلمية والفنية المدعمة بالأرقام التي تثبت جدواها
الوطنية في تحقيق الاستراتيجية القومية للخروج من الوادي الضيق إلا أن هذا السرد
لم يتطرق من بعيد أو من قريب إلى العامل السكاني أو الطاقة الاستيعابية للاستيطان
البشري في هذه المناطق أو تحديد مواقعه أو مراحله كما لم يتضمن هذا السرد التفصيلي
أي إشارة إلى الآليات الإدارية والتنظيمية التي تعمل على تحقيق الأهداف
الاستراتيجية لهذه المشروعات العملاقة مع تحديد مراحل الاستيطان البشري المتوقع
فيها والعمل على الإعداد له بكل وسائل الجذب التي تفوق وسائل الجذب في المناطق
القديمة فهذا هو المحك الأساسي والرئيسي لنجاح الاستراتيجية القومية للتنمية والتي
يجب أن يصاحبها في نفس الوقت استراتيجية قومية للاستيطان خارج الوادي بكل مقوماتها
الإدارية والتنظيمية والإعلامية بتعظيم كل
وسائل الجذب الاستيطاني وتقديم المغريات للنزوح من الوادي الضيق حتى وإن تحملت خطط
التنمية أعباءً أكثر في بداياتها حتى يتم وضع البذرة وسقيها حتى تنبت ويتم العناية
بها حتى تنمو وتثمر وتصبح قادرة على الاستمرار والعطاء.
4-8 يقول السيد رئيس الجمهورية في خطابه في نوفمبر
1996 أمام مجلس الشعب والشورى (لم يعد في الوادي القديم الآن متنفس لهذا الحجم
الضخم من الزيادة السكانية المتوقعة التي تفرض علينا ضرورة الخروج إلى شرق الوادي
وغربه) ويقول التقرير الوزاري بعد ذلك في عام 1997 "أن التحول الجذري في مجالات التنمية المكانية وما
ينطوي عليه من امتدادات جديدة خارج الوادي لا يعني الوقوف عن تطوير المجتمعات
القائمة (في الوادي الضيق) فسوف ينتشر التعمير في
مناطق الوادي في ذات الوقت الذي تنشط فيه الحياة الجديدة خارج الوادي". وفي
ذلك تناقض مع ما جاء في خطاب السيد رئيس الجمهورية .. فالوادي القديم لم يعد يتحمل
أي توسعات إلا على حساب الأرض الزراعية في معظم الأحيان .. والتقرير الوزاري لم
يكن دقيقاً في تحديد طبيعة الربط بين المجتمعات القديمة والمجتمعات الجديدة وهي
طبيعة دقيقة جداً وفي غاية الحساسية خاصة وأنها تمس متطلبات بشر يقيم في المجتمعات
القديمة وله متطلباته وطموحاته المستقبلية وفي نفس الوقت يطلب من هذه التجمعات
القديمة أن تكون طاردة للسكان بهدف الاستيطان في المناطق الجديدة الأمر الذي يتطلب
قياس معدلات سرعة التنمية في المجتمعات القديمة وربطها بمعدلات سرعة التنمية في
المجتمعات الجديدة. ومن ناحية أخرى فإن الأمر يستدعي النظر في أسلوب توجيه
الاستثمارات في البعد المكاني بين المناطق القديمة والمناطق الجديدة أخذاً في
الاعتبار قوى الضغط والبعد السياسي والاجتماعي القائم في المجتمعات القديمة.
5-خريطة
التنمية والتعمير لعام 2017 خطوة تبحث عن آليات:
5-1 جاء في مقدمة التقرير العام الذي أعدته
الهيئة العامة للتخطيط العمراني عن هذه الخريطة أنه تأسيساً على الفرضية التي تقول
أن التجمعات العمرانية بالوادي والدلتا قد تشبعت بالسكان وأن أي زيادة سكانية بها
تعني مزيداً من تآكل الأرض الزراعية ومزيداً من التدهور في الخدمات والبنية
الأساسية والتلوث البيئي وأن الخروج إلى الصحراء هو بداية الطريق إلى حل كثير من
المشاكل العمرانية والاقتصادية والبيئية وبالتالي السكانية والاجتماعية وأنه في
حالة تواجد فراغات (إن وجدت) بالتجمعات الحالية فإنها سوف تخصص للإحلال والتجديد
والعجز في الخدمات (وليس للإضافة أو الزيادة) وبالتالي فإن هذه التجمعات لا يمكن
أن تستوعب أي زيادة سكانية متوقعة … الخ ) ويعني ذلك أن التجمعات الحالية لا يمكن أن تستوعب أي زيادة
في النشاط الإداري أو التجاري أو الصناعي أو الخدمي أو الترفيهي …الخ- ويعني
ذلك أيضاً أن المخططات العمرانية التي توضع للتجمعات العمرانية القديمة لن تستوعب
مزيداً من الأنشطة وبالتالي مزيداً من السكان . وأنها في مضمونها يمكن أن تتحول
إلى مناطق طرد أو مراكز إرسال إذا ما توفرت معها مراكز استقبال في التجمعات
العمرانية الجديدة - الأمر الذي يتطلب منهجاً تخطيطياً خاصاً يعمل على تحقيق هذه
الأهداف الاستراتيجية ويصبح من العبث وضع تخطيط لمدينة في الوادي الضيق على أساس
الزيادة السكانية المنتظرة فيها على المدى الزمني المحدد لهذا التخطيط - مع أن
التخطيط أو بمعنى آخر التنمية العمرانية هي عملية مستمرة لا يحدها زمن معين - بل
هي سياسة تنموية مبنية على استراتيجية معلنة وما يطبق على مستقبل المدن القديمة
كمدن طاردة يطبق عكسه على مستقبل المدن الجديدة كمدن جاذبة الأمر الذي لم يظهر بعد
على ما يعد من مخططات عمرانية تقليدية لم يعد لها موقع في الفكر التخطيطي المعاصر
الذي تبلور في ضوء التجارب التخطيطية التي تمت على مدى النصف قرن الأخير من القرن
العشرين. والشواهد في مصر كثيرة ومتعددة وقد تم تحليلها لاستنباط النظرية المعاصرة
لتنمية المدن الجديدة من ناحية والارتقاء بالمستوى القائم في المدن القديمة من
ناحية أخرى في تزامن واحد لزيادة عوامل الجذب في الأولى وتفعيل عوامل الطرد من
الثانية . الأمر الذي يدخل في السياسات العامة للدولة والتي تشمل جميع القطاعات
وهو ما يتطلب الآليات التنظيمية والإدارية التي تحقق هذه السياسات. (وقد طلبت
التركيز على هذا الجانب عندما كنت عضواً فاعلاً في اللجنة القيادية التي دفعت
الأعمال الخاصة بإعداد خريطة التنمية والتعمير في البداية).
5-2 من الأهداف القومية التي ذكرت في خريطة
التنمية والتعمير المحافظة على الأراضي الزراعية وخلخلة الكثافة السكانية من
الوادي وزيادة الدخل القومي واستغلال الموارد الطبيعية. ومن الأهداف الوسيطة التي
ذكرت فيها تحديد المناطق ذات الإمكانيات الطبيعية والاقتصادية وتحديد حجم التحرك
السكاني المطلوب توجيهه خارج الوادي ثم تحديد المناطق الصالحة للتعمير وتحديد
المناطق التي يمكن أن تدعمها البنية الأساسية وتحديد أولويات مناطق التعمير أما
الأهداف القطاعية فتأتي ترجمة للأهداف الوسيطة شاملة قطاعات الخدمات والمرافق
والقطاعات الإنتاجية من صناعة وزراعة وسياحة .. الخ. المهم هنا هو السبيل لتحقيق
الأهداف وليس فقط تحديدها.
5-3 قسمت دراسات خريطة التنمية والتعمير حتى 2017
إلى مرحلة الوضع الراهن للجوانب البيئية والموارد الطبيعية والمائية والسكانية
والاقتصادية والاجتماعية والعمرانية والخدمات وشبكات البنية الأساسية ويتبع ذلك
المرحلة الثانية التي تتحدد فيها مجموعة من الخدمات الأساسية المستفيدة من تكامل
الدراسات التخصصية ذات التأثير المباشر على اختيار مناطق التنمية والتعمير وفي
المرحلة الثالثة تستخرج التوصيات التي تتوصل إليها الدراسة وتقدمها كمؤشرات
وتوجيهات عامة لمناطق التنمية والتعمير. ومن خلال الدراسات الأكثر تفصيلاً لكل
منطقة على المستويين الإقليمي والمحلي يظهر أنه يمكن التأكد من المؤشرات الواردة
من المهام وتطويرها إذا لزم الأمر وصولاً إلى المرحلة التفصيلية والتنفيذية لإقامة
المجتمعات العمرانية الجديدة.وهكذا تصبح
منهجية الدراسة المقدمة بهذا التسلسل التقليدي وكأنها موجهة إلى مشروع تنفيذي قصير
الأمد مع أن عمليات التنمية تتم بصفة مستمرة وعلى كل المستويات القومية والإقليمية
والمحلية في آن واحد وفي إطار تنظيمي وإداري واحد. مع إحكام العلاقات التبادلية
بين هذه المستويات في البعد الرأسي مع العلاقات التكاملية بين القطاعات المختلفة
في البعد الأفقي لكل مستوى معتمدة في ذلك على قاعدة بيانية متجددة لها مخرجاتها
على المستويات القومية والإقليمية والمحلية. فالموضوع ليس مشروعاً له بدايته
ونهايته بل هو أسلوب عمل وقواعد أداء تعمل بها القطاعات المختلفة لتحقيق
استراتيجية قومية محددة ويمكن العمل بها فوراً دون انتظار ويواكبها دراسات تحليلية
وبيانات عملية تساعد على عملية اتخاذ القرار في كل مستوى قومي أو إقليمي أو محلي.
وهنا لابد من تعريف الإقليم وحدوده التنموية والإدارية وتحديد المجال المحلي الذي
يضم التجمعات السكنية في إطار كل إقليم تخطيطي إداري بعيداً عن القوالب الجامدة
للحدود الإدارية للمحافظات الحالية.
5-4 توصلت النتائج العامة لدراسة خريطة التنمية
والتعمير إلى (1)تحديد حجم السكان المطلوب تحريكه خارج الوادي والدلتا عام 2020 مع
حجم العمالة المتوقع (2)تحديد مواقع المناطق الصالحة للبناء (3) تحديد المناطق ذات الإمكانيات الاقتصادية
المؤكدة (4) تحديد المناطق الصالحة للبناء والتنمية مع أولويات التنمية (5) تحديد
البنية الأساسية الداعمة لمناطق التنمية المقترحة.
5-5 قدرت الدراسة (التي بدأ إعدادها عام 1995)
حجم الزيادة المتوقعة والمضافة لعدد السكان في مصر 39 مليون عام 2020 وتعتبر هذه
الزيادة فائضاً عن القدرة الاستيعابية للوادي والدلتا ومطلوب تحريكها إلى خارج
الوادي ولم تتوصل الدراسة إلى كيفية تحقيق ذلك. كما تؤكد الدراسة أن المدن والقرى
القائمة لا يمكن أن تستوعب زيادة سكانية جديدة متوقعة. ولكن لم تذكر الدراسة كيف
يمكن مواجهة ذلك عند وضع المخططات العامة لهذه المدن كمناطق طاردة تقابلها المدن
الجديدة كمناطق جاذبة.
5-6 توضح الدراسة أيضاً أن إجمالي مساحات مواقع
التعمير والمجتمعات الجديدة الصادر أو الجاري إصدار قرارات تخصيص لها تبلغ 250 ألف
فدان تستطيع استيعاب نصف الزيادة المتوقعة (وهي 19.5 مليون نسمة على أحسن تقدير
يفوق نتائج معدلات التوطين في المجتمعات الجاري إنشائها ) وإنه مطلوب 250 ألف فدان
أخرى لاستيعاب 20 مليون نسمة (عام 2020) يلزمها توفير 5.6 مليون فرصة عمل بمعدل
إعالة اقتصادية 3.6 فرد (ورد في الدراسة جدولاً يحدد حجم السكان والعمالة في عدد
55 تجمع عمراني جديد) ويذكر الجدول على سبيل المثال أن الحجم المخطط له في مدينة
السادات هو 500000 نسمة بعد عشرين عاماً أي عام 2005مع أن عدد السكان في هذه
المدينة حتى عام 1998 هو 16000 نسمة فقط وكان المنتظر في هذه السنة 50000 نسمة.
والحجم المخطط له لمدينة 6 أكتوبر هو 2 مليون نسمة عام 2020 وهو في عام 1998 لم
يتعدى 150000 نسمة وقس على ذلك باقي المدن .. الأمر الذي يدعو إلى التشكك في
واقعية تحقيق هذه الأرقام وبالتالي في واقعية المخططات التي وضعت لهذه المدن على
أساس افتراضات نظرية تقليدية الأمر الذي ينقص من المنهجية المتبعة في إعداد
المخططات العامة للمدن الجديدة والتي ثبت بالتجربة في مصر وفي دول العالم عدم
جدواها والاعتماد عليها حيث أنه قد استحدثت نظريات أخرى جديدة لمواجهة المتغيرات
التي تطرأ على تنمية المدن الجديدة مداً أوجزراً.
5-7 حددت نتائج الدراسة المناطق الصالحة للبناء
حتى ولو لم يكن بها قاعدة اقتصادية لتحاشي مناطق السيول أو محاور الزلازل أو
المناطق الشاطئية لم توضح الدراسة كيفية التعامل مع هذه المناطق عمرانياً إذا لم
يكن بها قاعدة اقتصادية كأن يمكن بناء تجمعات إنتاجية للحرف والصناعات الصغيرة بها
أو يمكن بناء مدن جامعية مع مجمعات خدمات تعليمية أو صحية عليها وما هو السبيل إلى
تحقيق ذلك وإلا ما الفائدة من تحديد هذه المناطق التي تتحاشى السيول.
5-8 حددت الدراسة في نتائجها المناطق ذات
الإمكانيات الاقتصادية مثل الزراعة والصناعة والتعدين والسياحة .. الخ وعلى ضوء ما
سبق حددت الدراسة المناطق الصالحة للبناء وبها إمكانيات اقتصادية لوضع أولويات
التنمية والتعمير وهي المناطق التي سوف تستوعب الفائض السكاني البالغ 20 مليون
نسمة حتى عام 2020 سواء أكانت هذه المناطق بها إمكانيات اقتصادية مؤكدة أو لها
أهمية سياسية واستراتيجية أو تحتاج لبنية أساسية أو بها مشاكل سكانية ملحة مع
التركيز على أولويات التنمية في شبه جزيرة سيناء والمثلث الحدودي الجنوبي مع
السودان ومنطقة بحيرة السد العالي وتوشكى وشرق العوينات واقترحت الدراسة عناصر
البنية الأساسية الداعمة لمناطق التنمية المقترحة سواء بوسائل النقل البري أو
شبكات الطرق بتفاصيلها المحددة أو بوسائل النقل البحري أو النهري أو الجوي
بالإضافة إلى توفير الطاقة ومن خلال هذه الدراسة يمكن للدول أن تضع برامجها
التنفيذية التي تحقق أهداف خريطة التنمية والتعمير لمصر عام 2020حيث وضعت الخريطة
بمقياس رسم 1:مليون على أمل أن تكون أكثر تفصيلاً مستقبلاً باستخدام خرائط بمقياس
رسم 100000:1 إلى أن ننتقل بعد ذلك إلى مراحل أكثر تفصيلاً حتى نصل إلى مقياس رسم
من 50000:1 إلى 2500:1 في المستقبل إذا استمر العمل في إنجاز الأهداف المتوقعة من
هذه الخريطة وأقيمت لها إدارة خاصة بها.
5-9 حددت الدراسة أهداف استراتيجية التنمية
والتعمير في مصر وهي إعادة التوازن إلى النسق العمراني في ضوء النتائج التي توصلت
إليها الدراسة وذلك من خلال إعادة توزيع العناصر الأساسية (مثل السكان والأنشطة … الخ) على النطاق الإقليمي مع النطاق المحلي (معاً) سواء من خلال
سياسة التخطيط الإقليمي أو من خلال سياسة
التنمية العمرانية سواء بإنشاء توابع للمدن القائمة أو باقتراح مراكز للتنمية الإقليمية من خلال الانتشار
الإقليمي للتنمية الطويل المدى (كما تقول الدراسة) وهكذا تستمر نتائج مثل هذه
الدراسة في صورة توصيات عامة منطقية لا تحتاج إلى هذا الكم من الدراسات والمسوحات
والتحليلات.
5-10 وبعد هذه الرحلة الطويلة من الدراسات والتحليلات
والاستنتاجات والاقتراحات لم تتطرق الدراسة من بعيد أو من قريب بعد كل ذلك إلى لب
المشكلة وهو كيفية توطين الزيادة المستقبلية المتوقعة من السكان البالغ عددهم
التقديري 20 مليون في المناطق الجديدة حتى عام 2020 أي بمعدل توطين مليون نسمة
سنوياً وما هي القرارات التنظيمية والإدارية اللازمة لتحقيق هذا الهدف .. وما هو
معدل توفير فرص العمل على مدى العشرين سنة في المناطق الجديدة حتى يمكن الاستعداد
بتوفير السكن والخدمات اللازمة للاستيطان بها شاملاً السكن والعمل معاً .. والذي
بناء عليه تتحدد سياسة الإسكان أو الاستيطان خلال العشرين عاماً حتى 2020 ولم تشر
الدراسة من قريب أو من بعيد إلى المنهجية التخطيطية الجديدة في تخطيط المدن
القديمة حتى تصبح مراكز طرد أو إلى المنهجية التخطيطية الجديدة في تخطيط المدن
الجديدة حتى تصبح مراكز جذب، تفوق قوى الجذب فيها ما في المدن القديمة التي لا
تزال الدولة توجه إليها معظم استثماراتها خاصة مدينة القاهرة التي تمتص 40% من
ميزانية الدولة ليستفيد منها 20% من سكان مصر في القرى والمدن الأخرى مع أن الجميع
متساوون في الحقوق والواجبات. فدافع الضرائب في القاهرة يحصل على خدمة أكثر تميزاً
مما يحصل عليها دافع الضرائب خارج القاهرة. كيف يتم تحقيق استراتيجية الخروج من
الوادي كهدف حتمي والدولة لا تتوقف عن التصريح ببناء المراكز التجارية الكبيرة
وناطحات السحاب والكليات والمعاهد والمسارح ودور السينما وأبراج الوزارات والشركات
في القاهرة لتمتص مزيداً من العمالة الرسمية يتبعها العمالة الهامشية ومزيداً من
المركبات التي تحتل الشوارع والطرقات وتنشأ لها الكباري العلوية والأنفاق الذي
يتحمل معظم نفقاتها المواطن المصري من خارج القاهرة الأمر الذي يستوجب دراسة أسعار
الخدمات التي تقدم للجمهور في الريف أو في الحضر سواء في المدن الكبيرة أو في
المدن الصغيرة.
5-11 لم تتطرق الدراسة من بعيد أو قريب كذلك إلى
أهم محرك لتحقيق أهداف استراتيجية الخروج من الوادي والمتمثل في أسلوب اتخاذ
القرار سواء على المستوى المركزي أو المستوى المحلي أو على مستوى القمة أو مستوى
القاعدة وسواء في إطار السياسات المعلنة أو السياسات المستترة لأسباب استراتيجية
وكذلك دور المجالس المحلية والتشريعية في اتخاذ القرار وجميعها بلا استثناء تسعى
إلى توفير أكثر ما يمكن من الأنشطة والخدمات في حدودها الإدارية داخل الوادي الضيق
الذي نسعى إلى تفريغه من الزيادة المنتظرة من السكان. هذا هو لب الاستراتيجية
القومية للتنمية والتعمير التي تسعى إلى زيادة مساحة المعمور المصري إلى 25% من مساحة الأرض بدلاً من 5% ويبقى بعد ذلك
كله تحديد ما هو عاجل وفوري وما هو قصير الأجل وما هو طويل الأجل من إجراءات لازمة
للوصول إلى تحقيق الهدف الاستراتيجي.
6-
تنمية المحافظات في ضوء الاستراتيجية القومية للاستيطان خارج الوادي:
6-1 حددت الخريطة التي أعدتها الهيئة العامة
للتخطيط العمراني في عام 1997 التنمية العمرانية المحافظات التي تعاني من مشاكل
سكانية واقتصادية وهي على وجه التحديد عشرة محافظات زراعية في الوادي الضيق وتشمل
محافظات المنيا - المنوفية - الدقهلية - سوهاج - قنا - البحيرة - كفر الشيخ -
الفيوم - الغربية - الشرقية. وتقول الدراسة على سبيل المثال أن محافظة المنيا
تعتبر طاردة للسكان لعدم توافر عوامل الجذب بها - وهذه ظاهرة إيجابية لتحقيق
الاستراتيجية القومية للاستيطان ولكن المهم أين تذهب الهجرة الخارجة منها.. هل إلى
مجتمعات عمرانية قديمة أو إلى مجتمعات عمرانية جديدة فالأولى تعتبر هجرة سالبة أما
في الحالة الثانية فتعتبر هجرة إيجابية يجدر رعايتها مع العمل على تحويل الهجرة
السالبة إلى هجرة إيجابية. ليس بالعمل على وضع وتنفيذ برامج في كافة مجالات
التنمية الاقتصادية الاجتماعية لتوليد فرص عمل كافية لمواجهة مشكلة البطالة والحد
من هجرة سكان الريف إلى الحضر كما تقول الدراسة فإن ذلك يساعد بديهياً على زيادة
الجذب الداخلي للسكان والبديل هو وضع مثل هذه البرامج التنموية خارج الرقعة
الزراعية على أطراف حدود المحافظة ووضع جميع التسهيلات الممكنة لجذب السكان إلى
التجمعات الجديدة خارج المحافظة وليس فقط مدينة المنيا الجديدة المتاخمة للمدينة
القديمة .. هنا يطبق معامل الاستيطان البشري في تحديد البرامج التنموية كأساس
لتحقيق أهداف الخروج من الوادي الضيق وما يقال بالنسبة لمحافظة المنيا يندرج على
باقي المحافظات الزراعية. فالأمر لا يحتاج لهذا الكم من البيانات والإحصائيات
(خاصة الصادرة عام 1986) وإلى كل هذه التحليلات والتوصيات المكررة في مضمونها
فالوقت لا يحتاج إلى كل هذه السنين لإنتاج خريطة التنمية والتعمير في مصر حتى تخرج
بهذه التوصيات وما تتضمنه من بديهيات تدفع السكان للخروج إلى المناطق الجديدة ولكن
الأهم هو إيجاد الآليات الدافعة من قوانين وقرارات تخطيطية وتنظيمية وإدارية الأمر
الذي تفتقده خريطة التنمية.
6-2 يتضح من بعض التوصيات البديهية التي جاءت في
خريطة التنمية العمرانية وما يخص تنمية المحافظات أن حل المشاكل داخل المحافظة
يتوفر خارجها أي في مجالها الإقليمي الأمر الذي يستدعي معالجة مستقبل عمران مصر في
إطار الأقاليم التي تتطابق حدودها التخطيطية مع حدودها الإدارية وتتم بالآليات
التخطيطية والتنظيمية والإدارية والتنفيذية وبالأداء الذي يستمد منهجه من أهداف
الاستراتيجية القومية للاستيطان خارج الوادي وتسكن الزيادة المستقبلية مع الفائض
السكاني في مناطق التعمير الجديدة كمناطق جذب. الأمر الذي يؤثر بالضرورة على أهداف
تنمية التجمعات القديمة كمراكز طرد ويتضمن ذلك تقييم المشروعات الاستثمارية المخطط
إقامتها في الوادي الضيق على أساس جدواها الاستيطانية والخروج من الوادي وليس
جدواها الاقتصادية القصيرة الأجل بمواقعها داخل الوادي. ومن المتناقضات التي
تعرضها خريطة التنمية والتعمير عند دراستها لحالة المحافظات التي تعاني من مشاكل
اقتصادية وسكانية أن تذكر في توجيهاتها لأحد المحافظات العمل على استكمال باقي
أفرع الكليات المتخصصة الناقصة دون أن نذكر المواقع المقترحة لهذه الكليات على
الأرض الصحراوية المتاخمة للمدن القديمة كأنوية لمدن جامعية -أو تقصد الدراسة
استكمال الكليات المتخصصة في مواقع الجامعات الإقليمية القائمة وهذا يتعارض
بالضرورة مع أهداف الاستراتيجية القومية للاستيطان خارج الوادي، وقس على ذلك مباني
الخدمات المركزية أو الإقليمية.
7-
التجمعات العمرانية في الوادي بين التخطيط والتطوير والتهجير:
7-1 تعرضت مدن الوادي إلى العديد من المحاولات
التخطيطية بداية من عام 1958 عندما قامت وزارة الشئون البلدية والقروية بإعداد
المخططات العامة للعديد من مدن الوجه البحري والصعيد وكان منها مدن القاهرة وبنها
وطنطا وأسيوط كبداية لوضع مخططات عامة لباقي المدن. وأعدت هذه المخططات في ضوء
البيانات والخرائط والإحصائيات المتوفرة في ذلك الوقت وتحددت في ضوئها صورة
استعمالات الأراضي وشبكات الطرق وارتفاعات المباني بعد عشرين عاماً من تاريخه حتى
تكون دليلاً أمام البلديات لتنفيذ مشروعاتها ولوائحها، وقدمت هذه المخططات على
خرائط كبيرة محمولة على ألواح خشبية ما فتئت أن تحولت بعد عامين إلى قواطيع في
الغرف والممرات نظراً لصعوبة الرجوع إليها من ناحية وعدم جدواها عملياً في التطبيق
من ناحية أخرى فلم تكن يسندها قانون أو لوائح ملزمة لأعمال البناء والتطوير. وفي
بداية السبعينات وبعد إنشاء هيئة تخطيط إقليم القاهرة الكبرى - على غرار لندن
الكبرى- بدأ العمل في وضع المخططات العامة لمدينة القاهرة ومحيطها الإقليمي الذي
تحددت حدوده تقديرياً ليضم إليه المجتمعات التي ترتبط بالقاهرة بأكبر نسبة من
الحركة. وجاءت حدود إقليم القاهرة الكبرى ليضم شمالاً جزءاً من محافظتي القليوبية
والمنوفية كما يضم غرباً محافظة الجيزة وقد أعدت المخططات العمرانية دون هدف واضح
يساعد على الاستيطان خارج الوادي كما كان الهدف من تخطيط لندن الكبرى هو إنشاء
تجمعات عمرانية حولها لتمتص الكثافة السكانية العالية في وسط المدينة. وبعد ذلك
تحولت هيئة تخطيط القاهرة الكبرى إلى الهيئة العامة للتخطيط العمراني ليشمل نشاطها
إعداد المخططات الإقليمية والمخططات العامة للمدن والمخططات العمرانية التفصيلية
للمناطق ذات الأولوية وذلك في ضوء المحددات والقواعد والأساليب التي حددها قانون
التخطيط العمراني رقم 2 لعام 1983 الذي سبق وأن قدم لمجلس الشعب عام 1971 حاملاً
الفكر التخطيطي الذي كان سائداً في الستينات في دول الغرب أي أنه تمت الموافقة
عليه من البرلمان بعد أحد عشر عاماً من تقديمه الأمر الذي ينم عن عدم وضعه ضمن
الاهتمامات الأولى للدولة في ذلك الوقت ربما لوجود بعض القيود المنظمة للعمران
والتي ربما لا تروق لأصحاب المصالح الخاصة. وأعيد التخطيط العام للقاهرة مرة أخرى
في منتصف الثمانينات. وبدأت تظهر المشاكل الإدارية والتنظيمية في تنفيذه فهو معد
بواسطة هيئة في وزارة الإسكان وتقوم بتطبيقه إدارة عامة للتخطيط العمراني تعمل في
إطار أجهزة محافظة القاهرة التي يوجه أعمالها مجلس محلي وآخر تنفيذي لكل منهما
رؤيته الخاصة في التطبيق سواء أكان ذلك من منظور سياسي أو لهدف قومي أو لمصلحة
خاصة أو غير ذلك من الأسباب ومع ذلك فهناك جهات عديدة لها قراراتها الخاصة في مجال
تعمير المدينة. الأمر الذي تسبب في وقف العمل بهذا المخطط إلى أن اعتمده الوزير
المختص ليستطيع أن ينفذ بعض المشروعات. ومع ذلك فلم يخرج عن المخطط العام المعتمد
إلا عدد قليل من المخططات التفصيلية لبعض المناطق في المدينة وهنا تطلب
المخططات التنفيذية فقط في حالات تطوير شبكات
الطرق أو تطوير بعض المناطق العشوائية أو تخطيط بعض المناطق المستجدة والتي تحتاج
إلى مخططات تفصيلية توضح عليها استعمالات الأراضي ونظم ولوائح البناء المناسبة لكل
قطاع عمراني فيها. وهذه المناطق كثيراً ما يتم التعامل معها من قبل الإدارة
المحلية بما يخالف المخطط التفصيلي المعتمد لها سواء أكان ذلك رغبة من المجالس
المحلية أو التنفيذية أو رغبة بعض المسئولين في تخصيص أراضي لمشروعات معينة سياحية
أو تجارية أو إدارية وقد يتطلب الأمر في بعض الأحيان التغيير في بعض مسارات الطرق
أو السماح للبناء على أراضي مخصصة كمناطق مفتوحة وربما يتطلب الأمر بناء كباري علوية
أو أنفاق سفلية في بعض المواقع التي كانت معدة لاستعمالات أخرى في المخططات
التفصيلية ومعنى ذلك أن المخططات العامة للمدن أو المخططات التفصيلية التي توضع
لبعض المناطق تفقد أهدافها التي وضعت لتحقيقها بسبب أو لآخر يقره متخذ القرار ويجد
له مخرجاً من بنود قانون التخطيط العمراني . وهذا ما يؤكد عدم صلاحية المخططات
العامة التي ترسم صورة المدن بعد عشرين عاماً من تاريخ إعدادها وهي فترة طويلة
جداً يتم فيها العديد من التغيرات و التعديلات التي تخرج المخطط العام عن صورته
الأولى . وهذا ما يجرنا إلى أهمية دراسة أسلوب اتخاذ القرار بالنسبة للمشروعات
العمرانية وبالتالي يمكن وضع المخططات الهيكلية التي تتصف بالمرونة لمقابلة ما
يطرأ عليها من متغيرات يفرضها متخذ القرار من وقت لآخر. كما تسمح بمرونة التغيير
أو التعديل في مسارات شبكات البنية الأساسية والطرق التي هي المحدد الوحيد للملامح
العمرانية للمخطط العام.
7-2 لقد أجمع خبراء التخطيط العمراني في العالم
أن النظرية التقليدية لإعداد المخططات العامة للمدن التي ترسم صورة العمران لها
بعد عشرين عاماً من تاريخ إعدادها لم يعد لها قيمة عملية أو تطبيقية وذلك من واقع
الممارسة والمتابعة المستمرة والتقييم العلمي لهذه النظرية الجامدة. وكان البديل
الذي قدم في الستينات هو وضع المخططات الهيكلية ذات الخاصية المرنة التي تقبل
المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية المستقبلية. ومع أن هذا
البديل ليس له سند قانوني في قانون التخطيط العمراني رقم 3 لعام 1982 إلا أنها أحد
دلائل الأعمال التخطيطية التي كلفنا بإعدادها عام 1986 تحت عنوان إعداد المخطط الإرشادي وهو ما بدئ الأخذ
به في التسعينات ولا يزال قانون التخطيط العمراني لم يراجع أو يتطور ولكن أجهزة
التخطيط العمراني في الدولة بدأت تأخذ بمبدأ التخطيط الهيكلي كبديل شرعي للمخطط
العام كما جاء وصفه في القانون.
7-3 وإذا كانت متطلبات الإنسان تختلف من شعب إلى
آخر كماً ونوعاً فإنه من الصعب تعميم هذه المتطلبات على جميع الشعوب بنظمها
السياسية والاجتماعية والبيئية المختلفة. وهكذا المدن يصعب أن توضع لها نظرية عامة
سواء في تخطيطها أو في الارتقاء بها عمرانياً. فهناك أسس فنية ومنهجية علمية في
التناول ولكن السياسات والأهداف تختلف من مدينة إلى أخرى. تبعاً لدورها في منظومة
التنمية القومية أو الإقليمية . وإذا كان هذا التوجه يتم العمل به في العديد من
دول العالم إلا أنه في الحالة المصرية يعتبر ضرورة حتمية نظراً للخاصية الجغرافية
والاجتماعية والاقتصادية لمصر .. حيث يقيم 95% من البشر على 5% من المساحة
الكلية للدولة. فهنا يكمن الهدف في توزيع
السكان على أكبر رقعة ممكنة من الأرض حددتها الاستراتيجية التي قدمها مجلس الوزراء
المصري عام 1997 بنسبة 25% وهذا الهدف بالضرورة يتطلب سياسات تنموية اقتصادية
واجتماعية وعمرانية تضمن تحقيقه على أرض الواقع. من هذا المنطلق فإن أهداف
المخططات العمرانية للمدن القديمة في الوادي تختلف عن أهداف المخططات العمرانية
للمدن الجديدة في مناطق التعمير الجديدة . فالهدف التخطيطي الأولي يعتبر هذه المدن
طاردة بينما الهدف التخطيطي للثانية يعتبرها مدن جاذبة. وبالتالي تختلف السياسات
التي تحقق الهدف الأول عن السياسات التي تحقق الهدف الثاني وإن كانت كل من
السياستين تعمل لهدف واحد وهو جذب السكان من المدن القديمة وتوطينهم في المدن
الجديدة. وبالتالي كذلك تختلف أساليب وآليات التنمية العمرانية في الحالة الأولى
عنها في الحالة الثانية وإن كانت هذه الأساليب وهذه الآليات تعمل معاً لتحقيق
الاستراتيجية القومية للاستيطان خارج الوادي الضيق.
7-4 ويبقى التساؤل عن البعد المكاني
للاستراتيجية القومية للاستيطان خارج الوادي وهل تتم باعتبار الدولة إقليماً
واحداً أو أنها مكونة من عدة أقاليم تخطيطية بكل منها مجموعات من التجمعات
العمرانية المحلية. وقد بدأ الفكر التخطيطي في أول الأمر بالبعد المحلي للتجمعات
العمرانية والقرى وبعد فترة بدأ البعد الإقليمي يظهر كضرورة لتحديد الوظائف
العمرانية للمدن والقرى وربط العلاقات بينها كما جاء في نظريات التخطيط الإقليمي
التي ظهرت في بولندا في الخمسينات ثم في ألمانيا ثم في المملكة المتحدة وفرنسا
وغيرها من الدول التي يختلف نسيجها العمراني القومي والإقليمي عن النسيج العمراني
لمصر . ففي هذه الدول ينتشر العمران والسكان على معظم المساحات الكلية لهذه الدول
وهو نسيج معاكس تماماً للنسيج العمراني لمصر ففي الدول السابقة يعيش حوالي 95% من
البشر على حوالي 95% من الأرض بينما في مصر يعيش 95% من البشر على 5% من الأرض. الأمر
الذي لا تصلح معه نظريات التخطيط الإقليمي الواردة من الغرب في مثل هذه الحالة حيث
يمكن اعتبار الدولة كإقليم واحد فيه 5% من المساحة الكلية منطقة طاردة ومناطق
التعمير الجديدة مناطق جاذبة. فقد ثبت عملياً أن تقسيم الدولة إلى ثمانية أقاليم
تخطيطية لم يجني ثماره . فوزارة التخطيط تعتبر هذه الأقاليم حيزاً مكانياً
لاستطلاع متطلبات المحافظات فيه من استثمارات الخطط الخمسية. وهذه عملية لا تتطلب
وجود أجهزة تخطيطية تابعة لوزارة التخطيط في كل إقليم - وعلى الجانب الآخر أنشأت
الهيئة العامة للتخطيط العمراني أجهزة تابعة لها في كل إقليم تخطيطي من هذه
الأقاليم لمعاونة المحافظات في الإقليم على إعداد المخططات العامة أو الهيكلية
للتجمعات العمرانية فيها باعتبار كل محافظة إقليماً إدارياً. وهذا ما أدى إلى غياب
التكامل بين التخطيط الاقتصادي الاجتماعي والتخطيط العمراني أو حتى التنسيق بينها.
7-5 وفي أي الحالات لا تزال التنمية المستدامة
غائبة في العمليات التخطيطية سواء منها التخطيط الاقتصادي الاجتماعي أو التخطيط
العمراني. فالتنمية المستدامة تعمل على استغلال الموارد المتاحة طبيعياً أو بشرياً
أو مالياً وعدم استنزافها خاصة في المناطق الجديدة الجاذبة التي يتم تنميتها من
خلال مشروعات استثمارية يتحدد فيها حجم المنتج أو الخدمة وبالتالي يتحدد حجم
العمالة اللازمة في مراحل المشروع والذي على أساسه يتولى المخطط العمراني حساب حجم
العمالة المعاونة في المجالات الإدارية والتجارية والتعليمية والصحية أي حساب حجم
السكان المرتبط بالمشروعات ومصادر اجتذابها من المواقع الطاردة في المجتمعات
العمرانية القديمة وبالتالي يمكن وضع الآليات التي تساعد على عمليات الإرسال من
الثانية وعمليات الاستقبال في الأولي وهذه الآليات هي التي تعمل على تحقيق الأهداف
الاستراتيجية القومية للاستيطان خارج الوادي. وعلى هذا الأساس تتحدد أهداف وسياسات
المخططات الهيكلية لتطوير أو تحسين الأوضاع في التجمعات العمرانية القديمة كما
تتحدد أهداف و سياسات المخططات الهيكلية لبناء التجمعات العمرانية الجديدة كل منها
مدعمة باللوائح والقوانين مع النظم الإدارية والمالية والفنية المناسبة بحيث يتأكد
مبدأ المساواة بين أفراد المجتمع فلا يعقل أن يكون نصيب الفرد في القاهرة من
الخدمات أضعاف نصيب الفرد من الخدمات في المدن الأخرى داخل الوادي الضيق . كما لا
يعقل أن يكون نصيب الفرد من الخدمات في مدن الوادي الضيق أضعاف نصيب الفرد من
الخدمات في المجتمعات العمرانية الجديدة. فالعكس هو الأصح لتحقيق الاستراتيجية
القومية للاستيطان خارج الوادي. إن ذلك يستدعي إعادة النظر في أسعار هذه الخدمات