الدكتور/ محمـد عبد البـاقى محمـد إبراهيـم
تحميل الملف :

مستقـبلية العمـارة فى مصـر
مراحل الدراسة :

  • المرحلة الأولى  :  " التحولات التاريخية "

تحديـــد المراحل التاريخية التى مرت بها مصر :

  • العصر الفرعونى بأقسامه المختلفة من ـــ إلى ــــ .
  • العصر الرومانـى اليونانــى          من ـــ إلى ــــ .

جـ- العصر الإســلامـــى .
د- الحكـم العثمــانــــى .
هـ- الإحــــتــــلال .
و- العصـر الحديـــــث .
وذلك على أساس إجمال المراحل القديمة وتفصيل المراحل الحديثة على أن توضح فى كل مرحلة وبتركيز شديد على النواحى التالية :

  • المكـــون الديــنــى .
  • المكون السياسى ونظام الحكم .
  • المكون الإجتماعى والعلاقات الإنسانية .
  • المكون الإقتصادى ومصادر الإنتاج .
  • المكون التكنولوجى فى الصناعة والبناء .
  • المكون الخارجى والمؤثرات الدولية .
  • المكون المكانـى والجغــرافى .

فى كل من المراحل السابقة  :
توضح نماذج ممثلة للأنواع التالية من العمارة وذلك بالرسم والصورة :

  • العمـــارة الدينيــة .
  • العمـــارة الرسميــة .
  • العمارة الشعبية والإسكان .

موضحاً عليها الجوانب التالية :

  • الجانب الوظيفى .
  • الجانب الإنشائى .
  • التعبير المعمارى .
  • العناصر المعمارية .
  • الجانب التكولوجى .

ملاحظات هامة :

  • يوضع جانب الرمز رقم ويكتب بيان بما هو مرتبط بهذا الرقم

مثـــال :

  • أنبياء / أحداث دينية سواء محلية أو عالمية
  • الطوفان .
  • النبى إبراهيم الخليل عليه السلام .
  • النبى موسى .
  • المسيح .
  • محمد صلى الله عليه وسلم .

 

  •  حكام – ملوك
  • الملك س س
  • الملك ص ص
  • الملك ع ع
  • شخصيات تاريخية / فنية / هندسية / معمارية / أدبية / عسكرية /أسطورية
  • القائـد س
  • المهندس ب
  • الشاعـر ك
    • إشارة إلى أبرز أثر معمارى وفنى فى هذا الزمن
  • حدائق بابل المعلقة ( يوضع الرقم أيضاً على الصورة للإستدلال )
  • الزيجورات .
  • إيوان الملك س س
  • مسجـــد ك ك

      إشارة إلى حضارات فى أماكن أخرى واكبت الفترة

  • الحضارة الفرعونية ( زمن الفرعون.......).
  • الحضارة الفرعونية ( زمن الفرعون.......).
  • الحضارة الحيثيـة  ( زمن ..............).
  • الحضارة الفينيقية.
  • الحضارة البابلية .
  • الحضارة الأشورية .
  •  الحضارة الفارسية .
  • الحضارة البزينطية.
    •  إشارة إلى حدث تاريخى وقع ( حرب- غزوة – مجاعة – وباء – إختراع  )
  • حرب ............
  • حرب ............
  • فتح ..............
  • سقوط أورشليم .
  • وباء الطاعون .
  • إختراع اّلة البخار .
  • لا يشترط فى البرنامج الزمنى أن يكون مقسماً بدرجة زمنية متساوية ولكن يمكن تغيير الفترة حسب أهميتها ولكن مع كتابة التاريخ وكلما كانت التواريخ المذكورة تفصيلية كلما كانت أفضل .
  • يرجى الإشارة أولاً إلى المراجع التى اشتقت منها المعلومات المقدمة بحيث تشمل الإشارة إسم المؤلف وإسم المرجع والصفحة وسنة إصدار المرجع .

 

 

 

 

 

جامعـة الأمـم المتحـدة بطوكيـو

المستقبلات العربية البديــلــة

 

عوامل الوحدة والتنوع فى العمارة العاصرة
ومدى ملائمتها للعصر
( دراسة خاصة بدول المشرق العربى )

  1. مقـدمـــة :

كانت العمارة على مدى العصور هى المراّة التى تنعكس عليها حضارات الشعوب بخصائصها الدينية والإجتماعية والثقافية والسياسية التى تتغير من زمان لاّخر ومكان لاّخر صعوداً أو هبوطاً مع حركة التاريخ بمؤثراته الداخلية والخارجية ،ومع حركة الحياة المتغيرة تتطور الخصائص الحضارية للمجتمع  يثبت منها ما يثبت ويتغير منها ما يتغير ، وذلك فى وجود خط الربط الحضارى الذى يصل فيما بين المراحل التارخية المتتالية وهو الخط الذى يرسب فى وجدان الإنسان وتكوينه الثقافى أو يظهر فى الخصائص البيئية للمكان أو فى تأثير المادة على البنيان فهو الخط الذى يحدد عوامل الوحدة فى العمارة المحلية لكل مكان .
وإذا كان خط الربط الحضارى يصل بين المراحل التاريخية المتتالية لكل دولة أو مكان فهناك خطوط ربط حضارية أخرى تصل ما بين الدولة المعنية والدول المحيطة بها فى كل مرحلة من مراحل التطور التاريخى وهذا ما يعبر عنه بالمؤثرات الخارجية على الخصائص الحضارية فى كل فترة من الفترات التاريخية وهذه المؤثرات تضعف بضعف وسائل الإتصال الثقافى والسياسي والإجتماعى والإقتصادى وتقوى بقوتها وهنا يمكن متابعة الخصائص المعمارية لكل مرحلة من واقع الخط الحضارى الرابط للمراحل التاريخية لكل منطقة والخطوط العريضة المؤثرة من الخارج فى كل مرحلة .
وتتميز المراحل التاريخية المتتالية بزيادة مضطردة فى معدلات التحول الحضارى وذلك بسبب الطفرات العلمية والتكنولوجية التى تتعرض لها البشرية ، وإذا كانت معدلات التطور فى العصر ما قبل الإسلام بطيئة فإنها بدأت تسرع بزيادة حركة الإتصال بين شعوب المنطقة ، ومن ناحية أخرى زيادة منجزات التكنولوجيا المعاصرة سواء أكانت محلية أو خارجية ، الأمر الذى يجعل عملية التبصر بمستقبل العمارة فى العالم العربى عملية معقدة تتفاعل فيها العديد من العوامل لذلك فإن قرائتنا لتاريخ الحضارة فى منطقة المشرق العربى لابد وأن تتخذ اسلوباً اّخر أو تعتمد على منهج اّخر من المتابعة والتقويم والربط بين الإنسان والعمران فى جميع مراحل تطوره حتى يمكن التبصر بمستقبله .
من هذا المنطلق فإن دراسة هذا الموضوع تتم على أساس ربط المقومات الحضارية فى كل منطقة جغرافية من الشرق العربى على مدى الحقبات التاريخية المتتابعة بالخصائص المعمارية لكل منطقة فى كل حقبة ، لذا فإن الخلفية التاريخية للتطور الحضارى المعمارى فى المنطقة لابد وأن تشمل كل من المكون الدينى للمجتمع ثم المكون السياسى ونظام الحكم ومصادر الدخل والإنتاج ثم المكون التكنولوجى خاصة فى صناعة أو حرفية البناء ثم المكون الخارجى والمؤثرات الدولية واخيراً المكون الجغرافى أو البيئى للمكان ، يلى ذلك متابعة التطور التاريخى فى كل حقبة زمنية لكل من العمارة الشعبية والرسمية والدينية من حيث مكوناتها الوظيفية والإنشائية والتعبيرية أو التشكيلية والعناصر المعمارية والمعطيات التكنولوجية المتوفرة ومع التحول المضطرد فى سرعة التحولات الحضارية فإن الإجمال وارد بالنسبة للمراحل التاريخية الشديدة القدم بحيث يزيد تفصيلاً كلما قربت المرحلة التارخية حتى الوقت الحاضر الذى تظهر فيه المعالم التاريخية والمعمارية أكثر وضوحاً وأشمل تفصيلاً .
والعمارة فى كل المراحل هى الصورة العمرانية التى تتميز بها التجمعات السكنية ، وليست بالضرورة النماذج المختارة للمبانى ذات الأهمية الخاصة التى تشير إليها كتب التاريخ فى كثير من الأحيان فالعمارة هنا هى عمارة المجتمع بكل طبقاته وفئاته ، هى العمارة الشعبية والرسمية معاً ، هى عمارة المعماريين وغير المعماريين معاً.. هى عمارة المدينة وعمارة القرية ، هى العمارة التى تمثل الغالبية العظمى لمجتمع ما فى حقبة زمنية معينة ، والتى من صورتها يمكن إستقراء الخصائص الإجتماعية والإقتصادية والثقافية لهذا المجتمع .
وإذا كان المشرق العربى عاش دولاً متفرقة فى مراحل ماقبل التاريخ وإذا كانت المؤثرات العرضية بين دول هذه المنطقة لم تتضح معالمها إلا فى المراحل المتقدمة من التاريخ حتى ظهور الإسلام ، ليس كمدينة فقط ولكن كحضارة متكاملة متحركة ربطت بين دويلات المنطقة وشعوبها ، هنا تتأكد الخطوط العريضة التى ربطت بين عمارة الشرق العربى فى هذه الفترة التاريخية الهامة وإن كان الخط الحضارى الرابط بين المراحل السابقة فى كل دولة لم ينقطع وفى كل الحالات كان للبيئة المحلية لكل مكان فى المشرق العربى بصماتها المميزة على  العمارة المحلية وخاصة العمارة الشعبية التى إرتبطت دائماً بالبيئة الطبيعية فلم تظهر السمات المعمارية المميزة لمرحلة ما بعد ظهور الإسلام إلا فى المراحل المتأخرة عن صدور الإسلام فلم يكن للدعوة الإسلامية فى مراحلها الأولى هدف إلا نشر الدعوة لبناء الإنسان الفاضل قبل بناء العمران أو الجاه والسلطان ، من هنا فإن ربط العمارة بالإسلام فى المراحل التالية للعصر الإسلامى يعتبر من باب الإصطلاح أوالتمييز حيث ظهرت نماذج  فريدة من العمارة الدينية فى المساجد أو التجارية فى الأسواق أو التعليمية فى المدارس أو العامة فى الخانات ومبانى الخدمات أو السكنية فى القصور والوكالات ويعنى ذلك إن إقتصار هذا الاصطلاح بربط العمارة بالإسلام على مرحلة فترة زمنية محددة ليس له سند علمى قوى ... فالإسلام كحضارة متحركة تصلح لكل زمان ومكان لم يتوقف بإنتهاء الفترة التاريخية المتميزة... بل هو مستمر كحضارة وإن كانت قد اضعفته بالغزوات الغربية أو الشرقية سواء كانت هذه الغزوات عسكرية أو ثقافية أو اقتصادية الأمر الذى لا تزال تعانى منه منطقة الشرق العربى حتى الأن ، وهو ماتظهر أثاره على العمارة المعاصرة الممثلة لكل المستويات والقطاعات الخاصة والعامة ، فالمؤثرات الخارجية هنا وضحت أثارها على الإنسان العربى قبل أن تظهر على عمارته الأمر الذى يؤكد أن التأثير الحضارى على العمارة يبدأ بعد التأثير الحضارى على الإنسان ، من هنا يتضح المنهج العلمى لهذا البحث فالتبصر بمستقبل العمارة العربية فى المشرق العربى يبنى فى ضوء التبصر بمستقبل الانسان العربى فى هذة المنطقة أولا وبعد ذلك يمكن تصور الملامح المستقبلية للعمارة فيها .
وإذا كان الإسلام الذى ظهر فى منطقة المشرق العربى قد خط خطا عميقاة بين فترتى ما قبل الإسلام وما بعده ، ولما كان الإسلام الذى شمل المشرق العربى كحضارة قد إرتبط بالعربية كلغة ونسب وإنتماء فإن المسمى للعمارة فى المرحلتين التاريخيتين الأساسيتين فى المشرق العربى يمكن أن يكون عمارة فى المشرق العربى قبل الإسلام والعمارة العربية بعد الإسلام حتى اليوم وغدا مادام الإسلام حضارة مستمرة لكل مكان وزمان فى المشرق العربى وهو موضوع الدراسة .
إن الدراسة بهذا المنهج وهذا المفهوم لن تحاول أن تدعو إلى ضرورة العودة إلى المقومات الحضارية للإنسان العربى فى الدولة الإسلامية المعاصرة بهدف تأصيل القيم الحضارية فى العمارة المعاصرة وإتصال ما أنقطع منها بين الماضى والحاضر ولكنها سوف تحاول متابعة المسار الحضارى الذى تأثر به الإنسان فى المشرق العربى مع متابعة المسار الذى تأثرت به العمارة فى هذه المنطقة بهدف إستنباط الملامح المستقبلية لهذا الإنسان ثقافياً وإقتصادياً وإجتماعياً ومن ثم إستباط الملامح المستقبلية للعمارة وظيفياً وإنشائياً وتشكيلياً وتكنولوجياً .
والعمارة فى منطقة المشرق العربى فى الوقت الحاضر كما هو فى كل مكان تتأثر مباشرة بالعديد من العوامل ، فتتأثر العمارة الشعبية بالوعى الحضارى لدى الجماهير وهو يختلف من مكان لاّخر بإختلاف المستويات الثقافية والإجتماعية والإقتصادية معاً ، وهنا تظهر التباينات بين هذه المستويات فى المجتمع العربى فإرتفاع فى المستوى النظامى مصحوب بإنخفاض فى المستوى الإقتصادى وهبوط فى المستوى الثقافى مصحوب بإرتفاع فى المستوى الإقتصادى وهكذا ... وهو ماينعكس بالتبعية على المستوى المعمارى خاصة فى الإسكان الخاص الذى تتجاذبه متطلبات المالك ومستواه الحضارى من ناحية ونزعات المعمارى ومستواه الثقافى والعلمى من ناحية أخرى.
وهكذا تعبر العمارة العربية المعاصرة فى الشرق العربى عن مجموعة كبيرة من التبادل والتوافيق بين هذه المتغيرات وتنمحى بذلك الشخصية العامة التى تتجانس فيها المستويات الثقافية بالمستويات الإقتصادية والإجتماعية عند الجماهير ، وبالتبعية تتجانس المستويات العمرانية شكلاً وموضوعاً .
أما العمارة الرسمية فتتأثر بالوعى الحضارى لدى متخذى القرارات من ناحية والمستوى الثقافى والعلمى للمعمارى من ناحية أخرى بغض النظر عن الجانب الإقتصادى الذى لا يمكن إعتباره عاملاً مؤثراً على المستوى المعمارى من ناحية الشكل أو الأداء .
والمستوى الثقافى والعلمى للمعمارى يتأثر بالتبعية بالمنهج التعليمى الذى سلكه من ناحية والتنظيم المهنى الذى ينتمى إليه من ناحية أخرى قوة أو ضعفاً ، وهذا مجال اّخر لابد من متابعته بين  الماضى والحاضر لتحديد ملامح المستقبل .
وبهذا المفهوم تحدد المنهج العلمى لمعالجة هذا الموضوع وبدأت الدراسات التفصيلية لكل منطقة فى المشرق العربى والمناطق هنا قد تحددها المعالم الجغرافية أو الحدود السياسية أو كليهما معاً ، من هنا تم تقسيم الشرق العربى إلى عدة مناطق متميزة حضارياً وهى :-
المنطقة الأولى : مصر والسودان
المنطقة الثانية : سوريا والعراق والأردن وفلسطين ولبنان .
المنطقة الثالثة : السعودية واليمن وحضرموت .
المنطقة الرابعة : الكويت والبحرين وقطر ودولة الإمارات العربية وعمان .
وفى ضوء هذه التقسيمات الجغرافية السياسية بدأ جمع البيانات الأساسية كأساس للتحليل والمقارنة والمتابعة على طول هذه الدراسة .

  1. التفاعلات الحضارية فى عمارة الشرق العربى :

2-1 العمارة العربية المعاصرة فى المشرق العربى تعتبر حصيلة التفاعلات الحضارية التى تمت فى المنطقة على مدى تاريخها الحضارى الطويل ... ويظهر هذا التفاعل فى التقسيم المميز لمعظم التجمعات السكنية فى المنطقة.. حيث تنفصل المدينة القديمة بأسوارها وما بقى من مبانيها التاريخية عن المراحل المعمارية المتتايعة خارج الأسوار وإذا كان هذا التقسيم العام واضحاً فى معظم المدن إلا أنه يختلف فى تفاصيله المعمارية من مدينة إلى أخرى تبعاً لموقعها الجغرافى ومراحل تاريخها السياسى والتكوين الحضارى لمجتمعاتها .
2-2 ومن ناحية أخرى يمكن تقسيم التفاعلات الحضارية فى عمارة الشرق العربى إلى مراحل تاريخية متميزة المرحلة الأولى منها قبل التاريخ وهى مرحلة تهم الاّثريين والمؤرخين أكثر مما تهم المعماريين نظراً للبعد الزمنى الكبير لهذه المرحلة ، ثم المرحلة المتميزة الثانية وهى المرحلة التاريخية قبل الميلاد أو بعده وهى تتكون من مراحل متتالية تتابعت على فترات زمنية طويلة إرتبطت كل مرحلة فى جذورها بالمراحل السابقة وأمتدت اّثارها إلى المراحل التالية وذلك فى تفاعلات حضارية طويلة الزمن عميقة التأثير محدودة المكان ، وهنا تظهر التفاعلات المعمارية المحلية أكثر وضوحاً من التفاعلات الخارجية .
2-3 وتختلف هذه التفاعلات من منطقة جغرافية إلى أخرى تبعاً لتعرضها للتقلبات التاريخية فعندما كانت مصر تتأثر بالحضارة الفرعونية ثم اليونانية والرومانية حتى ظهرت الحضارة الإسلامية تأثرت المناطق المحيطة بها فى السودان جنوباً بالحضارة الفرعونية وشمالاً فى الشام ( فلسطين وسوريا والأردن ولبنان ) ببعض المؤثرات الحضارة الفرعونية ثم بنفس المؤثرات الخارجية للحضارة اليونانية والرومانية حتى ظهور الحضارة الإسلامية وعلى الجانب الشرقى فى أرض ما بين النهرين ظهرت الحضارة الأشورية منفصلة عنها ومتزامنة مع الحضارة الفرعونية ثم تبعتها حضارات أخرى منفصلة ومتزامنة مع الحضارة الفرعونية التى قل تأثيرها شرقاً.. حتى ظهور الحضارة الإسلامية وفى الجزيرة العربية عاشت المنطقة مراحل تاريخية متتالية محدودة الاّثار المعمارية بعيدة عن مؤثرات الحضارات المتزامنة فى مصر والشام أو أرض ما بين النهرين إلى أن ظهرت الحضارة الإسلامية التى تمثل المرحلة المتميزة الثالثة .
2-4 يتضح من التتابع التاريخى أن التفاعلات الحضارية فى عمارة الشرق العربى أخذت الصيغة المحلية إلى أن ظهرت الحضارة الإسلامية كمؤثر عام شمل كل مجتمعات المشرق العربى وبعدها بدأ الإرتباط الحضارى بينها سياسياً وإقتصادياً وإجتماعياً وعمرانياً..بدأت تظهر اّثار التفاعلات الحضارية الإسلامية على عمارة المنطقة بدأ بعمارة المساجد ثم بالعمارة الرسمية حتى العمارة السكنية والشعبية فإنتقلت الملامح المعمارية للدول الإسلامية المتتالية من مراكز الحكم أو الولاية إلى سائر إنحاء الدولة مع إنتقال الإمارة والولاة التابعين لها..وهنا تدخل منطقة المشرق العربى فى حدود الدولة الإسلامية بجناحيها فى الشرق والغرب ، وهكذا تظهر التفاعلات الحضارية فى عمارة المشرق العربى واضحة المعالم بين دول المنطقة فى هذه الفترة التاريخية حتى ظهور الدولة العثمانية وما يتبعها من غزوات وإستعمار سياسى أو إقتصادى أو ثقافى وهو ما يحتل المرحلة المتميزة الرابعة والتى لا تزال اّثارها الجانبية مستمرة حتى الأن .
2-5 وإذا كانت التفاعلات الحضارية فى عمارة المشرق العربى فى المراحل الثلاثة الأولى قد إنحصرت داخل المدن القديمة إلا أن اّثار التفاعلات الحضارية فى المرحلة الرابعة ظهرت اّثارها على عمارة المدن خارج الأسوار ثم إنعكست بعد ذلك على العمارة داخل الأسوار وإزدادات اّثار هذه التفاعلات فى هذه المرحلة مع زيادة السرعة فى وسائل الإتصال سواء على المستوى المحلى للمنطقة أو المستوى الدولى مع العالم الخارجى ، ومع ضعف الإستمرار الحضارى الإسلامى فى هذه المرحلة بدأت المنطقة تتعرض لغزوات حضارية وثقافية أثر الغزوات العسكرية والسياسية إنعكست اّثارها على مختلف جوانب الحياة الإجتماعية والثقافية وفى مقدمتها العمارة حيث إنتقلت إلى المنطقة قادمة من الغرب بأساليب جديدة فى البناء وأنماط جديدة من التصميمات وعناصر جديدة من المفردات المعمارية تجمعت فى القوالب المعمارية التى تميزت بها كل فنرة من هذه المرحلة وصحب ذلك دخول الفكر الغربى إلى العملية التعليمية والمهنية ليس فقط فى التصميم المعمارى بواسطة المعماريين الأجانب ولكن دخل أيضاً فى تكوين المعمارى العربى نفسه سواء فى المدارس المعمارية المحلية أو بالإنتماء إلى المدارس المعمارية الأجنبية فى فرنسا وانجلترا وإيطاليا... وانتقل بذلك الفكر المعمارى الغربى إلى المنطقة ليشكل عمارة المدينة العربية المعاصرة خارج أسوار المدن القديمة وكانت أقرب المصادر المعمارية إلى المنطقة فى فرنسا وإيطاليا واليونان.. حتى انتقلت منها تعابير المهنة وألفاظها .
2-6 وإذا كان هناك وحدة فى التعبير المعمارى فى العصور الإسلامية ربطت بين عمارة الأقطار الإسلامية المختلفة فى المشرق العربى وإن أختلفت فى تفاصيلها المعمارية التى تأثرت بطرق التشييد ومواد البناء التى إستعملت على مر العصور السابقة فإن وحدة التعبير المعمارى فى المرحلة التاريخية الرابعة التى ضعف فيها الإستمرار الحضارى الإسلامى جاءت نتيجة لوحدة المصادر الغربية لوسائل البناء والتشييد مع وحدة المتطلبات الإجتماعية الجديدة التى صاحبت الغزوات الحضارية على المنطقة وكادت تقضى على المقومات الحضارية الإسلامية وإذا كانت وحدة  التعبير المعمارى فى العصور الإسلامية المتتابعة قد ظهرت فى المبانى الدينية من المساجد والمدارس فقد ظهرت أيضاً فى المبانى العامة والرسمية كما ظهرت فى العمارة السكنية التى إرتبطت بنسيج عمرانى يعبر عن العلاقات الإنسانية المترابطة للمجتمع  فإن وحدة التعبير المعمارى فى العصور اللاحقة والتى ضعف فيها الإستمرار الحضارى الإسلامى ظهر أكثر ما ظهرت على العمارة الرسمية للمبانى العامة كما ظهرت فى العمارة السكنية التى إرتبطت بنسيج عمرانى جديد يعبر عن العلاقات الإنسانية المتحللة للمجتمع بل وساعدت على تفكك هذه العلاقات بالإضافة إلى تدمير وسائل النقل والإتصال الحديث لما تبقى من هذه العلاقات الإجتماعية وبذلك فقدت العمارة العربية أصولها المتوارثة كما فقدت المجتمعات العربية أصالتها الإجتماعية والثقافية .
2-7 والعمارة فى كل المراحل التاريخية التى مرت بها المنطقة هى من صنع الإنسان سواء المكلف من قبل الوالى أو الحاكم ،بالنسبة للمبانى الرسمية والعامة أو المكلف من قبل الفرد صاحب العقار بالنسبة للعمارة الشعبية ، وفى كلا الحالتين يتحرك الإنسان المكلف بالبناء من منطلق رغبات الوالى أو الحاكم أو الفرد صاحب العقار ...وكل يعبر عن متطلباته وتطلعاته من واقع تكوينه الثقافى والحضارى وتبدأ عمليات البناء من صنع الإنسان سواء بيده التى تعبر عن إحساسه بالمادة أو مقدرته التى تظهر فى إتقانه وإخلاصه للعمل وهذا ما تميزت به عصور ما قبل الثورة الصناعية أو سواء بالاّلة التى إبتكرها غيره لمساعدته على أداء عمله فى البناء توفيراً للوقت والجهد والذى أصبح ظاهرة إجتماعية إقتضتها متطلبات السرعة فى الحركة والإنتقال والإتصال ، ومن هنا فإن التفاعل الحضارى بين المعماري والصانع والمادة فى ضوء المستوى الثقافى والحضارى لصاحب العقار مشكلاً فى الصيغة النهائية للعمارة بكلياتها وجزئياتها بعموميتها وتفاصيلها ، فالعمارة إذن هى نتاج مشترك للمعمارى والصانع وصاحب الأرض .

  1. العوامل المشكلة للعمارة العربية فى المشرق :

3-1 لقد إرتبط التشكيل المعمارى فى الفترات الأولى من التاريخ أساساً بمادة البناء المحلية وبتكنولوجيا التشييد التى إبتكرها الإنسان فى هذه الأزمان ثم بالتصور الفراغى للمعمارى لهياكل المبانى الرسمية أو الدينية تلبية لرغبات الحاكم أو الوالى أو بالتصور الفراغى لعامل البناء الماهر لهياكل المبانى السكنية تلبية لرغبات صاحب الارض..والفن المعمارى فى هذه المراحل كان يخضع إلى المواهب الخاصة التى تمت مع الممارسة الطويلة بالتعامل مع مادة البناء وإستيعاب خواصها الطبيعية وخصائصها الهندسية وإتقان الصنعة فالتشكيل المعمارى وإن كان يبدأ بالرسومات المبدئية فهو يتم بإستمرارية التعايش مع المادة أثناء عمليات البناء ومن هنا يظهر العامل الانسانى واضحاً فى التعبير الشكلى أو الفراغى أو يظهر واضحا أيضاً فى دقة التفاصيل وتجانسها فالمعايشة المستمرة مع المبنى أثناء مراحل بنائه هى العامل الرئيسى الذى كان يشكل العمارة فى المراحل التاريخية المتلاحقة حتى ظهور الصياغة التى إنعكست اّثارها على المنطقة من خلال الغزوات العسكرية والسياسية  والثقافية .
3-2 فالتعايش المستمر مع المبنى سواء من قبل المعمارى أو رئيس البنائين المكلف من قبل الوالى أو الحاكم أو صناع البناء المكلفين من قبل أصحاب المبانى السكنية إلا أن لأصحاب المبنى دور بارز فى هذه المعايشة... فإن كان المعمارى أو رئيس البناء من حاشية الوالى أو الحاكم يتداول معه الرأى ويناقشه فى منجزات الغير من حكام أو ولاه سواء نقلاً عن روايات المبعوثين أو تأثيراً شخصياً بما رأوا بأنفسهم من عمارة الأخرين ، من هنا خلفت المعايشة المستمرة مع المبنى أثناء مراحل بنائه من قبل المعمارى وصاحب الشأن حساً واعياً لدى كل من المعمارى وصاحب الشأن وهذا هو الأهم فهو صاحب القرار النهائى فى عمليات البناء .
3-3  وإذا كانت المعايشة فى عمليات البناء هى صورة من صور وحدة الفكر فى التشكيل المعمارى لعمارة المنطقة فإن عامل التنوع يتأثر بالمكان وما يوفره من مواد صالحة للبناء ففى مصر والشام كان البناء بالحجر الآجر الذى أستدعى بحوراً قصيرة بين الاعمدة كما فى المعابد الفرعونية واليونانية أو العقود والقباب كما فى العمارة الرومانية والإسلامية ، وفى أرض ما بين النهرين فى العراق كان إستعمال الطابون كما ظهر فى العمارة الأشورية والإسلامية واستمر تعبيره إلى الوقت الحاضر مع إختلاف الإستعمال فى الحوائط أو التجميل وفى الجزيرة العربية كغيرها من المناطق الصحراوية كان إستعمال الطين المختلط بالرمل إمتداداً رأسياً لطبيعة الأرض بلونها وملمسها وصغرت الفتحات وأستعملت الأقبية والقباب فى بعض الأحيان وجزوع الاشجار والنخيل فى أحيان أخرى مكونة كتلاً معمارية متلاصقة تعبيراً عن الترابط الإجتماعى والأمن وتحقيقاً لقسوة المناخ وهى صورة لعمارة الصحراء فى كل مكان .
3-4  مع المعايشة المستمرة مع مراحل البناء التى تلعب فيها مهارة الصانع دوراً واضحاً فى التشكيل المعمارى بكلياته وجزئياته مع إرتقاء الوعى الحضارى للبناء الذى نمى عند العامة والخاصة لم يقتصر التشكيل المعمارى على الهيكل البنائى فقط ولكنه إرتبط بصورة متكاملة مع متطلبات المبنى من أثاث مبنى أو مكملات ترويحية أو جمالية ، الأمر الذى ظهر جلياً فى العمارة الإسلامية والتى تعبر تعبيراً صادقاً على أن البناء الداخلى للفراغات والمتطلبات المعيشية هو أساس التشكيل المعمارى الذى ينشأ عنه الغلاف الخارجى للمبنى فالتشكيل المعمارى هنا كان تشكيلاً داخلياً يبدأ من الداخل إلى الخارج أكثر فيه تشكيلاً حجمياً يبدأ من الخارج إلى الداخل كما فى بعض التعبيرات المعمارية المستحدثة ، فقد كانت عمليات البناء تتم من الداخل إلى الخارج خاصة مع تلاصق المبانى بعضها ببعض الأمر الذى تختفى معه الواجهات أو التكوينات الحجمية للمبنى ككيان مستقل لا ينفصل ، لذلك نجد أن العمارة الإسلامية والعمارة الصحراوية غنية من الداخل وأكثر إرتباطاً بسكانها وأقل تجرداً فى الخارج .
3-5  بدأت المعايشة المستمرة بين المعمارى أو رئيس البنائين والمبانى التى يشيدونها بالتعاون مع أصحابها ووضوح الجانب الإنشائى فيها ، بدأت تختفى بظهور الثورة الصناعية وسيطرة الاّلة على إنتاج الإنسان وحركته وسلوكياته الحياتية الأمر الذى إنعكس بالتبعية على قيمه الحضارية والفكرية ، وبإختفاء هذا التعايش بين المعمارى والمبنى اختفت اللمسات الانسانية فى كليات العمارة وجزئياتها وأصبح المبنى مركب تكنولوجى من عناصر إنشائية ومواد بنائية وتجهيزات فنية تغلب الجانب الهندسى على القيم الفنية التى إنحصرت فى التشكيلات الحجمية والشكلية الخارجية .
3-6  مما سبق يتضح أن تشكيل العمارة فى منطقة المشرق العربى كغيرها من المناطق يخضع إلى عوامل مترابطة ومتكاملة وليس لعامل واحد أو أكثر ، وهذه العوامل المترابطة تعتبر مزيجاً من مؤثرات العوامل السياسية والإقتصادية والثقافية والإجتماعية والبيئية السائدة التى تنعكس على المعمارى أو رئيس البنائين من جانب وصاحب البناء من جانب اّخر.. من هنا يأتى التشكيل المعمارى معبراً عن قدرة المعمارى أو رئيس البنائين وقدره فى المجتمع كما تعبر عن الوضع الحضارى والثقافى لصاحب الملك الممثل للمجتمع الكبير ، من هنا يمكن قراءة الملامح السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية للمجتمع من خلال النسيج العمرانى للمجتمع السكنى الذى يعيش فيه  فمستقبل العمارة إذن لا يعتمد على قدرة المعمارى فنياً وعلمياً وتنظيمياً بقدر ما يعتمد على وضع المجتمع حضارياً أو ثقافياً وإقتصادياً وإجتماعياً مع ما يرتبط لذلك من تقدم علمى وتكنولوجى من ناحية وإرتباط بالجذور الحضارية للمجتمع من ناحية أخرى .

  1. بناء المعمارى العربى : التعليم والبحث العلمى

4-1  يتأثر مستقبل العمارة فى المشرق العربى وعلى المدى البعيد بتكوين المعمارى العربى الذى يتبلور فى المدارس والكليات أولاً ثم بالممارسة بعد ذلك أو بالبحث العلمى والدراسات الاكاديمية ويتأثر بناء المعمارى العربى من داخل المعاهد العلمية بالمناهج العلمية والاتجاهات المعمارية الاكاديمية التى تختلف باختلاف الخلفية العلمية للأساتذة والموجهين ، كما يتأثر بناء المعمارى  من خارج المعاهد العلمية بما يشاهده على الطبيعة من أعمال معمارية هى فى الواقع نتيجة تفاعل فكر المصمم وثقافة صاحب العمل وهو تفاعل غير متوازن فى العديد من الدول النامية ومنها دول المشرق العربى ، هذا بالإضافة إلى ما يقرأه المعمارى أثناء مرحلة الدراسة وما بعدها من مؤلفات أو دوريات معمارية ومعظمها يعبر عن فكر غريب عن المجتمعات المحلية ثقافياً وبيئياً ، اللهم إلا النظر القليل من المؤلفات العربية والتى لا يمكن تقويمها إلا إنها مجرد ترجمات هزيلة للفكر الغربى ولا يستثنى من ذلك إلا القليل جداً من الكتب والمجلات المعمارية .
4-2  لقد بدأ بناء المعمارى فى المشرق العربى كجزء من بناء المهندس وإستمر هذا المفهوم فى معظم الجامعات العربية كما هو الحال فى جامعات القاهرة وعين شمس والأسكندرية وبغداد ودمشق وحلب والأردن والخرطوم وبيروت ، وإن كان بعضها قد بدأ فى إنشاء كليات معمارية تضم أقسام العمارة وتصميم البيئة والتخطيط العمرانى كما هو فى جامعة البترول بالدمام والملك فيصل فى الدمام والملك عبد العزيز بجدة ، فلا يزال مفهوم البناء العلمى للمعمارى يدور فى فلك العلوم الهندسية حتى أن المعمارى العربى يحمل مسمى المهندس المعمارى ، وهنا يتعرض بناء المعمارى العربى إلى مجموعة من المواد الهندسية والرياضية والكيماوية والميكانيكية التى تفقده قدراً من الثقافة المعمارية بجوانبها الوظيفية والتشكيلية والتراثية .. كما يتعرض بناء المعمارى العربى أيضاً إلى مجموعة متابينة من النظريات المعمارية والتخطيطية المشتقة من الفكر الغربى ورواده فى عالم العمارة والتخطيط العمرانى ، الأمر الذى يساعد على الإنفصام الفكرى بين المعمارى العربى فى مرحلة بنائه وبين الواقع البيئى والإجتماعى والإقتصادى الذى يعيش فيه ، وتصبح النظرية لديه خيالاً لايرتكز على قاعدة من الواقعية .
4-3  كما يتعرض بناء المعمارى العربى إلى مجموعة من النظم الإدارية التى تراعى بعضها فى بعض الدول العربية ، إستعداد الطالب وقدراته الفنية التى تصلح للتعليم المعمارى بينما لا تراعى هذه النظم فى البعض الأخر هذا الإستعداد أو القدرات ويصبح التعليم المعمارى مجرداً من هذه الشروط الأساسية فى التكوين الشخصى لطالب العمارة ، من هنا تصبح العملية التعليمية المعمارية قائمة على التلقين أكثر منها على الإبتكار ، وتتخرج بذلك أجيال ضعيفة من المعماريين لا يلبثوا أن يدخلوا الحياة العملية فاقدين لأصول المهنة فتخرج عماراتهم فى الطبيعة بسرعة كبيرة لا تعبر إلا عن أنماط مكررة من الفكر المعمارى الممسوخ لذى يأخذ بشرط تراخيص البناء قبل أن يأخذ بالقيمة المعمارية التى تناسب البيئة المحلية ثقافياً وإجتماعياً وإقتصادياً وهنا قد يترك الأمر كله لصاحب الأمر المسئول عن منح تراخيص البناء فى اجهزة البلديات المحلية .
4-4  وإذا كان البناء المعمارى يتأثر فى أوله بالعملية التعليمية فهو ينتهى إلى ممارسة المهنة والتنظيمات القائمة عليها فتنظيم المهنة المعمارية لا يزال يدور فى إطار المهنة الهندسية كالرى والطرق والمرافق والميكانيكا والكهرباء وهكذا تطبع الشخصية المميزة للمعمارى ومن ثم لأعماله المعمارية ، إن تنظيم المهنة لا زال يعطى المهندس النقابى حق ممارسته الهندسة المعمارية فتظهر بذلك أنماط غريبة للعمارة العربية لا تتدخل التنظيمات المهنية فى تصميمها أو تخطيطها أو تنفيذها ، اللهم إلا فى اضيق الحدود كما فى مدن جدة أو تونس أو مراكش ، وهنا يظهر الأثر القوى لتنظيم المهنة على بناء المعمارى بعد فترة التحضير فى الدراسات الجامعية إذ يقتصر تنظيم المهنة المعمارية على العضوية وسداد الإلتزامات المالية الخاصة بالتأمين مع القليل جداً من النشاط العلمى فى صورة محاضرات عامة وهنا يمكن أن يقال أن التنظيم المهنى المعمارى لا يزال منعدماً فى دول المشرق العربى إذ لايزال جزءاً ضعيفاً من التنظيم المهنى الهندسى العام وهنا يكمن الضعف الشديد فى الكيان المهنى للمعماريين فى دول المشرق العربى موضوع هذه الدراسة ، الأمر الذى ينعكس بالتبعية على ضعف الإنتاج المعمارى بها ، ويترك الفرصة إلى المعمارى الغربى بقدراته الفنية والتنظيمية ومساندته الرسمية والسياسية لأن يدخل سوق الإنتاج المعمارى فى هذه الدول تاركاً القدر اليسير لأبنائها من المعماريين الوطنيين .
4-5 فالتنظيمات المهنية المعمارية أما أن تأخذ شكل شعب متخصصة فى إطار نقابات المهندسين كما فى مصر والعراق وسوريا والأردن تختص بالجوانب التنظيمية للمهنة بينما هناك بعض الجمعيات الهندسية العلمية تعمل منفصلة عن التشكيلات النقابية وتحاول أن تختص  بالجوانب العلمية وإن كان معظمها قليل الفاعلية علمياً أو ثقافياً أو مهنياً.. كما فى جمعية المهندسين المعماريين فى مصر المسجلة نظامياً فى وزارة الشئون الإجتماعية كغيرها من الجمعيات العلمية أو الخيرية..هذا فى الوقت الذى لا توجد فيه مثل هذه الجمعيات فى المملكة العربية السعودية ، كما يمارس النشاط العلمى المعمارى فى دول المشرق العربى الاّخر فى إطار النشاط العام للجمعيات الهندسية كما فى الكويت ودولة الإمارات العربية والسودان ولبنان ويبقى النشاط المهنى المعمارى فى فلسطين مرتبطاً بالنشاط المماثل له فى الأردن حتى الأن ودون فعالية تذكر ، وحتى الأن لم تظهر الشعب أو الجمعيات المعمارية أثر يذكر فى تنظيم المهنة خاصة فيما يرتبط بالبناء الفكرى للمعمارى العربى بعد حصوله على المؤهل الجامعى ، فلا نشرات معمارية دورية أو مجلات معمارية أو كتيبات تساعد على الإرتقاء بالمستوى الفنى للمهنة كما هو فى معظم الدول المتقدمة فى العالم .
4-6 من متابعة التطورات التى طرأت على بناء المعمارى العربى فى النصف قرن الماضى لا يمكن التبصر بتعديلات واضحة فى العوامل المؤثرة على ذلك سواء من الناحية التعليمية أو الممارسة المهنية وإن كانت هذه الصورة تختلف من دولة لأخرى من دول المشرق العربى ، فإذا كان التنظيم المهنى مؤثراً فى الكويت ولبنان ودولة الإمارات فهو اقل تأثيراً فى مصر والسودان وسوريا واليمن ، وأكثر أثراً فى المملكة العربية السعودية حيث يتم تنظيم المهنة من خلال المؤسسات الحكومية كما فى وزارة التجارة أو الشئون البلدية والقروية وتتجه معظم التنظيمات المهنية إلى إعطاء المهندس الوطنى فرصاً أكثر فى الممارسة والإنتاج أكثر منها للمكاتب الإستشارية الأجنبية التى إتسع نشاطها فى دول المنطقة سواء بالتقدم المباشر عن للممارسة عن طريق الوكلاء المحليين أو بالتقدم الغير مباشر عن طريق المعونات المالية والفنية الخارجية ، ومع ذلك فالمعمارى لا يزال يعامل معاملة المهندسين المحليين دون تمييز أو إختلاف مهنى يعكس ماهو فى معظم الدول المتقدمة فى العالم .
4-7 ومع ضعف التنظيمات المهنية للمعماريين العرب ومع الجمود الفكرى فى العمليات التعليمية السائدة فى معظم دول المنطقة خاصة ماتعتبر التعليم المعمارى جزءاً لا يتجزأ من التعليم الهندسى مع ذلك يضعف الإنتاج العلمى بحثاً وتطبيقاً تأليفاً أو نشراً ، فالبحوث المعمارية لاتزال تدور فى قوالب أكاديمية بعيدة عن واقع المجتمع ومتطلباته الأتية والمستقبلية ولا تؤثر تأثيراً مباشراً على بناء المعمارى أو على إنتاجه خاصة وإن معظم هذه البحوث لا يرى النور من خلال النشر والتوزيع  فليس فى الشرق العربى بما فيه من أعداد كبيرة من المعماريين وتظهر فيه أعداد كبيرة من المشروعات التخطيطة والمعمارية ليس فيه دار للتأليف والنشر المعمارى حتى أن معظم ما ينشر عن العمارة المعاصرة فى المنطقة يظهر على صفحات المجلات الأجنبية لأن مصمميها  ومخططيها هو من المعماريين الأجانب والإهتمام بنشر أعمالهم جزء من الأهتمام بالسوق الإستشارية المعمارية فى المنطقة وأكثر من ذلك فإن سوق البناء فى المشرق العربى لاتزال تعتمد على قدر كبير من إنتاج المصانع الغربية الأمر الذى ينقل معها قيماً معمارية وتشكيلية لا تلبث أن تؤثر على الملامح المعمارية المحلية ، من هنا فإن مستقبل العمارة العربية فى دول المشرق العربى سوف يتأثر لفترة طويلة من الزمن بما ينتج فى الخارج من مواد وتجهيزات وعناصر معمارية طالما لا تفى صناعة البناء المحلية بكل متطلبات الأسواق المحلية فى المنطقة الأمر الى يتطلب تكاملاً فى صناعة البناء على المستوى العربى لهذه المنطقة وهذا رهن بالعلاقات السياسية بينها .
4-8 وهكذا يرتبط مستقبل العمارة العربية فى المشرق العربى ببناء المعمارى العربى علمياً ومهنياً وتنظيمياً ليكون قادراً على الإضطلاع بكامل مسئولية البناء المعمارى فى دول المنطقة بعد أن تستغنى عن المعمارى الأجنببى الذى ظل فترة طويلة من الزمن أكثر من نصف قرن يقوم بهذه المهمة دون منافسة من المعمارى المحلى ، وذلك مع الإرتقاء بالوعى الفنى والتنظيمى والمهنى للمعمارى المحلى من ناحية والعناية بالبحوث العلمية والمعمارية والإرتقاء بمستوى الإنتاج لصناعة البناء لتكون قادرة على تغطية السوق المحلى للبناء بكامل متطلباته بحيث نترك اّثارها على الملامح المعمارية المحلية  وهكذا ترتبط الجوانب العلمية والمهنية والإنتاجية والسياسية فى عمليات بناء المعمارى العربى وتحديد مستقبل العمارة فى المنطقة .

 

 

 

 

 

 

جامعــة الأمـم المتحـدة

  1. تطور تكنولوجيا البناء ومستقبل العمارة العربية :

5-1  يتأثر البناء التشكيلى للعمارة بإسلوب التشييد ومواد البناء المستعملة فيها وهما المكونيين الأساسين لتكنولوجيا البناء فإستعمال الحجر فى البناء الفرعونى فى مصر بكتله الكبيرة كان عاملاً مؤثراً فى تشكيل العمارة الفرعونية .. ومن جهة أخرى كان إستعمال الطابوق فى البناء الأشورى فى العراق له إمكانياته التشكيلية التى إتسمت بها العمارة الأشورية .. ولما تقدمت تكنولوجيا البناء بعد ذلك فى العصور الرومانية واليونانية فى المنطقة ظهر البناء بالحجر فى صور أكثر وضوحاً فى التشكيل مع ما إرتبط بذلك من نظريات فلسفية للعلاقات القياسية فى المساقط الأفقية والرأسية..حتى بداية العصور الإسلامية حيث شهدت العمارة فى الشرق العربى طفرة جديدة فى تكنولوجيا البناء سواء بالحجر وإستعمالاته المختلفة فى القصور والأقبية والقباب وما أرتبط بذلك من فنون تشكيلية هندسية نباتية كمكملات للعمارة الإسلامية ، وظهرت تكنولوجيا البناء أيضاً فى بناء الأضرحة كما ظهر فى بناء الأسواق والقصور ودخلت تكنولوجيا البناء بعد ذلك بأيدى الخبراء الأجانب سواء بطريقة مباشرة فى حجم الأعمال الرهيب الذى أنشأ على مساحة الشرق العربى شماله وجنوبه .
5-2  لقد إرتبطت تكنولوجيا البناء فى منطقة الشرق العربى قبل تأثير الثورة الصناعية التى ظهرت فى أوروبا بخبرة الإنسان ومهارته ، فهو المصمم والصانع والمزخرف وبذلك توارثت تكنولوجيا البناء عبر أجيال من البشر تنتقل فيها المعرفة من جيل إلى جيل عن طريق الممارسة والتعايش المستمر مع عمليات البناء تتعمق فيها أصول المهنة مع الزمن وليس عن طريق الكتب والمجلات ، من هنا كانت تكنولوجيا البناء فى هذه الفترة مرتبطة بوجدان الإنسان وقدراته وثقافته الفنية التى تنتقل من جيل إلى جيل لتؤكد الإستمراية الحضارية التى لاتقطعها الطفرات المفاجئة فى تطور علوم البناء ، لذلك إرتبطت العمارة بالإنسان ارتباطا وثيقا الى حين دخول الالة فى االبناء لتحل محل الانسان فى كثير من الأعمال والمهام وإنقطعت بذلك الصلة الوجدانية بين الصانع والمبنى ، فظهرت المبانى بعد تأثير الثورة الصناعية قاطعة لعمليات ميكانيكية خالية من الروح حتى ظهرت الإتجاهات المعاصرة تدعو إلى البحث عن ذات فى العمارة المحلية تتوازن فيها المادة بالروح ، الأمر الذى يصعب تحقيقه فى هذا الزمان الذى تتطور فيه المنجزات التكنولوجية بسرعة رهيبة فما الحال بالنسبة للمستقبل وما يصاحبه من تكنولوجيا يعجز الإنسان عن تصورها ؟ .
5-3  يستقبل الشرق العربى معظم تكنولوجيا البناء من الغرب الذى إندلعت فيه الثورة الصناعية وأكتسحت أماماها كثيراً من القيم الإنسانية فى البناء ، ومع تدفق التيار المستمر لتكنولوجيا البناء من الغرب لم يستطيع الشرق العربى ان يقاومه بحجم كاف من صناعة البناء المحلية كما لم يستطع أن يتفاعل مع الجديد من علوم البناء فى مجال التعليم أو البحث العلمى  فتكنولوجيا البناء تنتقل إلى الشرق العربى خلال الشركات الإستشارية التى تصمم ثم شركات المقاولات التى تنفذ وكلها تعتمد على التكنولوجيا الحديثة فى البناء حتى سقطت القيادة الفكرية من أيدى المصمم أو المنفذ العربى كما جرف التيار الفكرى فى المؤلفات والدوريات التى تعترض لعلوم البناء أى فكر محلى يحاول أن يستبط مادة محلية جديدة للبناء أو أسلوباً محلياً جديداً للتشييد وهنا يضمر الفكر العربى وتضمر المؤلفات والدوريات كما يضمر عطاء المنظمات المهنية للعاملين فى قطاع البناء والتشييد تخطيطاً وتصميماً وتنفيذاً .
5-4  ويرتبط مستقبل العمارة العربية فى الشرق العربى بمستقبل تكنولوجيا البناء فيه ، كما يرتبط بمستقبل الفكر الثقافى والحضارى لمجتمعاته بكل فئاتهم وإذا كان من الممكن قياس مستقبل تكنولوجيا البناء فى ضوء ماهو متاح من موارد وخبرات وما هو وارد من فكر وعلم ، فإنه من الصعب التكهن بمستقبل الفكر الثقافى والحضارى لمجتمع تتباين فيه الفئات ثقافياً وحضارياً وإقتصادياً وإجتماعياً ، من هنا كانت أهمية تطويع تكنولوجيا البناء للتجاوب مع متطلبات وإحتياجات هذه الفئات المتباينة من البشر  والتتطويع هنا يعتبر بداية الطريق لبناء عمارة المستقبل فى المشرق العربى والتطويع لا يتطلب بالضرورة تطبيق اّخر ما وصل إليه العلم من تكنولوجيا بقدر ما هو إيجاد تكنولوجيا البناء التى تتناسب مع الإمكانيات البشرية لفئات المجتمع فكرياً وعلمياً وعملياً ، كما تتناسب مع موارد الدولة مادياً وإقتصادياً وتتناسب مع بيئة المكان طبيعياً وجغرافياً من هنا يبدأ البحث عن تكنولوجيا البناء فى دول المشرق العربى ، والبداية فى معاهد بحوث البناء ثم تنتقل النتائج إلى المصانع وتنتهى إلى المستهلك ثم تخضع للمتابعة والتقويم الذى تعود نتائجه إلى البداية فى معاهد بحوث البناء للمراجعة والتجديد ، وذلك حتى لا ترتبط صناعة البناء فى الدول العربية بعربة التكتولوجيا الغربية .
5-5  إن تطويع تكنولوجيا البناء للظروف المحلية إقتصادياً وفنياً وتطبيقياً يتطلب العديد من الدراسات والإجراءات التى تضمن إستعمالها مع الإلتزام بمواصفاتها ومعاييرها الفنية الأمر الذى يتطلب تغييراً جذرياً فى الهياكل التنظيمية والإدارية والفنية لأجهزة التشييد فى القطاعيين العام والخاص ، ومن ثم فى تنظيم وتدريب وتوظيف العمالة اللازمة لهذه الأجهزة بإعتبار صناعة البناء صناعة متحركة تتحرك بتحرك المنشأ نفسه وإعتبارها أيضاً صناعة ثابتة فى الإدراة والتنظيم والتشغيل ، فثبات نوعية الإنتاج فى هذه الصناعة وضخامة حجمه يستلزم ثباتاً فى نوعية وحجم العمالة اللازمة لهذا الإنتاج وهنا تختفى العمالة الموسمية او المؤقتة التى دائماً ما ترتبط بصناعة البناء فى العديد من دول المشرق العربى سواء مع الشركات الكبيرة أو الصغيرة التى تعمل فى عالم البناء والتشييد .
5-6  ويتطلب تطويع تكنولوجيا البناء فى الشرق العربى أيضاً إلى تطوير المناهج التعليمية فى المعاهد والكليات الفنية والهندسية بحيث ترتبط النظريات التخطيطية والمعمارية والإنشائية بالواقع المحلى إقتصادياً وإجتماعياً وبيئياً الأمر الذى يتطلب جهداً كبيراً فى البحث ثم التأليف والنشر حتى تنتقل المعرفة وتستقر النظرية وتستمر وتتخرج الأجيال الفنية والهندسية متشبعة بخصائص ومتطلبات الواقع المحلى ، من هنا يمكن أن تنبت تكنولوجيا البناء التى تناسب الظروف المحلية إقتصادياً وفنياً وتطبيقياً  ومن ثم تتطور صناعة البناء فى نفس الإتجاه ، الأمر الذى سوف يؤثر بالتبعية على مستقبل العمارة المحلية هذا مع المتابعة المستمرة لأحدث ماينتجه الغرب من تكنولوجيا متابعة بحثية وعلمية أكثر منها ملاحقة تطبيقية .

 

 

  1. الإنسان والعمارة :

6-1  هناك علاقة قوية بين الإسكان والعمارة سواء فى أثناء مرحلة التصميم وإبداء الرغبات الشخصية المتغيرة أو أثناء التنفيذ وإبداء الرغبات الشخصية المتغيرة أيضاً فالإنسان العربى فى المتوسط لا يستطيع أن يدرك إلا نسبة قليلة من الأبعاد المعمارية والتصميمات المقدمة إليه من المعمارى إلى درجة أن البعض منهم يحرك قلم المعمارى تبعاً لرغباته أو تصوراته الشخصية إلى الدرجة التى تفقد المعمارى سيطرته على التصميم أو التنفيذ ، وغالباً ما تتضح هذه الظاهرة فى المجتمعات العربية الغنية التى لا يكون فيها عنصر التكاليف عاملاً مؤثراً على التصميم أو التنفيذ والتى يكون فيها الإنسان متشبعاً ببعض المرئيات المعمارية التى تعرض لها فى دول الغرب أو دول الشرق والتى ابهرت وأخذت حيزاً كبيراً من تفكيره وتصوراته حتى وإن تعارضت هذه التصورات مع العوامل المناخية او الإجتماعية المحلية حتى ظهرت أنماطاً غريبة مع العمارة فى غير محلها البيئى أو الإجتماعى كمسكن بنمط العمارة السويسرية على هضبة صخرية فى قلب مدينة الرياض...أو مسكناً على الطراز الرومانى فى ضاحية من ضواحى الكويت أو بإقتياس نمط العمارة المراكشية من الغرب فى العمارة المحلية بالسعودية ، أو أشكال من العمارة الهندية فى بعض مساجد دولة الإمارات وهكذا تظهر أنماطاً متنافرة من العمارة فى مدن الشرق العربى ، وإن دلت هذه الظاهرة على شىء فإنما تدل على ضعف الشخصية الحضارية للإنسان العربى خاصة الذى يتعاطف مع حضارات الغرب أو الشرق أو يقف ضعيفاً أمام إنجازاتها التكنولوجية الأمر الذى لا يؤثر على المناخ المعمارى الذى يعيش فيه بل يؤثر أيضاً على مأكله وملبسه بل وعلى سلوكياته ومعاملاته وهو ماينعكس فى النهاية على مجموعات متنافرة من التصميمات الداخلية فى الوحدات السكنية كما يظهر على تصميماتها الخارجية هذا تعبير واضح فى غياب الشخصية العربية0
6-2  كثيراً ما تؤثر الظروف الإجتماعية للأسرة على النمط المعمارى للوحدة السكنية التى تقطنها خاصة فى الإسكان الشعبى أو الإقتصادى الذى يبنى للإيواء أكثر منه للإقامة وغالباً ما يكون التصميم المعمارى محدد بمساحات معينة توفيراً لأكبر عدد من الوحدات السكنية بأقل تكاليف ممكنة ، هنا يتصرف الإنسان فى مسكنه لمواجهة متطلباته المعيشية المتزايدة ، فإما ان تقفل الشرفات بمواد خفيفة أو تحول بعضها إلى مخازن للمواد الغذائية أو مكاناً لتربية الدواجن... وقد يندفع البعض إلى بناء غرف جديدة بجوار الوحدة السكنية اذا كانت فى الدور الارضى أو أمامه أعمدة  لغرف جديدة تضاف للوحدات السكنية فى الأدوار العليا مع فى ذلك من مخالفات قانونية تنظيمية ومالية ، وهكذا يظهر مجسماً على عمارة الإسكان العام الإنفجار السكانى العام ، وفى حالات أخرى تضيق فيها رقعة البناء وتتحد فيها حقوق الإنسان فى التصرف فى الوحدات السكنية التى يبنيها بالبيع أو التأجير يضطر إلى إضافة أدوار عليا إما بأسلوب معمارى وإنشائى مناسب وذلك فى المستويات العليا من الإسكان أو بمواد خفيفة ورخيصة فى المستويات الدنيا من الإسكان وهذه الظاهرة تضيف على أسطح المدينة مدينة أخرى من الإسكان العشوائى يطمس الملامح المعمارية القديمة بما فيها من قيم فنية أو تشكيلية وهذه صورة أخرى مجسمة للإنفجار السكانى إلى اعلى العمارة الحالية .
6-3  يضطر الإنسان تحت ضغط الحاجة إلى التصرف بعيداً عن المحددات القانونية أو التشريعية فيقيم مسكنه حيث لا تخطيط أو مرافق مستعملاً ما تحت يديه من مواد وطرق للإنشاء أو ما فى قدرته من مدخرات أو مساهمة شخصية وذلك فى المستوطنات العشوائية التى تبنى خارج المدن سواء حول القاهرة بمصر أو حول مدينة جدة بالسعودية او بغداد فى العراق أو الخرطوم بالسودان والعمارة العشوائية هنا تعبر تعبيراً صادقاً عن متطلبات الانسان فى البيئة التى يقيم فيها كما تعبر تعبيرا صادقا على مستواه الثقافى والحضارى فالعمارة العشوائية هنا هى عمارة عضوية وان تعارضت مع أسس التخطيط والتصميم ، هى تعبير عن الوظيفة فى العمارة أكثر مما تعبر عنه عمارة الإسكان العام فى بعض الدول العربية الذى لا يلبث أن يتحول إلى أطلال معمارية هنا يمكن ان تكون العمارة بدون معماريين إذا ما اتقن بناؤها وحسن إستعمالها اكثر صدقاً من عمارة المعماريين .
6-4  تعبر العمارة الريفية فى كافة قرى المشرق العربى تعبيراً صادقاً عن المتطلبات المعيشية والبيئية للإنسان البسيط ، تنبع مادة البناء من الأرض من المواد المحلية بعد تشكيلها بالوسائل البسيطة السائدة والعمارة الريفية أكثر تعبيراً عن الجوانب الحضارية للإنسان ، وإذا كانت هذه الجوانب الحضارية فى العمارة تنقل فى العديد من المناطق الريفية فى المشرق العربى مثل ما فى قرى الدلتا النيل أو دلتا دجلة والفرات بالعراق إلا انها ترتفع فى مناطق عن مناطق اخرى عديدة كما كانت عليه قرى النوبة القديمة على حدود مصر الجنوبية أو ماهى عليه فى قرى اليمن الجبلية ، أو فى المبانى الريفية فى منطقة عسير ونجران فى السعودية حيث تعبر العمارة فى كل هذه المناطق تعبيراً صادقاً عن المتطلبات البيئية والمعيشية للإنسان وكلما بعدت الشقة عن المدينة كلما التزم الإنسان بقيمه الريفية والتزمت العمارة الريفية بالتالى بقيمها المعمارية والانسانية وكلما قربت المسافة من المدينة كلما زاد التأثير الحضرى على العمران الريفى الامر الذى أفقد العمارة الريفية شخصيتها فى العديد من القرى كما تشاهده قرى مصر التى تستقبل العائدين من العمال من الدول النفطية والذين يسعون إلى البناء كل فى قريته بعد ان يتخلص من سكنه الريفى ويشرع فى بناء مستحدث يستمد قيمه المعمارية من القيم المعمارية الضعيفة فى العمارة الحضرية ، هنا يبرز نوع اّخر من العمارة التى تعبر عن الإنسان العربى فى حالة متغيرة فى الفكر والمحتوى الإجتماعى والإقتصادى .
6-5   إن تفاعل الإنسان مع العمارة هو نتيجة لما يتعرض له من ثقافات وتيارات لحضارات خارجية لاتؤثر عن السكن إلا لنتيجة لتأثيرها على الكيان الثقافى والحضارى للإنسان نفسه الأمر الذى أفقده إرتباطه الحضارى المحلى ، ويقل هذا التأثير ويزيد بمدى تعرضه للمؤثرات الخارجية فالإنسان فى مصر أكثر تعرضاً لهذه المؤثرات نظراً لوقوفه عند مفترق الطرق من الحضارات الأوروبية والاّسيوية والأفريقية ويقل هذا التأثير كلما إتجهنا شرقاً حتى العراق حيث لا يزال الإنسان مرتبطاً نسبياً بتراثه الحضارى فى عدد من أوجه الحياة ولذلك كان المعمارى العراقى أقرب إنفعالاً وتفاعلاً مع التراث الحضارى عنه بالنسبة للمعمارى فى مصر أو لبنان هذا فى الوقت الذى يتحدد فيه التأثير الحضارى الأجنبى على المجتمع السعودى لإلتزامه بالقيم الحضارية للدين الإسلامى وإن كان قد تغيرت بعض متطلباته المعيشية فهو لايزال موحداً للزى وثابتاً فى العادات والتقاليد الأمر الذى يضعه فى مقدمة شعوب المشرق العربى تجاوباً مع أى دعوة لتأصيل القيم الحضارية فى العمارة المعاصرة وقد بدأت تظهر اّثار هذه الدعوة على العديد من البنايات فى مدن المنطقة الغربية .
6-6   إن التحولات المعمارية دائماً ما تعكس التحولات الإقتصادية والإجتماعية التى يتعرض لها المجتمع وتتضح هذه الظاهرة فى عمارة مدينة الكويت التى شاهدت تحولات إقتصادية سريعة من نهاية الأربعينات صحبتها تحولات معمارية من الأنماط التقليدية إلى الأنماط التشكيلية المفتعلة ثم شاهدت فى الستينات تحولات إجتماعية وثقافية صحبتها تحولات معمارية من الأنماط المفتعلة إلى أنماط معمارية لها طابع تاريخى سواء أكانت مرتبطة بالتراث الإسلامى أو اى تراث تاريخى اّخر يعبر عن محاولة الإنسان فى الإلتصاق بالحضارات القديمة ..وهكذا تعبر العمارة عن التطلعات الثقافية للإنسان فى مراحل تطورها .

 

 

 

 

 

 

 

 

تاثيـرات البيئـة فى الحضـارة المصريـة القديمـة

تأثيـر النيــل : -
    على الرغم من غلبة البيئة الصحراوية على المنطقة إلا إن وجود النيل أدى إلى تخفيف الجفاف المناخى...كما أعطى منطقة الوادى طابع الكفاية الإنتاجية.. والإستقرار المرتبط بالزراعة..كما ساعد إمتداد نهر النيل على توجيه توزيع المواقع السكنية وإيجاد وسيلة إرتباط بينها.. وإيجاد الروابط القومية والمصالح المتبادلة وأنتهى أخيراً إلى التبكير بظهور أول وحدة سياسية..وكان لفيضانات النيل دور فى إيجاد اليقظة الجماعية لمواجهتها والإنتفاع بمياهها وتقليل أخطارها وهذا ساعد على الإنصياع لحكم مركزى مستقر يوجه وينسق الجهود..وليس من قبيل المصادفة أن يكون لقب حكام الأقاليم "عج مر" بمعنى القائم على حفر الترع للدلالة على أهمية هذا الأمر لدى الفراعنة وكان للطمى المترسب على جوانب النيل والنباتات البرية دور كبير فى توفير مواد البناء اللازمة لسكنى الناس..
تأثيـر الصحــارى :-
          أدى جفاف ووحشة الصحارى إلى تمركز السكان ومظاهر الحضارة فى وادى النيل ولقد لعبت الصحارى المقفرة دوراً أساسياً فى توفير الحماية الطبيعية لكى تنمو حضارة الوادى حيث قللت من الغزوات الشعوبية الخارجية التى كان يمكن أن تؤثر فى إستقرار الوادى..وهذا أدى إلى توفير الأمن والإستقرار والوحدة الجنسية...ومن ناحية أخرى كان للصحارى دور فى تطور الجانب المادى لحضارة وادى النيل وذلك بما فيها من معادن وحجارة متنوعة الصلابة والألوان والتى كانت المصدر الرئيسى لمواد البناء ، ومستلزمات الأدوات المعدنية والحجرية..وهذا أدى إلى بقاء جانب كبير من اّثار المصريين القدماء حتى يومنا هذا لما لهذه المواد من ميزة البقاء ، علاوة على ذلك أدى جفاف رمال الصحارى إلى حفظ رفات الموتى ومقتنياتهم ورسومات المقابر سليمة.. وهذا ساعد على تقوية فكر الخلود لدى المصريين القدماء.
تأثيـر المنــاخ :-
          أدى الإستقرار المناخى وعدم وجود الكوارث الطبيعية والتقلبات المناخية العنيفة وتلاشى دواعى الرهبة والخوف من التقلبات الجوية والبيئية إلى غياب ماقد يطبع المصريين القدماء بظاهرة العنف او التمرد أو القلق أو التقلب.. وصبغ عقائدهم بغلبة الخير على الشر والرحمة على الضعف والنقمة ( وذلك على العكس من الحضارة اليونانية والرومانية مثلاً )..كما صبغ حضاراتهم بمظاهر الإتصال والإستقرار ..وصبغ حياتهم السياسية بالهدوء والإستمرار.. وأعطى الشعور بكفاية الموارد وأمنة الاستقرار دون الحاجة إلى مد خارجى.. وساعد الإستقرار البيئى والمناخى على صبغ الإنتاج الفنى والمعمارى بميزة بساطة الخطوط وإستقامتها ووضوح التعبير وتمييز الطابع..وكان للجفاف المناخى لمنطقة الصعيد دور كبير فى حفظ اّثار الفراعنة وذلك على العكس من منطقة الدلتا التى كانت تتعرض إلى مياه الفيضان مع إرتفاع فى منسوب مياه الرشح والرطوبة والامطار.
تأثيـر الموقــع :-
          أدى موقع مصر فى منطقة تتمتع بثروات طبيعية من زراعة ومياه فى الوادى ومناجم ومحاجر فى الصحارى إلى توفير مستلزمات الغنى المادى وذلك مما أعطى الفرصة للحضارة المصرية لكى تزدهر وتنمو بمعدلات أسرع من المناطق التى حولها.. وكان لأهمية موقع مصر بين دول العالم القديم وموقعها على البحرين الابيض والأحمر ثم الرخاء الزراعى فى منطقة صحراوية محيطة قليلة الموارد والمياه دور كبير فى إيجاد اليقظة القومية المحلية لدى المصريين القدماء للمحافظة على مكاسبهم وممتلكاتهم وحضاراتهم من أطماع الشعوب المحيطة وهذا مما انعكس إيجابياً على قيام حركة تعمير للمدن وتحصين لمناطق المواجهة مع المحافظة على الطابع والإستمرارية الحضارية المصرية حتى فى اوقات ضعفها وإضمحلالها ، كما أنعكس هذا سلبياً على تعرض مصر فى أزمان ضعفها إلى غزورات شعوبية لإحتلالها والإستفادة من ثرواتها وبالطبع فكان لهذا الامر تأثيره المؤقت على الطابع الحضارى والمستوى العمارنى فى المناطق التى تتعرض للإحتلال إلا أنه أنتهى أخيراً فى زمن شيخوخة الحضارة المصرية القديمة إلى إنهيارها تحت نير الإحتلال الأجنبى الذى عم المنطقة .

 

 

 

 

 

 

 

 

 


  1. المرجع : د. عبد العزيز صالح : الشرق الأدنى القديم – الجزء الاول – الطبعة الثالثة سنة 1979

عوامل الإستمرارية الحضارية فى مصر القديمة

الديـن والعقيـدة ونظـام الحكـم :-

  1.  قام الدين والعقيدة بالدور الرئيسى فى المحافظة على الإستمرارية الحضارية فى مصر القديمة خصوصاً فى فترات ضعف الأمة ووقوعها تحت نير الإحتلال ، وفى هذا الزمن كان يجمع الناس الإيمان بفكر واحد وبذلك حافظ هذا الفكر على الشخصية المصرية من الضياع ، فإذا وضعنا فى الإعتبار أن أصول العلوم فى مصر القديمة من عمارة ورياضة وتحنيط وطب...إلخ ، كانت لها جذورها الدينية كما كانت حكراً على كهنة المعابد وسدنتها ومحفوظة فى كنوزها لوجدنا ما كان للعقيدة من دور رئيسى فى المحافظة على الإستمرارية الحضارية لمصر الفرعونية خصوصاً إذا وضعنا موضع الإعتبار أن مدينة طيبة فى جنوب الصعيد وهى المعقل الدينى الرئيسى لمصر الفرعونية كانت دائماً محفوظة بعيداً عن متناول الغزاة أو القلاقل التى عصفت أحياناً بمصر الفرعونية ولم تسقط إلا فى اّخر زمان حضارة مصر القديمة عندما أفل نجمها .
  2. كانت المعابد المصرية القديمة تتمتع بثراء عريض حيث أوقفت لها الأراضى الزراعية وخراج مدن وقرى بأكملها ، وبالطبع فكان هذا الثراء العريض يتمتع به كهنة هذه المعابد ويمثل لهم مورداً لترف المعيشة ورخائها..وبالتالى فقد كان من مصلحة الكهنة أن يدوم هذا الثراء وحيث أنهم كانوا يحكمون بإسم الألهة تعبد وطقوس تقام ، فقد كان الخط المحافظ بل والتشدد أحياناً يمثل بالنسبة لهم الوسيلة الفعالة لضمان الثراء وحيث أن كافة العلوم والفنون والعمارة ...إلخ كانت مرتبطة بالمعابد فبالتالى فلم تتح الفرصة لأى إتجاهات تقدمية وتحررية أو متطورة بأن تأخذ دورها ولم يسمح لرياح التغيير بأن تؤثر بشكل أساسى على الأصول الحضارية لمصر القديمة وهذا ينعكس أيضاً على العمارة والفنون بأنواعها المختلفة .
  3. قام نظام الحكم فى مصر الفرعونية على الإرادة الالهية حيث نسب فراعنة مصر بنوتهم إلى الألهة كأمون ورع.. وحيث أن الألهة قديمة وثابتة لا تتغير فإن هذا بالتالى أضفى صور وأشكال على هذه الألهة اخذت القوالب الثابتة والتى لا تتعرض إلى التغيير والتبديل..علاوة على ذلك فحيث ان الفرعون أبن الاله فإن ذلك أضفى على الفرعون صفة خاصة ترفعه عن مصاف البشر وهذا بالتالى أضفى نمطاً فنياً سواء فى النحت أو التصوير والنقش يظهر الفراعنة فى مقاسات أكبر من سائر البشر ، وكذلك فى أوضاع لها إحترامها ووقارها وقدسيتها بحيث لا يظهر كما يظهر الإنسان العادى ، وهذا ما ساعد على إعطاء العمارة والنحت والفن الفرعونى صفة وحدة الطابع والتعبير وضمن له صفة الإستمرارية فى الاشكال والقوالب ولم يجعله عرضة للتغييير والتبديل .
  4. إعتمد الحكم فى مصر الفرعونية فى أغلب أزمانه وخصوصاً فى فترات الإزدهار الحضارى على نظام حكم مركزى قوى تقع مقاليده فى يد فرعون وكهنة المعابد ، وبالطبع فوجود نظام مركزى قوى يوجه كافة أوجه الحياة وأنشطتها وفنونها وعمارتها كان له بدون شك دور كبير فى إيجاد وحدة فى النمط والقالب وأسلوب التعبير للحضارة الفرعونية خصوصاً إذا أضفنا فى الأعتبار أن فلسفة الحكم كانت ترتبط بشكل رئيسى بالخط المحافظ المتشدد هذا الخط الذى كان يمثل واحداً من أفضل الأساليب لضمان إستقرار الحكم والمحافظة على مكاسب القائمين عليه .
  5. كان يحكم مصر الفرعونية فكر البعث بعد الموت فى الحياة والخلود فى الحياة الاّخرة ، وهذا ماوجه الحركة العمرانية لخدمة هذه الحياة الخالدة حيث أقيمت الصروح الضخمة من معابد وشيدت المقابر وتم تسجيل كافة الأحداث التى جرت فى العصر وكذلك أساليب الحياة اليومية والمعاملات ووسائل اللهو والترفيه والحرف والمساكن والخدم وكل ما يمس حياة الإنسان ومماته وذلك بغية أن ينتفع بها الإنسان فى حياته الاخرى ..وكان لأعمال التسجيل هذه دور كبير فى حماية المفردات الحضارية من الضياع والزوال حتى فى ازمان ضعف الدولة وجعلها فى متناول يد الأجيال التى تلتها ، وبالتالى ساعدت على إيجاد الإستمرارية الحضارية لمصر الفرعونية .

البيئـة الـزراعيــة :
              قامت حضارة مصر القديمة على نهر النيل والزراعة وعرف المصرى القديم إن وجوده مرتبط بالزرع والماء فقد وقع الزرع والماء فى نفس المصرى القديم موقع التقديس والتأليه ..وحينما بنى المصرى القديم بيئته ومعبده ومقبرته نقل إليهم عناصر الحياة الأساسية وبالتالى فقد حاكى فى تشكيلاته المعمارية كالأعمدة والكرانيش والعناصر الزخرفية هذه العناصر النباتية ، خصوصاً وإن بدء أعمال العمران قد اعتمد على جذوع النخيل وأفرع وسيقان النباتات فى تشكيل الحوائط والأعمدة والدعامات وحين بنى المصرى القديم بالطين فإنه استعمله مع الأفرع والنباتات وهى التى اّثرت بشكل كبير فى تشكيل العناصر المعمارية...وتشرب المصرى القديم هذه المفردات النباتية المعمارية أما بسبب إرتباطه الوجدانى بالطبيعة الحية وإما بسبب إرتباطه بما درج عليه من البناء بالمواد المحلية حتى أنه عندما بدأ البناء بالحجر فإنه حاكى هذه العناصر النباتية وحافظ عليها وأصبحت سمة مميزة فى العمارة المصرية القديمة حافظ عليها المصرى القديم وأرتبط بها ما دام إرتباط حياته بالنيل والزراعة 0
التقنيــــة :-
             مضت حقبة زمنية طويلة لم تشهد تطورات جذرية فى فنون وتقنية البناء..سواء كان البناء بالحجر أو بالطين وبالتالى فقد ساعد ثبات وفنون وتقنية البناء على عدم احداث نقلات أو طفرات وبالتالى فلم يتعرض أساليب البناء على إمتداد العصور إلى أى تغيير أو تعديل جذرى  ولكن وجهت خبرات العمل على مر العصور نحو تحسين الجودة وحسن الأداء وبالتالى فقد ساعد ذلك على إستمرارية الخط المعمارى والفنى للحضارة المصرية القديمة .
الـريادة الحضارية :-
             سبقت حضارة وادى النيل غيرها من الحضارات فى العالم القديم بحيث وصلت إلى درجة النضوج فى هذا الوقت الذى كانت الحضارات والشعوب المجاورة مازالت فى مرحلة فجر التاريخ ، وهذا أعطى قوة دافعة للإستمرارية الحضارية سواء من منطلق إحساس المصرى القديم بالذاتية والريادة الحضارية مما دفعه من ناحية على المحافظة على طابعه وتراثه الحضارى ، ومن ناحية أخرى لم يجعله فى موقف المتأثر بحضارات الغير التى كانت تقل عن حضارته الكثير وحتى عندما تعرضت مصر إلى الغزوات الشعوبية فى مراحل ضعفها العسكرى ، فإن قوة حضاراتها المادية والفكرية جعلت الغزاة غير قادرين على إحداث التغيير الحضارى فى مصر القديمة بل وجعلتهم وهم القادرين عسكرياً يتأثرون بالحضارة المصرية القديمة بمكوناتها الوجدانية والمادية ويتطبعون بها وينتسبون إليها..وذلك مما حافظ على الإستمراية الحضارية لمصر القديمة حتى وهى فى فترات ضعفها العسكرى .

 

 

 

 

 

 

 

تقسيمـات عصـور مصـر الفرعونيـة وأبـرز
معالــم حضـــارتهـــا
         

  1. دهـور ماقبل التاريـخ أو عصـر فجـر التاريـخ :

ويشمل العصر الحجرى القديم والحديث وعصر ماقبل الأسرات وتنتهى هذه الفترة فى اّواخر عام 4000 ق م ... وقد أمتد هذا العصر إلى مايزيد عن 20 قرناً من الزمان ، وبالطبع فإن اّثار وتطورات هذا العصر بسيطة إذا ماقورنت بما تلاها فى الأزمان الأخرى بحضارة مصر القديمة ، وشهد هذا العصر بداية تعامل المصرى القديم مع الطبيعة من أجل إستغلال الأرض فى منطقة وادى النيل ...وقد تنوعت حرف ذلك العصر حيث جمع بين الزراعة وتربية الحيوان والصيد وصقل الأدوات الحجرية وصناعة الفخار وصناعة الحصير والسلال وغزل الكتان..
ومن أبرز اّثار هذا العصر قطع حجرية لأنصال الأسهم والحراب وقطع المراحى والأوانى الطينية والفخارية والحجرية والسلال النباتية ومصنوعات نحاسية بسيطة ونقوش ورسوم وتماثيل صغيرة وتمائم..وفى هذا العصر لم تظهر أن اّثار الكتابة التى لم تكن قد أخترعت بعد ، وبذلك فلم يتم تسجيل تاريخ هذه الفترة .
ولعل من أبرز ماوصل من اّثار مبانى هذا العصر إطلال بعض المساكن والمقابر ، ففى مرمدة بنى سلامة تنوعت أشكال المساكن ومواد البناء حيث كان يبنى المسكن من جواليص الطين على شكل بيضاوى القاعدة وتنخفض أرضية المسكن عن الخارج بقيمة ربع إرتفاع المسكن وذلك لتثبيت جدران المسكن وحمايته من الرياح وكان يوجد بالمسكن سواء داخلها أو خارجها مطامير (مخازن) للغلال والحبوب أما الصنف الآخر فكان يشيد على شكل بيضاوى أيضاً من البوص قرب المزارع وهو يشبه الخص الذى يبنيه حتى الآن الفلاحين فى الأرض الزراعية وتدل اّثار المساكن الطينية على انها قد التزمت صفين شبه مستقيمين يفصل بينهما طريق ضيق وهو أقدم تخطيط عرف للقرى المصرية حتى الآن وأقدم دليل على نشأة نوع من التفاهم الإجتماعى ووجود سلطة وضعت التنظيم وقامت على تنفيذه .
أما فى الفيوم فقد لوحظ أن موقع المساكن لم تظهر فيه مخازن للحبوب والغلال ولكن وضعت هذه المخازن فى مكان مجمع بموقع مرتفع مستقل عن منطقة المساكن..ويستدل من ذلك على شيوع الملكية الزراعية ومحاصيلها بين مجموع السكان وكذلك شيوع عوامل الأمن والأستقرار ..وهذا بدوره يعبر أيضاً عن وجود نمط و نظام للتفاهم الإجتماعى وسلطة وضعت النظام وقامت على تنفيذه .
أما فى نقادة فقد وجد نموذج مصغر لمسكن يظن أن بعديه الحقيقيين 8×5,70 م ، وكانت حوائطه مائلة الجوانب تتسع عن قاعدتها وذلك لأغراض إنشائية وقد بنى المسكن من الطين ويتوسط الحائط مدخل ضيق صنع جوانبه وعتبة من الخشب وله شراعة علوية للإنارة ويوجد فوق الباب إسطوانة من الخشب  ملفوف فوقها حصيرة تعمل عند جذبها لأسفل بمثابة ستر المسكن عن الخارج ، ويوجد بالحائط الخلفى نافذتان صغيرتان بحلق من الخشب والمسكن مصمم على حوش داخلى حوله حجرات وكان سقف المسكن مسطح وتكاد تكون أنماط هذه المساكن هى النمط الشائع على طول إمتداد تاريخ مصر القديمة .
وتدل اّثار المقابر فى هذا الزمان على إهتمام المصرى القديم منذ قديم الأزل بفكرة الخلود والبعث ، حيث وضعت قرابين وحبوب وتمائم وتماثيل وأدوات وأوانى فى المقابر التى تطورت من مجرد حفرة صغيرة فى باطن الأرض إلى مقبرة مكونة من حجرة أو أثنين أو ثلاث تحت الأرض وكانت حفرة المقبرة أحياناً تكسى من الداخل بالطين أو بألواح خشبية أو البوص .

  1. عصـر بدايـة الأسـرات :

يسمى أيضاً بالعصر العتيق أو عصر بداية العصور التاريخية وبدأ منذ أواخر عام 4000 ق.م ويمتد حتى عام 2780 ق.م ويتصف هذا العصر ببدء ظهور تباشير ومحاولات الكتابة وبدء تسجيل التاريخ والأحداث والتى أثمرت هذه المحاولات عام 3200 ق.م عن مقدرة المصرى القديم فى التعبير بالكتابة عن الأحداث  وكذلك فى مقدرته فى التعبير بالرموز عن العمليات الحسابية وهذا أفضى بالطبع إلى تيسير تسجيل الأحداث ونقل المعرفة من جيل إلى جيل ، كما يساعد على تنظيم الأعمال وحفظ المعاملات وتصميم المشروعات المعمارية .
ويتصف هذا العصر أيضاً بوحدة مصر وظهور الدولة وإيجاد كيان للحكم وتنظيم الإدارة ، كما يتصف هذا العصر أيضاً بظهور التجانس الحضارى الذى ساعد على إمكانية قيام كيان دولة فى ذلك الزمن وبدأ ظهور مسميات حاكمة لها مدلولها الإجتماعى والإقتصادى فظهر لفظ "فرعون" وأصل الكلمة
 "برعو"  بمعنى البيت العالى أو القصر العظيم أى قصر الحكم المركزى الرئيسى فى الدولة ثم امتد مدلول الكلمة لكى يطلق على القصر وساكن القصر ، كما ظهر لفظ " عج مر " الذى تلقب به حكام الأقاليم وكان يعنى هذا اللفظ معنى القائم على حفر الترع وذلك يؤكد على أن الحكام من قبل فرعون كان أهم مايكلفون به الأشراف على شئون الرى والزراعة ..وكذلك ظهر لقب " تبى خرنيو " أى الأول لدى الملك أو الأول بعد الملك وهذا فى حد ذاته يعبر عن وجود نظام حاكم تتدرج فيه المناصب .
وظهر فى هذا العصر ثلاث مدن كبيرة أشهرها مدينة أنبى حج ( والتى سميت بعد ذلك بقرون بمدينة منف ) ويعنى إسم إنبى حج الجدار الأبيض أو الحصن الأبيض أو السور الأبيض ومنه نستدل على أن المدينة كانت محاطة بسور من الحجر لحمايتها والتحكم فى حركة الدخول والخروج منها ، وقد اختير موقع المدينة عند إلتقاء الصعيد بالدلتا وذلك لأحكام الرقابة والأشراف على الوجه البحرى خصوصاً وإن الدولة حديثة العهد بالوحدة .
وقد إتخذت مدينة " أنبى حج " دورها كمقر للحكم والإدارة وكذلك كمقر للزعامة فى مجالات الفكر والدين سجل ذلك على لوحة بأسم شاباكا ليتضمن النص مذهب مفكرى منف فى نشأة الوجود يصطبغ بالمعنوية أكثر مما يصطبغ بالمادية وردوا فيه خلق الوجود وما أحتواه إلى قدرة عاقلة مدبرة آّمره ..وإن مزجوا هذا الفكر الفطرى السليم بأفكار أخرى وثنية .
وقد حفلت مدن ذلك العصر بالعمران...وبنيت فيها القصور والمساكن فى صفوف متنظمة على شوارع مستقيمة ومتعامدة ، وأحيطت المدن غالباً بالأسوار ولعل أقوى برهان على ذلك الرمز المعبر عن المدينة فى الكتابة الهيروغليفية حيث صورت المدينة على أنها دائرة فى وسطها شارعين متقاطعين عموديين وقد سجلت النقوش والرسومات واجهات قصور الملوك والعظماء والتى كانت تتصف بالفخامة ، ويمكن أيضاً من مشاهدة فخامة المقابر أن نستدل على فخامة القصور التى لم يتبقى منها للأسف شىء ويلاحظ أن مداخل القصور كانت تتكون من ثلاثة أبواب باب كبير ملكى ومدخلان صغيران واحد على اليمين والآخر على اليسار ، وكانت القصور تبنى من الطوب اللبن وتدعم أركانها وأكتاف وأعتاب الفتحات بالحجارة ، كما يبدو أن حوائطها كانت تكسى بالحصير الملون الذى يقوم مقام الستائر فى زمننا هذا  وكان يوجد بالقصر حدائق وأحواض ماء داخلية ولا يقتصر هذا الوصف على مساكن هذا العصر ولكن يمتد لكى ينطبق على اغلب المبانى الدنيوية فى مصر الفرعونية كلها .
ويبرر إستخدام الطوب اللبن فى بناء المساكن سواء للأغنياء أو الفقراء توفره كمادة بالطبيعة سهل الحصول عليها وسهلة التشكيل ولا تحتاج لأدوات خاصة للقطع والتشكيل كما أنها توفر العزل الحرارى المناسب ، ويمكن أيضاً أن نجد مبرر عقائدى اّخر مرتبط بالفكر الدينى حيث أن الدنيا " فناء " ولذلك لم يهتم المصرى القديم بعمارة الدنيا ، ولكن إهتم بعمارة الحياة الأخرى الأبدية والتى تجلت عظمتها فى العمارة الدينية والجنائزية والتى نحتت فى الجبال أو بنيت بالحجر .
ومن أبرز مواقع العمارة الجنائزية لهذا العصر مقابر سقارة وأبيدوس وقد اخذت فى سقارة فى أول الأمر صورة حجرة الدفن تحت سطح الأرض منحوتة فى باطن الصخر ، ثم بدأ فيما بعد يعلو حجرة الدفن مصطبة ، ثم زاد الأمر بحيث أصبحت المصطبة الوحدة الواحدة تدرج بحيث تحتوى على ثلاثة درجات وذلك ماسيتطور فيما بعد لكى يصبح أساساً لفكرة الهرم المدرج فى العصور اللاحقة .

  1. عصـر الدولـة القديمـة :

يبدأ فى اوائل القرن 28 ق.م بالأسرة الحاكمة الثالثة ويمتد حتى بعد نهاية الأسرة السادسة فى اّواخر القرن الثالث والعشرين ق.م. ويتصف هذا العصر بالإستقرار السياسى النسبى ومركزية الحكم، كما تميزت مظاهر الحضارة فيه بالنمو الداخلى المرتبط بالعمارة والفنون والعقائد الأخروية والتنظيمات الإدارية ، ولم يؤثر فى كافة المظاهر الحضارية هذه أى مؤثرات خارجية ، ومن أبرز اّثار هذه العصور مقابرها الفخمة وأهرامها الرائعة التى انتشرت حول عاصمتها منف وفيما يمتد بين الجيزة إلى ميدوم .
وقد شهد هذا العصر بدء إستخدام الحجر على نطاق واسع فى العمارة ولعل أول بناء يرتفع على سطح الأرض مبنى بالحجارة هو هرم زوسر بسقارة الذى بنى فوق مقبرته وقد بنى الهرم متوسطاً مجموعة معمارية كبيرة من ست عمائر دنيوية ودينية تبلغ مساحتها 251 الف م2 ، ويلاحظ أن تصميم مجموعة زوسر جاء على نمط العمارة النباتية واللبنية التى درج عليها السلف وذلك على الرغم من إستعمال الحجارة فى البناء ، ولايقتصر هذا الوصف على مجموعة زوسر فقط ولكن يمتد لكى ينطبق على أغلب المبانى الدينية فى مصر الفرعونية بحيث أصبح طابعاً مميزاً لها وكان الشكل الهرمى ثمرة اخيرة للتطور المعمارى الطويل الذى بدأ مع عصر بداية الأسرات بالمصطبة المائلة الجوانب ذات المسطح الواحد ، ثم إنتقل منها إلى المصطبة ذات المسطحين أى ذات الإضافة الواحدة المحيطة بها والمصطبة ذات المسطحات الثلاثة أى ذات الاضافتين الحيطتين بها ثم تطور فى عصر الاسرة الثالثة إلى هرم زوسر المدرج وبعده إلى هرم ميدوم  الذى حاول مهندسوه أن يجعلوه كاملاً مستوياً فى مظهره مدرجاً فى مخبره ، وارتقى فى بداية عصر الأسرة الرابعة إلى هرم دهشور الجنوبى ذو الميلين الذى أظهر نواحى الخطأ والصواب فى التجارب المعمارية لمنشئيه ، وأنتهى أخيراً الى هرم دهشور الشمالى الذى نجح مهندسوه فى تنفيذ هيئته الهرمية الكاملة وأخيراً ظهر لنا مجموعة أهرامات الجيزة، هرم خوفو وهرم خفرع وهرم منقرع والذى وصل فيه تطور بناء الأهرامات إلى ذروته وقمة كماله ، وليس مايمنع إفتراض أن أصحاب هذا التطور الهرمى قد إسترشدوا فى بعض مراحله بنموذج طبيعى مائل فى البيئة وهو مظهر التلال الرملية الهرمية أو المخروطية التى تحف بالوادى .
ولعل من معانى الضخامة والدقة الهندسية والبراعة الفائقة التى أمتاز بها الهرم الأكبر أكثر من معنى ومدلول ، فمن الناحية السياسية ينم عن وجود نظام حكم مركزى قوى كان يسمح للفرعون بتصرف واسع فى إمكانيات البلاد المادية والبشرية ، ومن الناحية المعمارية تشهد لمهندس أو لمهندسى الهرم بدراية وتقدم كبير فى علوم الرياضيات والفلك والهندسة وفنون البناء كما تشهد من الناحية العملية والحرفية للصناع الفنيين بمهارة كبيرة فى نحت الأحجار الضخمة وتسويتها وتثبيتها ، ومن الناحية البشرية تشهد لاّلاف العمال العاديين الذن أشتركوا فى بناء الهرم بجلد شديد وقوة تحمل تمثل فى قطع ونقل ورفع الحجارة إلى مواقعها من البناء ، ومن الناحية الإدارية والتنظيمية تشهد لرجال الإدارة المشرفين على تنظيم العمل بقدر كبير من المقدرة على رسم خطط تجميع وتنظيم وتوجيه العمال وتوفير الموارد الغذائية لهم وسبل المعيشة والإقامة وكذلك توزيعهم على فرق عمل بما يتناسب مع مصلحة العمل والتطور فيه .
وقد شهد هذا العصر إستكمال وتطور نظام الدولة ، حيث ظهر فى أواخر الأسرة الرابعة وأوائل الأسرة الخامسة منصب الوزير ، كما بدأ أفراد من رجال الشعب فى تولى مناصب إدارية بالدولة  وأستمر ذلك فى الأسرة السادسة حيث أخذ مجالاً أوسع ، وقد شهدت هذه الفترة تنمية العلاقات التجارية الخارجية خصوصاً مع بلاد بونت ( الصومال ) وسواحل فينيقيا بالجبيل ( لبنان ) وذلك لإستحضار المواد التى لا تتوفر فى ارض مصر مثل الأخشاب اللازمة .

  1. عصـر اللامركزيـة الأولـى :

 ويبدأ من اّواخر القرن 23 ق.م. إلى أواسط القرن 21 ق.م. وذلك من أعقاب نهاية عصر الاسرة السادسة حتى نهاية عصر الأسرة العاشرة ، وكان هذا العصر عصر إنتقال من وحدة ومركزية الحكم إلى تفرق جهات الحكم حيث قويت شوكة حكام الأقاليم فى الوقت الذى ضعفت فيه قوة الحكومة أو السلطة المركزية ، وبهذا انتقل حال العصر من الإستقرار إلى القلق ومن ضخامة وثراء إمكانيات الدولة إلى ضعفها وقلتها ، ونمت فى هذا الوقت روح الفردية وانتعش حال الطبقة المتوسطة وظهرت خلال هذا العصر مبادىء سياسية وعقائد دينية متحررة..ونتج عن ذلك ثورة طبقية أتصفت بالعنف ورغبة التنفيث والإنتقام حيث نهبت الأملاك والمزارع ومقابر العظماء ، وقد ساد هذا العصر غموض حيث قلت الآثار التى تسجل الأحداث وأستقل حكام الأقاليم بولاياتهم وكون كل منهم  جيشه الخاص وجعل وراثة الحكم فى نسله ، وفى هذه الفترة قويت شوكة حكام أهناسيا فى مصر الوسطى وامتد تأثير سلطانهم إلى منف ذاتها  ، كما ظهرت قوة محلية لحكام طيبة بالجنوب ، وجرت منازعات على الحكم والسلطة بين كل من الحاكمين ، وفى ظل الخلافات الداخلية ظهر تأثير البدو الأموريين فى أرض الدلتا حيث حاولوا  إقامة دولة لهم بها وأتخذوا أسماء وألقاب فرعونية ولكن لم يكتب لهم النجاح .
وقد إنعكس حال عدم الإستقرار والإنقسام والفرقة على مظاهر الحضارة المعمارية والفنية..حيث أضيرت المعابد والمقابر القائمة ، وكذلك ضعفت وحدة الفن القديمة وأصبح الفن يخدم الأقاليم أكثر مما يخدم العاصمة .. وظل أهله تنقصهم المهارة الفنية وروح الإبداع ، وأنعكس ضعف الدولة وعدم الإستقرار والإضرابات على عدم ظهور روائع للفن المعمارى لهذا العصر .
ومن الجدير بالذكر أنه ورد فى المخطوطات ذكر أول إستراتيجية لتعمير مناطق المواجهة مع الأعداء بمدن أختير موقعها على الحواف الشمالية لوادى النيل فى المناطق المهددة وتم تعميرها بخير الرجال يسكنونها ويزرعون ماحولها ويتحصنون بها عند الشدة ويصدون عنها غارات أهل البادية ، وقد ذكر فى مخطوطات عن خيتى  الثالث ملك أهناسيا فى هذا المجال النصوص التالية :
" لا تتهيب العدو فهو لايغير إلا على المواطن المنعزل ولايجرؤ على مهاجمة مدينة عامرة بالسكان " وذكر ايضاً " أقم الحصون فى كل المناطق الشمالية ، ولاحظ أن سمعة الرجل فيما يفعله ليست بالشىء الهين  والبلد العامرة بالسكان لن يمسها سوء ، فابن مدنا "

  1. عصـر الدولـة الوسطـى :

ويمتد هذا العصر على فترتين الأولى من أواسط القرن 21 ق.م. إلى أواخر القرن 19 ق.م. وذلك إبتداء من عصر الأسرة الحادية عشرة حتى نهاية عصر الأسرة الثانية عشرة ، وقد تميز هذا العصر بإستعادة مركزية الحكم ووحدة السياسة فى الداخل والخارج ، وذلك مع الإبقاء على إزدهار الفردية الذى ظهر كنتيجة لعصر اللامركزية الأولى ، وأتسعت مجالات التأثير والتأثر المتبادل بين مصر وجيرانها فى الشرق الأدنى وجزر البحر الأبيض المتوسط ، وحدث إزدهار أدبى وفنى فى اللغة المصرية واّدابها خصوصاً فى المراحل الأخيرة من هذا العصر .
وقد بدأ من هذا العصر بزوغ نجم طيبة كعاصمة ودار للحكم ، وفى ظل الإستقرار والهدوء عاد إستغلال المحاجر والمناجم إلى ماكان عليه وكذلك سيرت الرحلات إلى خارج مصر لإحضار الأخشاب والبخور وشيدت المعابد، وتم تدعيم الخطوط الدفاعية الأمامية للدولة .
ويتميز هذا العصر بإنشاء القصور والمساكن ويلاحظ أن قصور هذا العصر كانت تشمل المساكن ومكاتب ومصانع وحظائر ومخازن وسكن للعاملين من موظفين وتباع وصناع .
وفى الفترة الثانية من هذا العصر الذى يمتد من اّواخر القرن 19 ق.م. إلى اّواخر القرن 17 ق.م. وفى هذا العصر نقلت العاصمة ومقر الحكم إلى شمالى الفيوم وأن إحتفظت طيبة بمركزها كعاصمة دينية ، وقد شيد فى هذه الفترة هرم اللاهون الذى إرتبط به مدينة اللاهون التى بقيت إطلالها إلى اليوم وهى مدينة العمال والمهندسين والفنانين الذن ساهموا فى إنشاء الهرم ، كما كان يوجد بالمدينة إستراحة ملكية للفرعون حيث يتردد على منطقة هرمه ، وقد احيطت المدينة بأسوار وقسمت داخليا للخاصة وهى لصغار العمال وقد شهد هذا العصر مشروعات للرى وإستصلاح الأراضى كما ساعد الإستقرار الأمنى الداخلى على إزدهار الفنون ، وساعد الإستقرار الأمنى فى العلاقات مع الدول المجاورة وخصوصاً فى بلاد الشام على فتح مجالات التبادل التجارى والحضارى وإن كان لم يسمح للقبال البدوية الفلسطينية والسورية بالدخول إلى منطقة شبه جزيرة سيناء أو وادى النيل .

  1. عصـر اللامركزيـة الثانـية :-

ويسمى هذا العصر أيضاً عصر الإنتقال الثانى ويمتد هذا العصر من اّواخر القرن 17 ق.م. حتى أوائل القرن 16 ق.م وذلك إبتداء من الأسرة الثالثة عشر حتى الاسرة السابعة عشر ويشمل ذلك زمن الهكسوس بمصر، وقد شهد هذا العصر تمزق الدولة من حال الوحدة إلى حال التفكك ومن حال الإستقرار إلى حال القلق ومن حال الحرية وقوة الدولة إلى حال ضعف الدولة وإحتلال الهكسوس لمصر ثم انتهى هذا العصر إلى قوة أمراء طيبة ومقاومتهم للإحتلال وأنتهى ذلك بإجلاء الهكسوس عن البلاد .
ومن الجدير بالذكر أنه لم يحدث على الرغم من إحتلال الهكسوس لشمال مصر فى ذلك الزمن إنقطاع الإستمرارية الحضارية التى تميز الشخصية المصرية وذلك إلى الحد الذى تطابقت معه الروح الفنية لآثار العهود الأخيرة للدولة الوسطى التى سبقت إحتلال الهكسوس مع الروح الفنية لآثار أوائل عهود الدولة الحديثة التى أعقبت طرد الهكسوس من مصر ، وبقدر ما عجز الهكسوس عن إضافة شىء جديد إلى الحياة الفنية ، بقدر ماعجزوا كذلك عن تبديل تقاليد مصر الروحية واللغوية والدينية فظلت كما هى  بل وحدث العكس أن تأثروا هم بها وتطبعوا بها ، فحاول الهكسوس التشبه بالفراعنة وتسموا بأسمائهم  وحاولوا أن يتمصروا ويتخذوا من مصر موطناً وداراً للإقامة الدائمة لدولة محتلة تابعة لهم.. وهذا يعبر عن قوة الحضارة الفرعونية فى مختلف أوجهها ومجالاتها ومقدرتها على التأثير فى الغير وفى حضارات ذلك الزمان، وبوجه عام فإن هذا العصر بما فيه من عدم إستقرار وعلى الأخص فترة حكم الهكسوس لم يترك فى مجمله أثراً ذا بال فى تطوير فنون النحت والنقش والهندسة وخصوصاً مع تدمير عاصمة الهكسوس فى الشمال .

  1. عصـور الدولـة الحديثـة :-

ويمتد هذا العصر من منتصف القرن 15 ق.م. وحتى القرن 10 ق.م من الأسرة 18 إلى الأسرة 21 ، وقد تميز هذا العصر بعودة الإستقرار والإستقلال ومركزية الحكم وتميز ببلوغ الذروة فى الرخاء العام وفى الفنون والرقى الفكرى  وظهور المذاهب الدينية التى تحوى ضمنياً أفكار التوحيد كما تميز هذا العصر بالإنطلاق الواسع فى مجالات السياسة والعلاقات الخارجية .
وفى هذا العصر أقيمت المنشاّت والمعابد الخالدة فى العمارة المصرية القديمة حيث أقيم معبد حتشبسوت ومعبد الرمسيوم ومعابد أبو سنبل ومعبد أبيدوس ومعبد هابو وتوسعات معبد الكرنك ومعبد الأقصر ، وكلها تعتبر صروح معمارية ضخمة تعبر عن تقدم العصر فى فنون البناء كما تعبر عن قوة نظم الحكم وثراء الفراعنة وكثرة موارد الدولة .
وقد شهد هذا العصر حركة تعمير لإنشاء مدن جديدة وإن تعددت الأسباب ، حيث أنشأ إخناتون 1367 ق.م. مدينته الجديدة فى منطقة تل العمارنة وكان ذلك بسبب رغبته فى ان يعطى عقيدته الدينية الجديدة فرصة النمو والإزدهار بعيداً عن العاصمة القائمة والتى تتركز فيها عبادة أمون وتبرز قوة كهنته فيها .
أما سيتى 1308 ق.م. فقد أنشأ قرية فيما يبدو أنها أول محاولة لتعمير الصحراء وذلك عندما تفقد أحوال الصحراء ومسالك المناجم فيها وكان يظن أنه تتوفر فيها مجار مائية كافية ولما لمس قسوة الحياة هناك أمر بحفر بئر وبناء قرية وإنشاء معبد وزراعة ماحولها وفى ذلك يقول " أجاب الرب دعائى وأفاض الماء من أجلى على الهضاب فى طريق كانت موحشة منذ عهود الأرباب فأصبحت رخاء فى عهدى وأرجو أن تنمو فيها حشائش تفيد الرعاة ولاريب فى أنه إذا نشط الملك سعدت بلاده وقد أوحى الرب إلى أن أشيدها هنا قرية يتوسطها معبد فالبلد الذى يتضمن معبداً بلد مبارك "
كما قام رمسيس الثانى (1290 ق.م ) بإنشاء عاصمة سياسية جديدة فى شمالى البلاد شرقى الدلتا فى موقع قريب من عاصمة الهكسوس القديمة بمصر وكان إختيار هذا الموقع يرتبط بأسباب عسكرية بحتة حيث يتوسط هذا الموقع دولة الزعامة فى مصر والشام ويسمح بوجود إحتياطى عسكرى كبير فيما يمكنها من أن تنجد الحاميات الشمالية فى عصر إشتد فيه خطر الحيثيين وشعوب البحر وذلك فضلاً عما توافر لها من إسترتيجية المناعة الطبيعية للموقع لوقوعها على الفرع الثانى للدلتا وإمكانية وصول السفن إليها وإمكانية إستغلال مياه الفيضان فى حمايتها من ناحية البر ، وحماية ظهرها بمنابع الدلتا الشمالية من ناحية البحر وقد صاحب هذا العصر إزدهار وتقدم فى فنون النحت والنقش والتصوير والتى كانت تصور الأحداث التاريخية من مواقع حربية برية وبحرية وكذلك من أحداث الرحلات التجارية والعلاقات السياسية مع الدول وذلك علاوة على نقوش الحياة العامة بالدولة والأنشطة المختلفة بها علاوة على الرسومات الدينية التى تمثل التعبد إلى الآلهة وتقديم القرابين وغير ذلك مما يرتبط بالفنون المصرية القديمة ، ويلاحظ أن الخط الأساسى فى الفن الفرعونى يعتبر إستمرارية للمدرسة التى تعطى نمطاً مميزاً للحضارة المصرية القديمة فى عصورها المختلفة قديمها وحديثها ، ولكن يتميز خلال هذه المرحلة مدرسة الفنون بتل العمارنة التى كانت تجنح إلى الواقعية حيث صور الواقع كما هو وتعتبر هذه الفترة مدرسة التحرر الكامل من الأوضاع والأساليب القديمة حيث مثل الملك على هيئته الدنيوية دون تجميل مقصود أو مثالية مبالغاً فيها وقد اّثرت هذه المدرسة فى فنون العصور التى تبعتها حيث إختلط فيها أساليب عصر ماقبل إخناتون من تأنق وليونة وتفصيل فى خطوط الرسم والنقش ، وعصر فن اخناتون من جرأة وتصوير الحركة والمهارة فى تصوير المشاعر والأقتراب من واقعية التعبير.

  1. العصـور المتأخـرة :-

وهى مايطلق عليها أيضاً بخواتيم العصور الفرعونية وتمتد من القرن العاشر ق.م. إلى أواخر القرن الرابع ق.م. وفى هذه العصور تذبذب النشاط المصرى خلالها بشكل ملحوظ بين مد وجزر فى مجالات السياسة والحروب والإستقرار الداخلى وفيها إختلطت العناصر والأجناس الدخيلة بالمصريين بشكل ملحوظ وولى الحكم فيها المتمصريين وأنصاف المصرين ..وتأثرت مصر فيها بتأرجح موازين القوى بين أقطار الشرق والغرب القديمة ، وبدأت مقاليد الحضارة والسيادة تنفلت منها إلى غيرها  وتعرضت أرضها للغزو والإحتلال أكثر من مرة ثم انتهت هذه العصور بإنتهاء الحكم الفرعونى القومى لمصر بعد عصر الأسرة الثلاثين عندما فتح الأسكندر المقدونى مصر إلى جانب غيرها من أقطار الشرق فى اّواخر القرن الرابع ق.م.

 

 

 

مستقبليـة العمـارة فى مصـــر
" العصــر اليونانـــى الرومانـــى "

المكون الدينى والسياسى ونظام الحكم :
         على مدى ألف عام تقريباً كان للعصر اليونانى والرومانى طابعه الخاص لتطور الحضارة المصرية من الناحية الدينية والإدارية ، وهذه الحقبة تعتبر فترة إنتقال كبرى من مصر الفرعونية إلى مصر الإسلامية  وفيها تعرضت مصر لمؤثرات اجنبية مختلفة ، قبلت بعضها ورفضت بعضها الآخر .
         ولكنها فى قبولها ورفضها لم تقتصر على القيام بدور سلبى ، فرفضت وأعطت بديلاً عما رفضت أو قبلت وتمثلت ثم اضافت من تراثها لما أخرجته فى هذه الحقبة من مظاهر الحضارة المختلفة ، وهنا يتضح لنا حيوية الشخصية المصرية وأصالتها مهما أختلفت الظروف .
عصر البطالمة :-
          فعندما فتح الأسكندر الأكبر مصر عام 332 ق.م. لم تدم الإمبراطورية المقدونية طويلاً بعد وفاة الأسكندر فى عام 323 ق.م. فقامت دولة البطالمة فى مصر وكان ملكها بطليموس فى عام 305 ق.م .
          وإستطاع البطالمة الأوائل بناء إمبراطورية واسعة والمحافظة على إستقلال مصر السياسى والإقتصادى بدعم حدودهما ، وبناء إمبراطورية بحرية فى شرق البحر المتوسط تكفل السيطرة على الطرق البرية المؤدية إليها..
          وقد أنشأ البطالمة الأوائل إدارة حكومية قوية فكانت إلى حد ما من تراث الماضى ، لكنها أصبحت فى مجموعها إدارة إغريقية منظمة تنظيماً دقيقاً إلى أن تدهورت فى أواخر عهد البطالمة ، وأصبحت إدارة فاسدة لا يهمها إلا إبتزاز الأموال ، وكان الملك على رأس السلطة المركزية ، ويعتبر صاحب مصر وسيد رعيته المطلق ، الذى تتركز فى يديه كل السلطات وهو فى الوقت نفسه ، الرئيس الدينى للدولة بل ورب جميع رعيته وكبير القضاة  والقائد الأعلى للجيش والأسطول ولأوامره سلطة القانون ، وكان المساعدون الرئيسيون للملك فى إدارة مملكته من الأجانب ، فكان يختار أغلبهم من بطانته الذين كونوا بمضى الزمن بلاطاً ، يتألف من عدة طبقات يميزها عن بعضها ألقاب فخرية .
          وبقدر ما سمحت ظروف العهد الجديد ، تفادى البطالمة تعديل نظام الإدارة والقضاه فاحتفظوا فى الإدارة بالنظام الفرعونى الذى كان يقسم البلاد إلى مديريات وإن لم يحتفظوا بأسمائهم أو عددها ، ووضعوا على رأس المديرية موظفاً يدعى القائد للدلالة على إحتلال البلاد بسلطة عسكرية أجنبة...
عصـر الرومـان :
عندما إنتصر أغسطس على غريمه أنطونيوس – زوج كليوباترا – فى موقعة أكتيوم عام 31 ق.م. لم يلبث أن دخل مصر عام 30 ق.م. وضمها إلى الإمبراطورية الرومانية ، وأصبح لمصر مركز فريد فى الإمبراطورية الرومانية وذلك لموقعها 
 



الدكتور / مصطفى العبادى
المرجع : الموسوعة المصرية – تاريخ مصر القديمة واّثارها – العصر اليونانى والرومانى – المجلد الأول – الجزء الثانى .
الاستراتيجى ووفرة مواردها التى كانت تسد حاجة الشعب الرومانى من الحبوب وملء خزائن روما بالأموال ، ووضعت مصر تحت إشراف الأمبراطور مباشرة... وأقيم عليها حاكم عام من طبقة الفرسان ، وأعتمد الرومان فى توطيد سلطانهم فى مصر على القوة ، فأقاموا حاميات عسكرية فى الأماكن الرئيسية ، تمكنهم من السطرة على كافة أنحاء البلاد ، ورأى الرومان فى إخضاع الإسكندرية أكبر ضمان لإخضاع مصر وكان يعيش فيها أكبر مجموعتين من الأغريق واليهود فوضعوا بالقرب منها حامية كبيرة وطبقو على اليهود الأغريق مبدأهم المعروف ( فرق تسد ) وسرعان مادب الشقاق بين أغريق الأسكندرية ويهودها فى عهد كاليجولا عام 37-41 م، وراح ضحيته أعداد كبيرة من الأغريق واليهود .
ولم يترتب على دخول مصر الإمبراطوريية الرومانية تغيرات هامة فى إدارة البلاد ، لأن سياسة الرومان بوجه عام خلال فتوحاتهم فى الشرق إقتضت تجنب التدخل ما أمكن فى نظم البلاد التى تتمتع بإدارة منظمة ولذلك أتبع الرومان لمدة ثلاثة قرون تقريباً النظام الذى يرجع لعهد الفراعنة ، وأتبعه البطالمة..ومن المؤثرات الدينية والعقائدية للعصر الرومانى على المصريين ، إن كان الرومان فى بادىء الأمر ينظرون إلى معتقدات المصريين الدينية نظرة إحتقار وإزدراء لكنهم لم يلبثوا أن اخذوا يتطلعون إلى تعرف أسرارهم ، فاستهوتهم تلك الأسرار وما يقترن بها من أساطير ولم يصرفهم ذلك عن عبادة اّلهتهم الأصلية التى أحضروها الى مصر كما أحضر الأغريق من قبل اّلهة بلادهم ..
من المتغيرات التى حدثت فى مصر فى العصر اليونانى والرومانى الناتجة عن العقيدة والسياسة ونظام الحكم  :-
  1. كانت العلاقات قوية بين مصر واليونان قبل فتح الأسكندر الأكبر وتأسيس مدينة الأسكندرية فى شتاء 332-331 ق.م حيث أقامها عند موقع بلدة مصرية قديمة تسمى راقودة ، وأمتدت عمارتها على الشريط الساحلى المحصور بين البحر الأبيض المتوسط وبحيرة مريوط ، وكان يقع أمامها فى البر جزيرة فاروس التى ورد ذكرها فى الأدويسا .

أما بالنسبة لمدينة الأسكندرية – فقد كلف ببنائها المهندس دينوقراط الذى نظم شوارعها حسب نظرية بناء المدن اليونانية الشائعة فى ذلك الوقت بحيث تتعامد الشوارع الطولية والعرضية كرقعة الشطرنج  وكان طريق كانوب (أبى قير) أهم شوارع  المدينة جميعها ، يمتد بطولها من الشرق ( حيث باب الشمس) إلى الغرب قريباً من الميناء ( حيث باب القمر) وقسمت المدينة إلى خمسة أحياء رئيسية – أطلقت عليها أسماء الحروف الخمسة الأولى من الأبجدية اليونانية وتمثل هذه الأحياء ، الحى الملكى ( السلسلة حالياً) ويمثل القسم الشرقى من الميناء أما القسم الغربى فيقع فيه منطقة تجارية عرفت بإسم المدينة الجديدة NEAPOLIS ووجدت بها مخازن الغلال ويلى ذلك حرس الميناء ثم الهيتاستاديون الذى يصل إلى جزيرة فاروس حيث قامت عليها قرية مصرية وفى طرف الجزيرة الشرقى قام الفنار المشهور ( فاروس) أما مايلى هذه الأحياء جنوباً ، حى اليهود وكان بمثل الحى الرابع ( أو حرف دلتا ) والحى المصرى فى الغرب جنوب حى الميناء عند موقع قرية راقودة المصرية القديمة...
ونظراّ لأن الأسكندرية كانت مدينة يونانية فقد كانت لها شخصية مستقلة ومواطنه خاصة بها ومواطنون إسكندريون ، ولم يكن جميع السكان مواطنين بل كانت المواطنة ميزة خاصة منحت لفئة ممتازة من الأغريق وبنسبة أقل لبعض أبناء العناصر الأخرى أما المصريون فقد بقيت لهم صفتهم المصرية وأعتبروا رعايا الملك مباشرة ، وكذلك اليهود بقيت لهم صفتهم بإعتبارهم يهوداً ، وسمح لهم أن يكونوا جالية ذات طابع دينى خاص POLITEMA  كما سمح لهم بحرية العبادة ، وكانت للأسكندرية صفتان من الناحية الإدارية فى وقت أولها أنها مدينة يونانية مستقلة POLIS  والثانية كونها عاصمة مصر ..ولم يكن غريباً أن إزدهر العمران فى الأسكندرية إزدهاراً غير مألوف وأصبحت واحدة من أبرز وأجمل مدن العالم وكان يحدد معالمها عدد من المعالم عدد من المبانى والمنشأت الشهيرة : القصر الملكى ، وما أشتمل عليه من حدائق للنبات والحيوان ، الفنار إحدى عجائب العالم القديم ، والجمنازيوم ومسرح ديونيسوس الكبير ومسارح أخرى أقل حجماً وساحة للألعاب والمصارعة ، ومعابد للالهة المختلفة قامت على مر القرون مثل معبد ديونيسوس ومعبد إيزيس ومعبد القيصر كما وجد فى الحى الملكى دار المجمع العلمى الموسوين والمكتبة ، وفى وسط المدينة وجد ضريح الأسكندر الأكبر الذى عرف بإسم " سيما " وفى الحى المصرى قام اشهر المعابد جميعاً وأكبرها السرابيوم ( معبد الآله سرابيس ) .

  1. الجمنـازيـوم :-

          ومن سمات العصر اليونانى ظهور مبانى جديدة لم توجد بمصر من قبل ثم إختفت بعد ظهور المسيحية فى مصر ، مثال ذلك الجمنازيوم جمعها جمنازيا GYMNASIA  وهى كانت فى الأصل ملعباً رياضياً ومركزاً لتدريب الشبان وإعدادهم للقتال ، ثم أصبح مدرسة ثانوية ومنتدى يؤمه البالغون للتسامر وممارسة الألعاب الرياضية والإستماع إلى المحاضرات العامة والقراءة فى مكتبته وتبعاً لذلك كانت الجمنازيا مراكز الحياة الإجتماعية عند الإغريق فى كافة أنحاء العالم القديم ،وقد أصبح إثنان من جمنازيا أثينا مركزين علميين فقد كان إحداهما أكاديمية أفلاطون والآخر لوكيوم LYCEUM أرسطو وأنشأ إغريق مصر جمنازياً فى مدنها الإغريقية وكذلك خارجها حيثما نزل منهم عدد كاف ، ونشأت حولها جمعيات تسمى ( جمعيات رجال الجمنازيوم ) وكانت تتألف من كل خريجى كل جمنازيوم لرعاية شئونه وتوفير حاجياته ، وألغى الرومان جمنازياً القرى وأضفوا صفة رسمية على جمنازياً عواصم المديريات ولما كانت الجمنازياً مراكز إشعاع للحضارة الوثنية، فإنه منذ الإعتراف بالمسيحية أخذت تختفى من الوجود فى مصر ..

  1. الحمامـات العامـة :

كان عهد البطالمة أو عهد مصر بالحمامات العامة ..ويبدو أنه منذ ذلك الوقت كان يوجد فى مصر نوعان من الحمامات العامة ، أحدهما هو الحمامات التى كانت الحكومة تقيمها على نفقتها وتبيع بالمزاد العلنى حق إستغلال كل منها، والنوع الآخر هو الحمامات التى كان الأفراد يقيمونها على نفقتهم ويدفعون عنها ضريبة مرتفعة للحكومة ، ولما كانت الحمامات العامة من اهم مظاهر الحياة الرومانية فإنه صحب خضوع مصر لحكم الرومان إنتشار إنشاء الحمامات العامة وكانت الحكومة المركزية هى التى تتولى الإنفاق على هذه الحمامات ، إلى أن أنشئت حكومات محلية فى عواصم المديريات عند أواخر القرن الثانى الميلادى ومن أجل مواجهة نفقات الحمامات العامة كانت تفرض ضريبة نقدية كان مقدارها متفاوتاً من مكان لآخر .

  1. الأديـرة :

يوجد على أرض مصر بعض الأديرة التى تعتبر الأولى من نوعها فى العالم أجمع ، والتى ترجع إلى العصر البيزنطى ولما كانت الحكمة من تأسيس هذه الأديرة طلب العزلة ، والفرار بعيداً عن إضطهاد الحكام ، والإبتعاد ما أمكن عن المجتمع الفاسد الملىء بالآثام والشرور ، لذلك نرى معظم الأديرة القديمة مقامة فى اماكن بعيدة نائية أما فى أطراف الصعيد بعيداً عن أعين الحكام فى الأسكندرية عاصمة  البلاد عندئذ ، وأما فى جوف الصحراء الشرقية أو الغربية ، على أن قيام الدير بعيداً عن العمران وسط تلك المجاهل كان يعرضه لآخطار المغيرين سواء من رجال وقوات الحكومة البيزنطية أو من البدو الرحل  ولذلك نجد أديرة ذلك العصر تتشابه فى قوة تحصينها فكان يراعى أن يكون للدير سور محكم يحميه وفى هذا السور باب ضيق صغير يحنى الداخل فيه راسه ، ويسد هذا الباب من خارجه بحجرين عظيمين مثبتين بخوابير فى السور ، ومعلق فوق السور عند الباب جرس يتدلى من خارج السور حبل إلى الأرض فإذا حضر وافد فإنه يشد الحبل ليدق الجرس وعندئذ يسمعه الرهبان ويفتحون له الباب إذا شاءوا وأتبع هذا النظام فى أديرة وادى النطرون .
أما أديرة الصحراء الشرقية مثل دير الأنبا أنطونيوس ودير الأنبا بولا فإن سور الديركان مصمتاً ليست به اى فتحة ، وصنعت ساقية أو رافعة لرفع الأشياء والأشخاص التى يراد إدخالها إلى الدير فلادخال شخص كان يمر له حبل ملفوف على إسطوانة بأعلى السور ، فيمسك الشخص الحبل بكلتا يديه ، وتدار الإسطوانة فيرتفع الشخص إلى أعلى السور ، ومنه يدلى إلى داخل الدير ، ومازالت هذه الرافعة أو الساقية فى هذين الديرين حتى اليوم تستخدم فى رفع زكائب الغلال الواردة إلى الدير ، فى حين فتح باب فى السور فى العصور الحديثة ليدخل منه الزوار على ان هذا الإحتياط كان غير كاف ،إذ كثيراً مااستطاع رجال الحكومة البيزنطية إقتحام أسوار الأديرة والأعتداء على الرهبان العزل ، لذلك روعى فى بناء أديرة ذلك العصر أن يكون فى وسط الدير حصن منيع يلجأ اليه الرهبان إذا هاجهم عدو ، وكان هذا الحصن عبارة عن بناء أصم مرتفع ، يفتح بابه فى الطابق الثانى ، ويوجد ديرين من العصر البيزنطى فى الصحراء الشرقية ، أولهما دير القديس أنبا أنطونيوس ويقع فى جبال البحر الأحمر مقابل محافظة بنى سويف وثانيهما دير القديس أنبابولا ويقع جنوب الدير الأول ، وفى الصعيد بقى ديرات من العصر البيزنطى أولهما دير المحروق فى سفح الجبل الغربى بمحافظة أسيوط وثانيهما دير أنبا صموئيل أو دير القلمون .

 

 

 

 

 

 

 

تكويـن المجتمـع المصـرى فى العصـر اليونانـى والرومانـى :
( المكـون الإجتماعـى والعلاقـات الإنسانيـة )

أولاً :  فى العصر اليونانى :
إختلف العصر البطلمى فى مصر عن غيره من العصور لأن الحكام فى هذا العصر كانوا من العنصر المقدونى اليونانى ، وإعتمدوا فى بناء دولتهم على إستيراد أعداد كبيرة من بنى جلدتهم ، فكان المقدونيون والأغريق هم العنصر الغالب فى الجيش والإدارة ، ثم جاء إلى مصر أعداد أخرى غفيرة من جنسيات مختلفة سعياً وراء العمل والرزق الوفير تحت سماء مصر ومن هذه الجنسيات التى نقابلها فى مصر البطلمية اليهود والسوريون والفينيقيون والليبيون وجماعات من شعوب اّسيا الصغرى وهذا هو الخليط العجيب الذى عاش جنباً إلى جنب مع الأغلبية الساحقة من المصريين – ويذكر جوزيقوس الذى عاش فى بداية العصر الرومانى أن عدد سكان مصر كان سبعة ملايين ونصف عدد سكان الأسكندرية .
لم يتوسع البطالمة فى إنشاء المدن اليونانية المستقلة فى مصر ، ولم يكن فى ذلك غرابة منذ أخذوا بمبدأ حكم مصر حكماً مطلقاً مما قد يتعارض مع وجود المدن المستقلة بكثرة ، وكان للمدينة اليونانية قانونها ومحاكمها الخاصة بها ، وتثبت وثائق القرن الثالث ق.م. إن مدينة الأسكندرية تمتعت بمثل هذا القانون وتلك المحاكم ، ولابد أن المدن الآخرى كان لها نظامها القضائى أيضاً ، خاصة وأننا نعرف من العصر الرومانى أنه لم يسمح لمواطنى نقراطيس وبرينوتيوم بالزواج من المصريين ولكن يجب ألا نظن أن هذه المدن كانت حرة فى سن قوانينها وتنظيم قضائها كما يتراءى لها ، بل كانت هذه القوانين والنظم تصدر عن الملك شخصياً وتملى على المدن إملاء دون أن يكون لها أى إختيار .
ومما تمتعت به هذه المدن أيضاً أن كل مدينة اقطعت بواسطة الملوك مساحة من الأرض ألحقت بها ويتمتع المواطنون بحق إمتلاكها وكانت هذه الأرض أهم مصدر لميزانية المدينة...
هذه أهم مظاهر الحياة المدنية فى عصر البطالمة ، ورغم سلطان الملوك القوى والقيود الكثيرة التى فرضت على المدن بحيث جعلت فكرة المدينة اليونانية ظاهرية فقط لامعنى لها فى الواقع ، كان مواطنوا هذه المدن شديدى الإعتزاز بالإنتماء إليها ، وكانوا يعتبرون ذلك شرفاً يفوق منزلة سائر أهالى مصر الذين كانوا رعايا مبشرين للملك ، ومامن شك أن مدينة الأسكندرية كانت أهم هذه المدن جميعاً وذلك للظروف التى جعلت منها عاصمة الدولة وأكبر مركز تجارى وصناعى فى العالم ، وزاد من أهميتها ومجدها وجود المكتبة والموسيون بها وقد أهتم الملوك بالأسكندرية ،وأسبغوا على مواطنيها الكثير من الإمتيازات حتى أصبحوا فى واقع الأمر أرقى وأغنى طبقة بين سكان مصر جميعاً .
ثانياً : فى العصر الرومانى :
                    كانت مصر تقارب الثمانية ملايين نسمة ، أما من حيث تكوين هذه الملايين الثمانية ، فهى لم تختلف عن تكوينها فى عصر الأسرة البطلمية ، فلا زالوا من المصريين وأقليات متفاوتة من الأغريق واليهود وجماعات مختلفة من السوريين والفنيقيين والليبين وغيرهم ولكن أهم تغير طرأ على المجتمع المصرى هو وجود عنصر الرومان اللذين جاءوا مع الحكم الجديد وكثيراً منهم أستقر فى مصر وكون جالية رومانية وجدت فى مناطق مختلفة فى مصر...
                    ومن وجهة النظر القانونية الرومانية قسم سكان مصر إلى قسمين أساسيين رومان ومصريين ، ثم أعتبر الأسكندريون طبقة ممتازة من المصريين أحيطت بكثير من الإمتيازات الخاصة – ومن ثم أصبح لفظ المصريين يطلق إصطلاحاً على جميع سكان مصر عدا الأسكندريين ، من أغريق ويهود ومصريين وغيرهم  ومقياس هذا التقسيم هو ضريبة الرأس التى فرضت على المصريين ولهذا فهى لاتقع على المواطنين الرومان فى مصر أما الأسكندريون فقد (أعفوا) منه ، أما سائر السكان فكانوا يدفعون ضريبة الرأس ..وكانت الجالية اليونانية والتى تمتعت بأكبر قدر من الإمتيازات من حيث تكوينها ، نجدها أساساً من الموظفين الرومان الذين عينهم الإمبراطور فى المناصب الكبرى بالإدارة المصرية ، ومن رجال الأعمال الرومان الذين حضروا إلى مصر من أجل عقد صفقات تجارية فى الأسكندرية ، ومن جنود الحامية الرومانية وكانت الحامية الرومانية أهم مصدر لإحضار الأجانب إلى مصر ، ذلك أنها كانت تضم أصلاً أفراداً من جميع أنحاء الإمبراطورية فى أعداد كبيرة وعند تسريحهم كانوا يمنحون الجنسية الرومانية ، وكثيراً ماّآثروا البقاء فى مصر بعد ذلك لأسباب مختلفة .
                    ولقد كانت فترة الجندية فى الجيش الرومانى تمتد إلى خمسة وعشرين عاماً ، وهى سنوات شباب ونضج الإنسان ، لذلك كان الإتصال بالأهالى فى مختلف وجوه الحياة إجتماعياً وإقتصادياً رغم مخالفة ذلك لقوانين الجيش الرومانى ، فقد كان محظوراً على الجندى أن يتزوج طوال مدة خدمته العسكرية – مما نتج عنه علاقات خاصة مع النساء من أهل البلد وخاصة فى الأسكندرية وإنجاب أطفالاً غير شرعيين ، وكان من المستحيل أن تقف السلطات الرومانية فى مصر من هذه الحالات موقفاً متزمتاً ، وإنما أغمضت أعينها عما كان جارياً ، وعند تسريح الجنود كان يعترف بزواجهم الذى تم بصورة غير قانونية أثناء الخدمة وكان الجنود وزوجاتهم وأبنائهم يمنحون المواطنة الرومانية ...
                    ونظراً لإرتباط الجنود بالبيئة المصرية إجتماعياً عن طريق الزواج إقتصادياً عن طريق ملكية الأرض والمعاملات المالية الأخرى ، لم يغادر أفراد الجيش الرومانى مصر بعد أن قضوا مدة خمسة وعشرين عاماً تحت إسم الخدمة العسكرية .
وأستقروا بالبلاد نهائياً وأصبحوا الأساس الذى تكونت منه الجالية الرومانية فى مصر وانضم إليهم أبناء الطبقات الممتازة فى مصر الذين سمح لهم بالخدمة العسكرية فى الجيش الرومانى ، وأكتسبوا الجنسية الرومانية عن هذا الطريق وكذلك عدد من طبقة الأسكندرين الأرستقراطية الذين أستطاعوا الحصول على المواطنة الرومانية ، وكان هؤلاء المواطنون الرومان المختلفى الأصل هم الذين يمثلون الطبقة العليا فى مجتمع مصر الرومانية .

 

 

 

 

( العصـر اليونانـى والرومانـى )
المكون التكنولوجى فى الصناعة والبناء

ظهر فى العصر اليونانى والرومانى عدة صناعات أهمها :
صناعة البردى وصناعة النسيج وصناعة الزجاج وصناعة التماثيل .
صناعة البردى : -
ولقد كانت صناعة الورق من نبات البردى من الصناعات الهامة التى نشأت بمصر منذ العصور الفرعونية وإستمرت عبر الأجيال ، وكان نبات البردى ينمو بكثرة على شواطىء الترع والمستنقعات ..وتعتبر مصر المصدر الوحيد فى العالم القديم لصناعة الورق من نبات البردى وكان هناك ثلاثة أنواع منها :

  • نوع تنتجه مصانع الحكومة
  • نوع تنتجه مصانع المعابد
  • نوع ينتجه الأفراد

وقد أقام الملوك البطالمة نظاماً إحتكارياً لإنتاج البردى وتوزيعه داخل البلاد كما خضع تصديره لسيطرة الدولة وكانت الأسكندرية أهم مراكز صناعته لقربها من مستنقعات الدلتا حيث ينمو بكثرة .
صناعة النسيج : -
صناعة النسيج كانت أكثر الصناعات إنتشاراً فى مصر ، وكانت الأسكندرية تنتج مالايقل عن أربعة عشر نوعاً من المنسوجات ، ويحدثنا المؤرح بلينى عن تقدم هذه الصناعة ، وأن الأسكندرية إشتهرت بنوع من التيل المزين بالرسوم وكان يصنع بنسج عدد من الخيوط معاً ، ولم تكون هذه الصناعة مركزة فى الأسكندرية وحدها بل فى مراكز أخرى بمصر .
صناعة الزجاج : -
وهى من الصناعات التى إزدهرت فى العصر اليونانى والرومانى صناعة الزجاج وإن كان قد عرف من قبل ذلك بزمن بعيد فقد عرفه المصريون منذ عصر ماقبل الأسرات حوالى عام 4000 ق.م. ولقد تطورت صناعة الزجاج وإزدهرت بعد إنشاء الإسكندرية وأصبحت هذه المدينة من أهم مراكز صناعته ، وظهرت أنواع جديدة منها : زجاج الفسيفساء Mosaic Glass وقد أطلق عليه هذا الأسم لأنه عبارة عن قطع صغيرة من الزجاج مكونة من ألوان وأشكال مختلفة ، كما ظهر نوع اّخر يطلق عليه إسم الألف زهرة ولم تعرف طريقة صنع الزجاج بالنفخ إلا فى أوائل العصر الرومانى ، وأحدثت هذه الطريقة إنقلاباً كبيراً فى صناعته ومضاعفة الإنتاج ، فأصبح من السهل تشكيل الأوانى وكذلك صناعة الحلى من الذهب والفضة والأطباق المعدنية ذات النقوش البارزة كتلك التى وجدت بطوخ القراموص
( بالمتحف المصرى ) ويرجع تاريخها إلى عصر بطليموس الثانى ، ومثال اّخر المجموعة التى وجدت بميت رهينة من القرن الثالث ق.م. ( بمتحف بلزيوس هيلدزهيم – بألمانيا ) وأدوات الزينة كدبابيس الشعر وغيرها كتلك التى وجدت بقليوب فى القرن الثانى ق.م.

 

صناعة التماثيل : -
كذلك إنتشرت صناعة التماثيل من القيشانى التى تناسب الذوق الإغريقى كتماثيل ملكات البطالمة التى وجدت بمصر وبرقة وقبرص وجنوب إيطاليا..وإلى جانب هذه الصناعات الكبرى وجدت صناعات أخرى ذات أهمية تجارية كصناعة التوابل والعطور التى كانت تجلب من بلاد الشرق ..من الهند وبلاد فارس وجنوب الجزيرة العربية وأفريقيا الشرقية ، وكانت هذه المواد تصنع فى مصر ثم تصدر .
ومن العصر اليونانى الرومانى يتضح لنا أنهم كانوا يعتمدون على الحجر الجيرى والجرانيت والرخام ، وهذا يظهر لنا واضحاً فى إحدى المقابر بمنطقة مصطفى كامل من العصر البطلمى وكذلك مقبرة أخرى على شكل درج يعلوها شاهد قبر من الحجر الجيرى بمقابر الشاطبى ، ومن مقابر العصر الرومانى مقبرة كوم الشقافة وهى فريدة فى نوعها من حيث التصميم والنقوش التى تمثل الفن المصرى بالفن اليونانى الرومانى ، كذلك يظهر لنا إستعمال الحجر الجيرى والرخام والجرانيت فى بناء منارة الأسكندرية إحدى عجائب العالم القديم السبع .
شيدت فى عهد بطليموس عام 285-246 ق.م، أقامها المهندس سوستراتوس بن دكيسافون من كيندوس  بمدخل البناء الكبير ( الميناء الشرقى الآن ) فى الجزء الجنوبى الشرقى لجزيرة فاروس ، وقدر إرتفاعها بحوالى 120 متراً ، وكانت مكونة من أربعة طوابق الأول مربع الشكل إرتفاعه حوالى 60 متراً ويحتوى على عدد كبير من الحجرات أستخدمت كمخازن للآلات ومسكن للعاملين والثانى مثمن الشكل إرتفاعه حوالى ثلاثين متراً ، والثالث مستدير وطوله حوالى 15 متراً يعلوه مصباح تغطية قبة ترتكز على ثمانية أعمدة إرتفاعها حوالى ثمانية أمتار ، ويعلو القبة تمثال ضخم من البرونز إرتفاعه حوالى 7 امتار يرجح أنه لآله البحار بوسيدون وبقيت المنارة تؤدى وظيفتها فى إرشاد السفن حتى بعد فتح عمرو بن العاص لمصر عام 641/642 م ، وتوالت عليها بعد ذلك الكوارث اّخرها فى القرن الرابع عشر عندما تهدمت عن أخرها أثر زلزال عنيف ، وتبعثرت الأحجار المختلفة عنها فى الجزيزة فأستخدمها السلطان قايتباى عام 1480 م فى إقامة حصن مازال باقياً حتى الآن ويطلق عليه إسم قلعة قايتباى وكلمة منارة العربية دخلت اللغة الأوروبية Minaret  وأصبحت تطلق على مئذنة الجامع ، والواقع أن عدداً كبيراً من الماّذن فى بلاد العالم العربى تأثرت فى عمارتها بالمنار القديم .

 

 

 

 

 

 

المكـون الإقتصـادى ومصـادر الإنتـاج فى
العصـر اليونانـى والرومانـى

كانـت سياســة البطالمــة الإقتصاديــة يوجههـا عامـلان :
الأول  :  هو العمل على بناء دولة قوية إقتصادية تحت حكمهم الملكى المطلق .
 الثانى  :  هو إقامة عدد كبير من الإغريق الذين حضروا إلى مصر وكانوا العنصر الأساسى فى بناء جيشهم وإدارتهم للبلاد .
وكانت موارد الدولة الإقتصادية تعتمد على الأرض والصناعة ونتج عن هذا نظام توزيع الأرض وإحتكار الدولة الكامل لصناعتا الزيت والملح وفرض حماية إنتاجها من ورق البردى رغم سماح الدولة بالإنتاج الحر..
نظام الأرض : -
قسمت أرض مصر فى عصر البطالمة إلى قسمين أساسين هما أرض الملك وأرض موهوبة أو عطاء وتندرج تحت القسم الأخير أنواع مختلفة مثل أرض المعابد والأقطاعات العسكرية...

الأرض
 


                  1- أرض الملك                                  2- أرض موهوبة
 أ.أرض المعابد
ب.إقطاعات الموظفين
جـ. إقطاعات العسكريين
د. الملكية الشخصية
هـ. أرض المدن

  • أرض الملك :-

ملكية الدولة للأرض ممثلة فى شخص الملك ولهذا كانت أرض الملك تحتل الرقعة الكبرى من الأرض الزراعية فى مصر ، وقد تكون أصلاً من املاك القصر الملكى فى العصر الفرعونى التى اّلت إلى الملك البطلمى ، وكذلك من أراضى الأمراء السابقين ويضاف إلى ملكية الملك جميع الأراضى التى هجرها أصحابها أو سقطت عنها الملكية لأى سبب من الأسباب ، وكان يدير هذه الأرض موظفوا الملك نيابة عنه ويقوم بزراعتها طبقة ضخمة من المزارعين يطلق عليهم إسم ( فلاحو أو مزارعو الملك ) ، وفى بعض الأحيان كانت أرض الملك تؤجر لهؤلاء المزارعين نظير إيجار عينى يؤخذ من محصول الأرض ، وذلك بموجب عقد يعقد لمدة محددة بين المزارع وممثل الملك من الموظفين ونظراً لأن الشروط التى تضمنتها هذه العقود كانت مجحفة بالمزارعين ، فكثيراً ماعجزوا عن تنفيذ شروط العقد ولجأوا إلى الفرار من الأرض  وأحياناً أتخذ هروبهم شكل الإلتجاء إلى المعابد بأن يهب الفرد نفسه لخدمة الآله ، وفى هذه الحالة لاتستطيع سلطة الدولة أن تناله بسوء إحتراماً لحق المعابد فى الحماية .
(2- أ )   أرض المعابد :
           كان للمعابد قديماً كما أصبح للكنائس والمساجد فيما بعد ، أملاك خاصة وكانت المعابد المصرية الكبرى واسعة الثراء نتيجة لما تجمع لها من هبات الملوك وأوقاف الأفراد على مر القرون ، وقد لاحظ كليومينيس وزير مالية الأسكندر فى مصر ضخامة أملاك المعابد فى مصر وحاول أن يضعف من مركزها الحالى وماكان البطالمة ليتركوا صيداً ثميناً مثل هذا دون الإفادة منه ، وقد لجأ سلب الكهنة سلطة السيطرة على أملاك المعابد ووضعوا هذه الأملاك تحت إشراف الدولة المباشر ، وفى عام 264 ق.م. قرر الملك بطليموس الثانى أن تحول حصيلة هذه الضريبة إلى حساب عبادة زوجته الملكة أرسنوى فيلادلفوس  ومنذ هذا التاريخ إنتقلت حصيلة هذه الضريبة من أيدى الكهنة الى خزينة الدولة ,أثبتت وثائق البردى أن بعض ايرادات الدولة من هذه الضريبة كان ينفق بواسطة الدولة فى أغراضها الخاصة وليس للأغراض الدينية ، ورغم كل هذا – فإن هبات الملوك السنوية كانت سخية عادة ، كما أن المعابد وبعض الكهنة تمتعوا بإعفاءات مختلفة من الضرائب تثقل كاهل المصريين .
(2- ب ) إقطاعات الموظفين :
          لجأ البطالمة فى معاملة رجال الحكومة من الناحية المالية إلى عادة إقطاعهم مساحات من الأرض بدلاً من منحهم مرتبات نقدية منتظمة وكان لهذه السياسة فائدة مزدوجة ، فهى من ناحية توفر للدولة قدراً كبيراً من العملة الفضية ، ومن ناحية أخرى كانت وسيلة ناجحة فى زيادة رقعة الأرض المزروعة فى مصر لأن هذه الإقطاعات كانتتتكون عادة من أرض بور فى حاجة الى استصلاح على هذا الاساس كان كبار الحاشية والادارة يمنحون قطعا كبيرة من الارض تسمى DOREA هذة الاقطاعات كانت منحة من الملك للموظف ليستغلها فقط مادام فى خدمة الملك ، اى أن الموظف لا يصبح بحال مالكاً لإقطاعه ، فللملك حق إستردادها متى شاء ، ويبدو أن نظام الإقطاعات هذا كان إحدى وسائل البطالمة الهامة فى خطة إصلاح الأراضى وزيادة رقعة الأرض المنزرعة فى مصر .
(2- جـ ) الإقطاعات العسكرية :
          إتبع البطالمة سياسة الإقطاعات أيضاً فى مكافأتهم للأعداد الغفيرة من الإغريق والأجانب الذين خدموا فى الجيش البطلمى ، هذه الإقطاعات العسكرية كانت عادة أصغر من الـ DOREA  وكان يطلق عليها إسم كليروس KLEROS  وكذلك إختلفت مساحات هذه الإقطاعات العسكرية حسب مراتب الجنود والضباط ، وفى القرن الثانى ق.م. ظهر إصطلاحاً جديداً وهو لفظ المستوطنين وهم ليسوا بطبقة جديدة ولكن منذ نهاية القرن الثالث ق.م. بدأ البطالمة فى إستخدام المصريين بأعداد كبيرة فى جيوشهم ، وعومل هؤلاء الجنود المصريين معاملة شبيهة بالجنود الإغريق ، فمنحوا إقطاعات KLEROI  وهى اصغر من الـ DOREA  ولهذا أطلق على أصحاب هذه الإقطاعات الصغيرة من المصريين KLEROUCHOI بينما أطلق على قرنائهم من الإغريق لفظ المستوطنين KATOIKOI وهذه الإقطاعات العسكرية عموماً شاركت الإقطاعات الكبرى للموظفين فى صنفين، الأولى : أنها من أرض بور وعلى صاحبها القيام بمهمة إصلاحها ، والثانية : أنها منحة من الملك للجندى مدى الحياة ، ويجوز للملك إستردادها متى شاء لسبب أو لآخر ، مثل وفاة الجندى  الذى فى حوزته الأرض أو العجز عن دفع الضرائب المستحقة ، ومع ذلك فقد تحولت الإقطاعات العسكرية بمرور الزمن إلى ملكية خاصة فى نهاية القرن الثانى ق.م.
( 2- د ) أرض الملكية الشخصية :
          الأرجح أن الملكية الشخصية كانت موجودة عندما حضر البطالمة إلى مصر وإستمرت ونمت تحت حكمهم ، ومن العوامل التى ساعدت على نموها :-

    • تحول الإقطاعات العسكرية إلى ملكية شخصية كما بينا سابقاً ، رغم أن سياسة الدولة لم تهدف إلى ذلك اصلاً
    • إعفاء زراع الكروم والفاكهة فى الأرض البور من الضرائب فى الخمس سنوات الأولى ، ثم ضرائب مخفضة لمدة الثلاث سنوات التالية وبعد ذلك تحصل الضرائب كاملة .

ولقد إمتاز أهل الأسكندرية بتمتعهم بثلاث سنوات زيادة على غيرهم من سائر السكان لأنها كانت أكبر مركز للصناعة والتجارة ونتيجة لمثل هذه المشروعات التشجيعية وكذلك بسبب تحول الإقطاعات العسكرية بالتدريج إلى ملكية خاصة ، زادت أرض الملكية الخاصة فى مصر كثيراً فى نهاية القرن الثانى ق. م.
( 2- هـ ) أرض المدن :
         تقضى تقاليد المدن اليونانية أن كل مدينة يجب أن يتبعها أيضاً مساحة من الأرض الزراعية  ولدينا ما يثبت أن المدن اليونانية فى مصر تمتعت بمثل هذا النظام ، فكان لمدينة بطلمية التى أنشأها بطليموس الأول فى صعيد مصر أرض خاصة أما فى حالة الأسكندرية فسميت أرض الاسكندريين، ويبدو أن الأسكندر الأكبر منح الأسكندرية هذه الارض وأرض المدن كانت ملكيات خاصة فى أيدى الأفراد من مواطنى المدن.

 

 

 

 

" العصــر البيزنطــــى "
( 284 – 640 م )
المكون الدينى وسياسة الحكم :
جاء الإمبراطور دقلديانوس ( 284 -305 م ) بعدما إنتهت الحروب الأهلية الإمبراطورية الرومانية منفصمة الأوصال ، وهوجندى فى الجيش الرومانى من اصل متواضع وكان ذا شخصية قوية ذا مواهب فذة فى الإدارة والحكم ، ويعتبر المؤرخون المحدثون عصر دقلديانوس هو نقطة التحول فى التاريخ القديم من عصر الإمبراطورية الرومانية إلى العصر البيزنطى .
ومن أهم إصلاحاته التى تأثرت بها مصر أنه فصل بين السلطتين المدنية والعسكرية فى الولايات وقسم الولايات الكبرى إلى صغرى مما خفف عن كاهل الإدارة المركزية فأنقسمت مصر إلى ثلالث ولايات : ولاية مصر الجويتيرية وتشمل غرب الدلتا بما فيها الأسكندرية وكانت الولاية الأولى فى مصر وولاية مصر الهرقلية وتشمل شرق الدلتا ومصر الوسطى ثم ولاية طيبة وتشمل الصعيد جنوبى أسيوط أما الصحراء الغربية فقد اصبحت ولاية مستقلة أطلق عليها إسم ليبيا .
أما فى مجال الإقتصاد فقد منع تدهور العملة وأصلح نظام الضرائب وكان عليه أن يؤمن حدود مصر من الخارج ومن الداخل وإعادة بناء الإمبراطورية على أساس متجانس يبعد عنها الإختلافات والإنقسامات ، حتى ولو كانت إختلاف فى الرأى أو العقيدة ، هى القضاء على الحركة المسيحية النامية فى ذلك الوقت ، فبالرغم أن المسيحية أساساً دعوة دينية مجردة بعيدة عن السياسة إلا أنها بدعوتها إلى نبذ الآلهه القديمة جميعاً كانت تهدم ركناً أساسياً من أركان البناء الذى تقوم عليه الإمبراطورية حيث أن رفض العبادات القديمة معناه رفض قدسية شخصية الإمبراطور ولذلك وضع مبدأ دينى جديد هو زيادة قدسية الإمبراطور ومع ذلك لم يسارع بإضطهاد أو يتعرض للمسيحين بأذى حتى عام 298 م قام بمحاولة محدودة لتطهير الإدارة والجيش من المسيحية ، بينما كان يستعد لحرب الفرس ، ولكنه فى سنة 303 م يأس من الوسائل السلمية فى حل مشكلة الإنقسام الدينى فبدأ أقسى إضطهاد عرفه المسيحيون فصدرت الأوامر الإمبراطورية تقضى بجمع جميع نسخ الكتاب المقدس لحرقها وتدمير الكنائس ومنع المسيحين من الإجتماع والعبادة وقد نفذت هذه الأوامر بقسوة لمدة عشرة سنوات أى ثمانى سنوات بعد إعتزال دقلديانوس الحكم نظراً لأن حاكم مصر فى ذلك الوقت كان من الحزب المتطرف فى مقاومته وكراهيته للمسيحين وراح ضحيته الإضهاد ألوف كثيرة من شتى الطبقات .
وإستمر إضطهاد المسيحين على ايدى الأباطرة الرومان بعد دقلديانوس حتى عام 323 نجح قسطنطين فى تولى الحكم وأصبح أول إمبراطور مسيحى للإمبراطورية الرومانية ، وكان أول عمل قام به هو الإعتراف الرسمى بالمسيحية ، ومنذ ذلك الوقت بدأ المسيحين يعملون فى حرية وإطمئنان وتولى أثناسيوس ثم من بعده الأسقف كيرلس وكان يغلب عليه طابع التطرف  وإضطهاده لليهود وللفلسفة والفكر بإعتبارها مركزاً للفكر الوثنى حتى أنه قتل الفيلسوفة المشهورة هيباثيا فى الأسكندرية ونشأ الصراع المذهبى فى عصر كيرلس بين القسطنطينية والأسكندرية الذى أنتهى بفصل الكنيسة المصرية عن الكنيسة الرومانية الشرقية نهائياً.. وبقى كيرلس متمتعاً بمكانة عالية حتى نهاية 444 م.
نهاية مصر البيزنطية وفتح العرب لمصر :
          بعد عودة الخلاف المذهبى فى مصر إلى سابق عهده ، أعلن هرقل شعار الثورة ضد الإمبراطور ولكن حدث فى ذلك الوقت أن هددت الدولة الفارسية حدود الإمبراطورية الشرقية فاستولت على مصر وسوريا وفلسطين ولم يدم ذلك سوى عشرة أعوام تمكن بعدها هرقل من إعادة هذه الولايات إلى الإمبراطورية وعين هرقل أسقف الأسكندرية الملكانى قورش المعروف بإسم المقوقس ليكون حاكماً لمصر  وكان المقوقس معروفاً بقسوته مما زاد كراهية المصريين له ونفورهم من الحكم الرومانى إلى ان ظهرت دولة شرقية جديدة هى الدولة العربية خرجت من قلب الجزيرة العربية تحمل معها ديناً جديداً هو الإسلام  وبعد أن أستقرت هذه الدولة فى الجزيرة العربية أخذت تتطلع خارج حدودها فوجدت الإمبراطورية الفارسية فى الشرق والإمبراطورية الرومانية أو البيزنطية فى الغرب وعند أول محاولة لبسط الدولة العربية الجديدة نفوذها فى الخارج إنهارت الإمبراطوريتان معاً ، وكان سقوط مصر فى يد العرب على يد عمرو بن العاص سنة 640 م.
المكون التكنولوجى فى الصناعة والبناء :
إستمرت الأسكندرية كأكبر مركز للصناعة والتجارة فى مصر ، ولكن لسوء الأحوال وإضطراب البلاد وتوالى الإضطهادات أثر فى قدرة البلاد الإنتاجية وفى نوع الإنتاج أيضاً ، فصناعة الزجاج مثلاً إستمرت فى الأسكندرية ولكن ماعثر عليه فى الحفائر الحديثة فى الفيوم يدل على تأخر المستوى عما عرف من الزجاج المصرى من قبل ويؤيد ذلك ندرة ماعثر على الزجاج المصرى فى الخارج وذلك لصرف الأسواق الأجنبية عنه ، وكذلك صناعة البردى كانت فى تأخر مما جعل رواج صناعة الكتب وورق الجلد الذى يسجل عليه الأدب والفكر المسيحى الجديد ، أما صناعة نسج الكتان فقد وجدت فى هذا العصر ويذكر دقلديانوس فى قائمة أسعار كتان الأسكندرية على أنه ضمن أفضل خمس أنواع من الكتان فى الإمبراطورية بأسرها ، كذلك صناعة العطور والتوابل لم تتوقف ، تلاحظ من هذا أنه رغم سوء الأحوال العامة فى مصر فى العصر البيزنطى حين تقاس بالعصر الرومانى الأول ، فإن الصناعات الأساسية إستمرت فى مصر وإن كانت قد تأخرت فى مستواها عن ذى قبل ..وكان للتجارة الخارجية نشاط فى مجال التجارة العالمية ويكفى أن تعرف أن فيرموس الذى تمكن من دخله من تجارة البردى والصمغ العربى ، فى أسوأ فترات الإمبراطورية الرومانية فى القرن الثالث  أن يكون جيشاً وأن يطمح إلى منصب الإمبراطورية نفسه ، ويجب أن نذكر تغيراً جديداً حيث فى خطوط الملاحة ، وهو أن الخط بين الأسكندرية والقسطنطينية أصبح أهمها بدلاً من خط روما والسبب فى ذلك هو تحويل القمح المصرى من روما إلى القسطنطينية .
أما عن موقف الدولة من هذه التجارة ، فيبدو أنها كانت حرة فى أيدى الأفراد بإستثناء الجزية التى كان على مصر إرسالها إلى روما أولاً والقسطنطينية بعد ذلك ، وكان للكنيسة نشاط فى مجال التجارة الخارجية ، فكما كان للكنيسة أملاك فى الأرض شملت كثير من القرى ، فقد عملت الكنيسة على إستغلال أموالها فى التجارة الخارجية التى كانت مصدر ربح وفير وخاصة فى عصر القديس يوحنا الذى تولى أمر الكنيسة فى مطلع القرن السابع الذى جعل الكنيسة تمتلك أسطولاً تجارياً فى البحر الأبيض المتوسط ، وقد إستخدم هذا الإسطول فى إستيراد القمح من صقلية فى أثناء مجاعة نزلت بالبلاد ، وفى مناسبة أخرى أرسل إمدادت كثيرة إلى بيت المقدس حين هاجمها الفرس .
الحيـاة الثقـافيـة :
          كان لسيادة الدين المسيحى الجديد وإتخاذه ديناً رسمياً للدولة تاثيره الكبير على الحياة الثقافية فى العصر البيزنطى ، فمنذ القرن الرابع الميلادى وإعلان الإمبراطور قسطنطين المسيحية الدين الرسمى للإمبراطورية وجدنا المسيحية تشغل الناس وتسيطر على النشاط الفكرى والثقافى فى الإمبراطورية فمنذ كانت الإسكندرية إحدى المراكز الهامة للدين الجديد فى مصر والإمبراطورية بأسرها..فحينما وقع الإنقسام بين المسيحين إلى مذاهب وفرق فى القرن الرابع وجدنا إنتاج كل مذهب يؤلفون ويكتبون ومن أشهر هذه الإنقسامات ماحدث بين إيوس وإثناسيوس – أريوس ينتمى إلى مدرسة أنطاكية المسيحية المشبعة أساساً بالفلسفة الأفلاطونية والتى جاءت نظرته الفلسفية ووعى إلى الفصل بين الآله الأب والمسيح الأبن بناء على الوهية الأب وإنسانية الأبن ، أما إثناسيوس فكان عدو إريوس وأهم كتاباته نشأة الرهبانة المسيحية ، ولقد نشأت اللغة القبطية فى مصر فى الوقت الذى ذاعت فيه المسيحية وانتشرت بدلاً من اللغة اليونانية فى الكنائس ، وكانت الحياة الثقافية فى مصر تتمثل فى مدارس الأسكندرية وجامعاتها فقد إستمرت المدرسة الوثنية مما جعل الكنيسة تنشىء فى المدينة مدرسة مسيحية تقاوم الوثنية ، وإزداد العنصر المصرى فى الدوائر العلمية فى الأسكندرية ولم يعد قاصراً على مواطنى الأسكندريين أو الإغريق .
          واكتسبت جامعة الأسكندرية شهرة علمية عظيمة وكانت تسندها مكتبتها الكبيرة حتى نهاية القرن الرابع حين اشهر أسقف الأسكندرية ثيونيوس أكبر حركة إضطهاد تعرض لها الوثنيون ، من أجل القضاء عليهم نهائياً وكان من أكبر أهدافه القضاء على مدرسة الأسكندرية الوثنية مما جعل هذه الحركة أكبر كارثة حلت بمكتبة الأسكندرية وإن كان قد نجا بعض من الكتب واستمرت الإسكندرية مركز للمعرفة والتعليم حتى القرنين الخامس والسادس حتى الفتح العربى ، وليس هناك مايدل على أن العرب قاموا بحرقها بعد الفتح بل من الثابت أن العرب سمحوا بإستمرار التعليم القديم فى الإسكندرية إذ حضر يعقوب من إيديسيا إلى الأسكندرية فى سنة 680 م ليتم تعليمه بها .

 

 

 

عمـارة العصـر القبطـى الدينيـة

إعتمد تخطيط الكنيسة المصرية على ثلاث أنواع رئيسية من التخطيط هى التخطيط البازيليكى والتخطيط البيزنطى والتخطيط القبطى، وكل طراز له مميزاته الخاصة إلا أن هناك مميزات عامة تجمع تلك الطرز.
ونجد الكنائس المصرية قد جمعت فى معظم الأحيان بين طرازين أو ثلالث ويعتبر الطراز البازيليكى أقدم الطرز المعمارية الثلاثة فى تخطيط الكنيسة المسيحية وهو طراز إنتشر إلى حد كبير فى سائر أرجاء العالم، ويرجع مصدر الطراز البازيليكى  إلى عدة أصول فمن الباحثين الأجانب من ينسبه إلى أصول العمائر الرومانية القديمة التى كان يمثلها أساساً ساحة العدل عند الرومان حيث كانت تعقد فيها المحكمة الرومانية بالإضافة إلى اعتبارها مكاناً لإنجاز الأعمال التجارية ، ولقد كان هذا البناء يتألف من شكل مستطيل مقسم إلى أروقة ثلاثة أوسعها الأوسط ويسمى الرواق الكبير وفى نهايته يوجد حنيه وكان يقع من الناحية الشرقية ويواجهه المدخل الرئيسى فى الناحية الشرقية ، ويحيط الرواق الأوسط من الجانبين صفين من البواكى والرواق الأوسط كان أكثرهم إرتفاعاً ، وهناك رأى اّخر يرجع مصدر التخطيط البازيليكى إلى العصر الفرعونى كما فى قاعة الأعمدة الضخمة فى المعبد المصرى القديم للدولة الحديثة ويؤكد ذلك تحويل بعض المعابد الوثنية المصرية إلى كنائس مسيحية غداة إعلان الدين المسيحى ديناً رسمياً لمصر فى نهاية القرن الرابع الميلادى .
ولقد أضافت الكنيسة المصرية بعض العناصر المعمارية إلى جوهر التخطيط سواء المصرى القديم أو البازيليكى وهذا مانجده واضحاً فى كنائس مصر فى الوجه القبلى أو الوجه البحرى أو فى كنائس القاهرة ، أما التخطيط البيزنطى فقد إنتشر إنتشاراً كبيراً فى العالم المسيحى وقد إعتبره أبناء الشرق الأدنى البناء المفضل الذى يناسب البناء المقدس للكنيسة المسيحية..ونلاحظ أن التخطيط البيزنطى مربع الشكل فى حين أنه فى البازيليكى مستطيل الشكل ، كما تمتاز الكنائس البيزنطية بإستخدام القباب فى تغطية المساحات ذات الشكل الصليبى كما لعبت القبة المركزية الدور الرئيسى فى وسيلة تغطية الجزء المربع الذى يتوسط التخطيط الصليبى فى الكنيسة البيزنطية ، كما إستخدم المعمار أنصاف القباب والقباب الصغيرة والأقبية المختلفة فى حين كانت تغطى الكنيسة البازيليكة بسقوف مسطحة وجمالونية الشكل ولقد ترتب على وسيلة التغطية فى الكنيسة البزنطية بالسقوف المقبية أن حل الأيوان المربع محل الرواق المستطيل فى الكنيسة البازيليكية وأصبح على كل جوانب المربع ذراع قصير يغطيه قبو وبذلك يصبح مسطح الكنيسة على شكل الصليب بحيث يتجه النظر مباشرة فى الكنيسة البيزنطية نحو القباب بدلاً من ان يتجه فى الكنيسة البازيليكة نحو الحنية الرئيسية APSE  ويذكر بتلر ان إطلاق لفظ بيزنطى على هذا الطراز إنما هو خطأ كبير إذا أن القبة عرفت فى مصر منذ أيام الفراعنة وعنها أخذا الإغريق وكل الغرب ، كما إن إنتشار المسيحية فى مصر قبل غيرها من بلاد العالم هو الذى هيأ لها أن تبدأ فى إقامة المنشاّت الدينية قبل أى مكان فى العالم ورغم ذلك فإننا لا نجد بمصر
المرجــع : د. سعاد ماهر
             الفن القبطى 1977 – مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب
كنيسة واحدة يمكن الحكم عليها بهذا النوع من التخطيط البيزنطى ويعتبر التخطيط القبطى مزيجاً من العناصر المعمارية البازيليكية ، بالإضافة إلى بعض العناصر المعمارية المحلية ، على أنه يمكن أن نتتبع بعض الخصائص المعمارية للكنيسة القبطية من طبيعة تخطيطها والتعرض لإجزائها المعمارية ، ونجد الكنيسة القبطية قد إعتمدت على النوع المستطيل المستمد من التخطيط البازيليكى والنوع المربع المستمد من الكنيسة البيزنطية ولكن كنائس هذا النوع قليلة .
نموذج من العمارة القبطية فى مصر :

  • الكنيسة المعلقة فى مصر القديمة ( القاهرة )

عرفت بالمعلقة لوجود بنائها على برجين من ابراح الحصن الرومانى والذى يبلغ إرتفاع كل منها ثلاثة عشرة متراً ، وتعتبر هذه الكنيسة من اهم الكنائس القبطية إذا أنها كانت على مر  العصور مقراً لرسامة البطاركة أو لعقد الإحتفالات الدينية الكبيرة أو لمحاكمة بعض الخارجين عن الطقوس الدينية .
ولقد أسهب مؤرخوا العصور الوسطى فيما كانت تحويه هذه الكنيسة من النفائس الثمينة التى شملت الأقمشة المذهبة الحريرية الكهنوتية كما كان بها عدداً كبيراً من الأوانى الثمينة والمباخر بعضها من الذهب وبعضها من الفضة ، وقد أعيد تجديد الكنيسة فى نهاية القرن الثامن عشر الميلادى وأدخل على عمارتها كثير من التعديلات ، كما قام المرحوم نخلة الباراتى أحد اثرياء الأقباط بإعادة تجديدها مرة أخرى فى الربع الأخير من القرن التاسع عشر الميلادى .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مراحل تطـور العمـارة فى مصـر فى العصر الإسلامى

نشأت العمارة الإسلامية فى بلاد مختلفة ، وتأثرت بكل بلد حلت فيه وأصبح لكل بيئة اّثرها فى عماراتها  ولقد ضاع معظم هذا التراث الحضارى " وذلك بفعل الحروب أو الإهمال أو بفعلهما معاً " من كثير من تلك البلاد ولكن كان لمصر حظاً كبيرا فقد بقى فيها جانب كبير من هذا التراث لنشاهده فى مساجدها وكنائسها وفى مدارسها وقبورها وفى جوامعها وقلاعها وأسوارها وفيما تنطوى عليه جميع متاحفها الإسلامية من تحف منقولة وتكون هذه الآثار ، سواء ماكان منها منقولاً أو ثابتاً ، سلسلة متماسكة الحلقات تنظم العصور المختلفة للحضارة الإسلامية ففى مصر آثار من عصر الراشدين ، وفيها آثار من عصر الأمويين وفيها آثار من عصر العباسيين وفيها آثار يتجلى فيها المذهب الشيعى أيام الدولة الفاطمية وآّثار تنطق بإستعادة المذهب السنى أيام الدولة الأيوبية وهكذا... حتى الدولة المملوكية فالعثمانية إلى العصر الحديث .
وهذه الميزة التى تتمتع بها مصر دون غيرها من بلاد العالم الإسلامى إنما ترجع إلى أمرين ، الأول أنها كانت بمناجاه من بعض الكوارث التى تعرض لها العالم الإسلامى لاسيما فى جانبه الشرقى والثانى أن الشعور بأهمية تراث الماضى قد أستيقظ فيها قبل غيرها من البلاد الإسلامية فقامت بالكشف عنه والمحافظة عليه ، وتقوى ما يتداعى منه وتكمل ماضاع من أجزائه ، وتسعى جاهدة لكى تجليه على الناس .
وتعتبر الفسطاط أولى العواصم التى شيدها العرب فى مصر نقطة الإبتداء فى هذا العرض الموجز ، فخرائبها التى كان للمرحوم على بهجت وجابريل فضل الكشف عنها سنة 1912 تروى لنا فصل من التاريخ ، فقد بدأت بداية أولية ينم عن بساطة منشئيها ، ثم تطورت بمرور الزمن حتى وصلت إلى ماوصلت إليه المدن الراقية ، والأثر الوحيد القائم من خرائب هذه المدن هو جامع عمرو بن العاص الذى بناه فاتح مصر سنة 20هـ على مساحة مربعة من الأرض وقامت حوائطه المبنية من الطوب اللبن على أسس من الحجر وله سقف من الجريد على ساريات من جذوع النخل ، فبعد أن فتحت جيوش عمرو بن العاص بأمر من الخليفة عمرو بن الخطاب مصر ، راعى عمرو فى إختيار هذا الموقع ، مايراعيه القدماء فى إنتخاب عاصمة عند رأس الدلتا تشرف على جميع طرق الملاحة فى فروع النيل السبعة وعلى جميع طرق القوافل فى الصحراء ، ويسهل إنتقال الجيوش منها إلى أى جهة من الوجه القبلى او الوجه البحرى ، وهكذا أنشأت مدينة الفسطاط وقد نشأت كما تنشأ المدن قديماً وحديثاً ، فالجامع أولاً – مثل المعبد فى العصور القديمة – ثم المدينة من حولها ، وعمرت مدينة الفسطاط بعد سنة واحدة من إنشائها وإتسعت ، ولم يكن البنيان فى أول الأمر مرتفعاً ، إذ كانت البيوت طبقة واحدة فى الإرتفاع .

 

 

 

 

العــصــر الأمـوى فى مصــــر
 ( 38 – 133 هـ ) ( 685 – 750 مـ )

 وفى الفترة من 38 – 133 هـ توالى على مصر ولاه من الدولة الأموية فزيد فى جامع عمرو بن العاص وجدد عدة مرات ، وبنيت له على يد مسلمة بن مخلد أربع صوامع فوق أركانه الأربعة وكانت اول ماعرف من المآذن فى مصر ثم أعاد الوالى قرة بن شريك بناءه سنة 92 هـ ، وأحدث فيه المحراب المجوف ، والواقع أن المساجد الأولى لم تكن لها مآذن ولا مقصورة ولا محارب مجوفة ، أما المآذن فلم يعرفها المسلمون فى عصر النبى .

        وهكذا نرى أن فن العمارة الإسلامية ولد فى عصر بنى أمية ولكنه نما وترعرع سريعاً وتأثر بالاساليب الهيلنتية التى كانت موجودة فى الشام فى ذلك الوقت فكانت من أثاره عمائر يبدو فيها أن المسلمين أفادوا من فتوحاتهم ووجدوا أكثر من العناصر الفنية فى أجزاء دولتهم وألفوا منها طرازاً ممتازاً ظهر فى عاصمتهم الجديدة ( دمشق ) أما فى مصر فلم تتأثر كثيراً واستمرت كذلك المبانى فى الفسطاط وتوسعت فبنيت فيها الحمامات والأسواق والقباب والجوامع والمساكن ولكنها ظلت مدينة بسيطة ، لم يرتفع البناء عن دور واحد والجامع عن مساحة صغيرة لا تزيد عن 50 ×30 ذراعاً من الطوب اللبن .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

العـصــر العبـاســى فى مـصـــر
( 133 – 254 هـ ) – ( 750 – 680 م  )

إزدهر الطراز العباسى بعد سقوط بنى أمية ويمتاز هذا الطراز فى العمائر الإسلامية بإستخدام الأجر وبالتأثير بالأساليب المعمارية الساساينة وبتفضيل الأكتاف أو الدعامات على الأعمدة فى حمل البوائك ، كما تمتاز أيضاً بالإقبال على إستخدام الجص فى كسوة العمائر.
وقد أنشأ الولاه فى شمال الفسطاط وعلى مقربة منها عاصمة جديدة هى العسكر التى ضاعت معالمها ولكننا نستطيع أن نتصور موضعها فى المنطقة الغربية من المدبغة النموذجية ومسجد أبى السعود والأثر الباقى من هذا العصر العباسى والذى يعتبر أقدم أثر إسلامى محتفظ بشكله هو مقياس النيل لجزيرة الروضة الذى أمر بإنشاءه الخليفة المتوكل سنة 245 ه وفيه أقدم طراز للكتابة الكوفية فى مصر .
وفى عصر إبن طولون إستقلت مصر عن الخلافة العباسية وأنشأ مؤسسها عاصمة جديدة إلى الشمال من مدينة العسكر سماها القطائع وشيد فيها مسجده الرائع وقد تم بناء الجامع الطولونى سنة 265 هـ-878 م وهو يتكون من صحن مربع مكشوف وتحيط به الأروقة من جوانبه الاربعة وتقع القبلة فى أكبر هذة الاروقة وهناك ثلاثة أروقة خارجية بين جدران الجامع وبين سوره الخارجى وتسمى الزيادات وقد شيد جامع بن طولون باجو أحمر داكن وأقواس الأروقة محمولة على أكتاف أو دعامات ضخمة من الأجر تكسوها طبقة سميكة من الجص ، ولهذه الدعائم أعمدة من الأجر مندمجة فى زواياها الأربعة ولكنها للزينة فحسب لأن الثقل واقع على الدعائم نفسها ومنارة الجامع الطولونى تتكون من قاعدة مربعة تقوم عليها طبقة إسطوانية وعليها طبقة أخرى مثمنة ، وأما السلالم فمن الخارج على شكل مدرج حلزونى وأبنية الجامع الطولونى مغطاه بطبقة سميكة من الجص ، وعلى أجزاء كبيرة منها زخارف هندسية وبناية جميلة مأخوذة عن الزخارف فى سامرا .
أما المنزل الطولونى الذى كشف عنه المرحوم حسن الهوارى سنة 1934 بالقرب من منطقة أبى السعود من الأمثلة النادرة للعمارة المدنية فى مصر ، وهو فى تخطيطه وزخرفته يسير على نهج دور مدينة الفسطاط .
أما فى عصر أبنه خمارويه فقد بالغ فى العمارة وفى الفن ، وتبذل فى الترف والزينة فى مقره الذى بناه حيث كسى حوائطه بالذهب الخالص ونقش عليها صورة نساءه ومحظياته ، وأعد بالقصر بحيرة من الزئبق وحديقة كتب علي بساطها أبيات من الشعر بالنباتات ، وبقيت هذه التحف حتى جاء محمد بن سليمان وبأمر من الخليفة العباسى دمرها ليمحو كل أثر للطولونين ماعد الجامع .
 وفى عصر الدولة الأخشيدية كثرت الثورات الداخلية فى البلاد ولم تعد على أثر يذكر .
 

 

 

الـــدولـــة الفاطـــميــــة
( 385 – 567 هـ ) ( 969 – 1170 م )

أما العمائر فى العصر الفاطمى فأهم مابقى منها إلى الآن الجامع الأزهر وجامع الحاكم ، وجامع الأقمر وجامع الصالح طلائع ، فضلاً عن اسوار القاهرة .
أما الجامع الأزهر فأول جامع أنشىء فى القاهرة ، بناه القائد جوهر الصقلى بإسم الخليفة الفاطمى المعز لدين الله وتمت عمارته سنة 361 هـ -972 م ، وقد زادت مساحة هذا الجامع حتى بلغت ضعف مساحته الاولى واضيفت اليه زيادات جعلت أجزاءه المختلفة معرضاً للعمارة الإسلامية المصرية منذ العصر الفاطمى وعصر الأسرة العلوية وأهم أجزائه التى ترجع إلى العصر الفاطمى العقود التى تحيط بالصحن وعقود المجاز ذى السقف العالى والعقود المرتفعة عن مستوى إرتفاع الأيوان ويؤدى هذا المجاز إلى المحراب القديم فى إيوان القبلة . ومن الأجزاء الفاطمية أيضاً الزخارف والكتابات فى المجاز وفى المحراب القديم وبدأ تشييد جامع الحاكم سنة 380 هـ ( 990 م) على يد الخليفة الفاطمى العزيز بالله ، ولكنه لم يتم إلا فى عصر الحاكم بأمر الله سنة 403 هـ (1013 م) وهذا الجامع مشيد بالآجر ماعدا المآذن من الحجر ، أما جامع الأقمر أنشأه الخليفة الفاطمى الأمر بأحكام الله سنة 519 هـ (1125 م)  ، ولعل أبدع مافى هذا المسجد الصغير وجهته الغربية الحجرية الغنية بشتى أنواع الزخرفة ، أما جامع الصالح فقد تم عمارته سنة 555 هـ (1160 م) فهو بذلك آخر الجوامع التى شيدت فى العصر الفاطمى ومؤسسه هو الملك الصالح طلائع بن رزيك وزير الخليفة الفاطمى القائد بنصر الله .
وقد أنشئت بالأسكندرية فى نهاية العصر الفاطمى مدرستان وكانتا للمذاهب السنية ، كذلك ترك الفاطميون بأسوان بعض المدافن ومدفن مسجد الجيوش بجبل المقطم .
أما أهم العمائر المدنية التى خلفها الطراز الفاطمى فأسوار مدينة القاهرة وكان للسور الذى شيده جوهر من اللبن سبعة أبواب ، باب زويلة فى الجنوب وباب الفتوح وباب النصر فى الشمال وباب القرافين ( الذى سمى فيما بعد بالباب المحروقى فى الشرق وباب الفرح وباب السعادة فى الغرب ) ثم أضيف لهذه الأبواب باب سابع منذ عامين من تأسيس القاهرة وهو باب القنطرة ، وقد تهدم هذا السور وجدده بدر الجمالى وزير المنتصر سنــة 480 هـ ويمتاز هذا السور الذى لاتزال بعض أجزائه قائمة بأنه من الحجر .
والملاحظ فى عمارة سور القاهرة وأبوابها الفاطمية انها متأثرة إلى حد كبير بالأساليب الفنية البيزنطية فى سوريا أما قصور الفاطميين فلسنا نعرف عنها إلا ماجاء فى كتب التاريخ والآثار والرحلات فى العصور الوسطى  وهما القصر الشرقى الكبير والقصر الغربى الصغير وقد وصفها المقريزى إلى حد كبير فى الخطط وقد قام ( هرتزفيلدوسار ) بتمثيل حدودهم ويقال أن المارسيتان الناصرى الموجود الآن والمعروف بمستشفى العيون فى شارع المعز لدين الله كان مقر لست الملك أخت الحاكم بأمر الله وأنه أستمر على حاله وأدخل بعض التعديلات ليصبح ماريستانا  ويعطى فكرة ولو بسيطة عن تصميم هذه القصور .
وآخر ماذكره من العمائر الفاطمية " الحمام الفاطمى " الذى كشف عنه المتحف الإسلامى بالقاهرة سنة 1934 م وهو يقع بالقرب من المنزل الطولى .
وقد زار الرحالة الإيرانى ناصرى خسرو القاهرة فى القرن الخامس الهجرى ( 11م ) ووصف الفسطاط التى تطورت ووصلت إليه المدن الراقية فى عصرنا الحاضر فقد كان فيها الأحياء الراقية بعمائرها العالية التى وصل بعضها إلى أربع عشرة طبقة ووقف بعضها عند سبع طبقات حيث أنشئت حديقة فيها الأشجار والأزهار من سائر الأنواع.
 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الــدولـــة الأيوبــيـــــة
(567 -648 هـ / 1171  -1250 م )

كان إستيلاء صلاح الدين على مقاليد الأمور فاتحة عصر جديد فى تاريخها إزدهر فيه عنصران من عناصر الإسلامية :-
الأول  : المدارس التى شيدت لنشر المذهب السنى ومحاربة المذهب الشيعى .
الثانى   : تطور بناء الأسوار والأستحكامات والقلاع بتأثير ماعرفه المسلمون عند الصليبيبن .
وقد أمر صلاح الدين سنة 1167 م ببناء سور يحيط بالقارة ومصر ( القطائع والعسكر والفسطاط ) وبتشييد قلعة الجبل وجعل الأشراف على هذا البناء للأمير بهاء الدين قراقوش ، وجلبت مواد البناء من بعض أهرام الجيزة وساعد فى العمل ألوف من أسرى الفرنج ، وقد أضيف إلى القلعة بعد صلاح الدين أجزاء كثيرة كما حدث فيها تعديل غير بعض معالمها الأولى،ومن العمائر التى ترجع إلى العصر الأيوبى قبة الأمام الشافعى التى أنشأها سنة 211 م الملك الكامل محمد كذلك المدرسة الصالحة بخط بين القصرين التى أنشأها الملك الصالح نجم الدين أيوب سنة 242 م ولم يبق منها الآن إلا جزء صغير ، كذلك الأيوان المعروف بإيوان الثعالبة وتعتبر قبة شجرة الدر كذلك من الاثار الأيوبية .
أما المبانى التى نقرأ عنها فى بطون الكتب فهى جزيرة الروضة وقد وصفها علماء الحملة الفرنسية فى كتاب وصف مصر ولم يبق شىء منها .
يقول إبن جبير الذى زار مصر 578 هـ ، المسخرون فى بناء هذا السور والمتولون لجميع إمتهاناته ومسئوليته العظيمة كنشر الرخام ، ونحت الصخور وحفر الخندق المحدق بالسور ، هم الأسرى من الروم (الصليبين) وعددهم لا يحص كثرة .
وقد زخرت القاهرة بالدور الضخمة والمنازل الرحيبة والأسواق الممتدة والخوانق الفاخرة وغالب مبانيها بالأجر وجوامعها ومدارسها وبيوت رؤسائها مبنية بالحجر المنحوت مفروشة الأرض بالرخام وغالب سقوفها من أخشاب النخل والقصب المحكم الصنعة وكلها أو اكثرها جرى تبيض جدرانها بالكلس الناصع البياض ولميل أهلها إلى تعلية المساكن ، فأرتفعت بعض الدور إلى طبقتين وأربع طبقات وفى كل طبقة مساكن كاملة بمبانيها ومرافقها ويصف البغدادى الذى زار القاهرة زمن الدولة الأيوبية ماجرى من نشاط فى البناء والعمارة فيشير إلى أنهم إذا أرادوا أبناء ربع أو قيصارية ، تولى ذلك العمل مهندس فيقسم الأرض إلى أجزاء ويعمر كل جزء على حده بحيث يجرى الإنتفاع به والسكن فيه ويستمر العمل على هذا النحو حتى تتم عمارة الأجزاء كلها ويصف مظاهر الإهتمام ببناء المراحيض بالدور وإحكام قنواتها حتى إذا تخربت الدار ظلت القناة قائمة وحرص أرباب الدور على أن يمعنوا فى حفر المرحاض حتى يصل الماء الجوفى فلايحتاج إلى الكسح ، ويذكر البغدادى عن الحمامات بالقاهرة أنه لم يشاهد فيما زاره من البلاد أتقن منها صنعاً ولا إحكاماً ولا أحسن منظراً .

 

العــصــر الممـــلوكــــى
( 648-923 ه / 1250-1517 م )

لقد إشتقت كلمة مملوك من فعل " يملك " وكانت تستخدم للإستدلال على الرجال من العبيد البيض الذين اسروا فى الحرب أو جلبوا من الخارج وهناك نوعين من المماليك ، المماليك البحرية ( 1250-1390 ) وهؤلاء من الأتراك أو المغول وقد أختص بهم السلطان الصالح واصبحوا رؤساء فى جيشه وورثوا عرشه بعد مماته .
والنوع الثانى من المماليك هم المماليك البرجية ( 1382 -1517م ) معظمهم من غير العرب وقد جلبوا معظمهم بواسطة السلطان قلاوون ، وقد ورثوا العرش بطرق غير شرعية إما بالقتل أو الغدر او الخيانة أكثر منها بالطريق الرسمى ولكن بالرغم من حالة هذه الفوضى السياسية فلقد إزدهرت العمارة وإبتكرت من الأشكال الجديدة فى كلا المرحلتين .
فلا ريب أن عصر دولتى المماليك فيما بين عامى ( 648-923 هـ ) (1250 -1517 م) هو العصر الذهبى فى تاريخ العمارة الإسلامية فى مصر فقد كان الإقبال عظيماً على تشييد العمائر من جوامع ومدارس وأضرحة وحمامت ووكالات وأسبلة ، كما ظهر التنوع والإتقان فى شتى العناصر المعمارية من وجهات ومنارات وقباب جصية ورخامية .
ويعتبر بيبرس البندقراى (1260 -1277 م) أول هؤلاء السلاطين وأعظمهم فبعد أن قضى على البقية من الصليبين وأنقذ مصر من التتار وأعاد للخلافة العباسية هيبتها فى مصر بعد أن دمر المغول بغداد ، ويبقى جامع الظاهر بيبرس بالظاهر من النماذج المعمارية الجميلة ( 1267-1269 م) ، حيث نجد تخطيطه شبيه بالجامع الحاكمى ، فقد برزت المداخل الرئيسية للخارج وكذلك الأركان الأربعة للجامع وقد استغلت الدعامات والأعمدة فى حمل البواكى أما
 ( الأقواس ) فهى مائلة ومدببة وهى تشبه حدوة الفرس إستعملت لزخرفة الحينات واستمرت هكذا .
أما مجموعة قلاوون ( المدرسة والمدفن والماريستان ) بعد ان تم بناؤه فى فترة وجيزة من (1284 -1285) .
وقد وجه المبنى جميعاً ناحية القبلة إلى مكة ، أما الشبابيك المزدوجة العميقة الدخول ومرتدة عن الواجهة توحى بالطراز الرومانسى الغربى وتغطى الواجهة شكلاً نادراً فى العمارة الإسلامية .
وتعتبر مدرسة السلطان حسن من الأمثلة المعمارية العظيمة التى لايمكن أن تنسى وقد بدأ العمل بها 1356 وأنتهى سنة 1363 تقريباً بعد موته ، وهى على هيئة الشكل المتعامد بمقياس ضخم ، فالصحن يصل مسطحه إلى 100 قدم ولما كانت المدرسة الأولى فى مصر ذات الأربعة أيونات هى مدرسة بيبرس (1262-1263 م) تقريبا بعد موته وهى على هيئة الشكل المتعامد بمقياس ضخم والصحن يصل مسطحه الى 100 قدم ولما كانت المدرسة الاولى فى مصر ذات الاربعة أيونات هى مدرسة بيبارس (1262 – 1263 م ) ولم يبقى شىء منها الآن الا أجزاء قليلة فإن الثانية هى مدرسة السلطان حسن ذو المدخل المنحنى ويعتبر المدخل من أجمل وأضخم المداخل فى المساجد الإسلامية.
أما الصحن فهو من أكثر الأماكن تأثيراً فى النفس وتمتاز بنسب قل أن نجد مثيلاً لها فى العمارة الإسلامية والحق أن لهذا الجامع مظهراً جليلاً ومساحة هائلة وتصميماً عجيباً وحدوداً مترامية وقبة عظيمة وأبواباً فخمة وأيوانات عالية وزخارف جميلة مما جعله أكمل العمائر الإسلامية فى العصر المملوكى وأكسبه شهرة عالية وعظيمة تمثل مسجد الإسلام وقدوته وقد كشف عن كتابة تاريخه فى هذا الجامع يتجلى منها إسم مهندس هذا  الجامع وهو محمد أبن  بيليك المحسنى .
وذاع بناء المدافن الكبيرة فى عصر المماليك وهى تتشابه فى تصميمها إلى حد كبير وتفخر القاهرة بأن فيها مجموعة طيبة من هذه الأضرحة تعرف خطأ بإسم قبور  الخلفاء والحق أنها اضرحة المماليك ، ولعل أبدعها مدفن وخانقاه برقوق ومدفن قايتباى ومدفن يارسباى .
أما مدفن برقوق فقد أمر بإنشائه الملك الظاهر برقوق قبل وفاته ، ولكن تم على يد أبنه الناصر فرح سنة 813 هـ (1410 م) وروعى فى تصميمه أن يكون فى الوقت نفسه مسجداً كبيراً وضريحاً للظاهر برقوق وأفراد أسرته وخانقاه لإقامة الصوفية ، أما مدفن قايتباى فهو من أعظم المدافن المملوكية شهرة وهو بالصحراء الشرقية وقد تم بناءه سنة 489 هـ سنة (1474م) وهو مجموعة رشيقة متناسبة الأجزاء تتألف من مدرسة وسبيل ومدفن وكتاب أو يقال أن عصر السلطان قايتباى يعتبر قمة من الناحية المعمارية فى العمارة ومن أجمل وأرق ماوصل إلينا فى العمارة الإسلامية ، ومن مجموعات العمائر المملوكية العظيمة الشأن فيه مدرسة ماريستان قلاوون وقد شيدت على جزء من أرض القصر الغربى الفاطمى وتمت عمارتها سنة 684 هـ سنة 1285م ولهذه المجموعة مدخل رئيسى يمتاز بما فيها من حنايا جميلة محمولة على عمد رخام .
أما العمائر المدنية فى عصر المماليك ، فلم يبق منها إلا بعضها وأجزاء منها وأهمها جميعاً ، القصر الذى شيده الأمير بشتاك على جزء من أرض القصر الشرقى الفاطمى عام 735هـ -1334م ، ولم يبق منه غير جزء من الواجهة ثم المدخل والقاعة الكبرى وما يحف بها من حجرات ، وتمتاز هذه القاعة بجمال سقوفها المذهبة والزخارف الخشبية فضلاً عن الفسقية الرخامية التى تتوسطها .
ومن منشآت الأمير بشتاك حمام بشارع سوق السلاح بالقاهرة ، يرجع إلى نحو 740هـ -1339م ولكن لم يبق منه إلا مدخله المكسو بالرخام الملون.
ومن آثار القصور المملوكية ، مدخل الأمير يشبك قوصون خلف مدرسة السلطان حسن ويرجع إلى القرن الثامن الهجرى (14م) وبقايا قصر الأمير طاز بشارع السيوفية ومن أشهر العمائر المدنية المملوكة ، مدخل ووكالة الأمير قوصون ومدخل وكالة قيتباى بباب النصر وخلف الأزهر ، ومقعد الأمير ماماى المعروف بإسم بيت القاضى ووكالة الغورى بشارع التبليطة ، وقد وصلت بعض الأسماء من مهندس العصر المملوكى نذكر منهم – محمد أبن بيليك المحسنى – بانى جامع السلطان حسن ، كذلك أبن السيوفى وهو كبير مهندسى الناصر محمد بن قلاوون ،كذلك أبن الطولونى، وذاع صيته خارج مصر ولقب بالمعلم .

 

 

العمـارة فى العصـر العثمانــى
1517م -802 م

فى بداية القرن الثامن الهجرى (14م) أغار المغول على دولة السلاحقة فى آسيا الصغرى وأفلحوا فى القضاء عليها  وأفاد من ذلك أرطفرل جد الاتراك العثمانيين فأستقل بالمقاطعة التى كان السلاحقة قد اقطعوا أباه إياها .
وهكذا قامت الدولة العثمانية ، وعملت بعد ذلك على مد سلطانها فى آسيا الصغرى ثم البلقان ثم إتجه العثمانيون فى فتوحاتهم إلى الشرق والجنوب فبسطوا سلطانهم على بلاد الجزيرة العربية والشام ومصر ومالبثوا أن إتخذوا لقب الخلافة الإسلامية وخضعت لهم جزيرة العرب وأمتد نفوذهم إلى شمالى أفريقيا وإزدادت هبة الدولة العثمانية وأزدهرت الفنون فيها.
وفى مصر يلاقى السلطان الغورى مع السلطان سليم العثمانى فى موقعة مرج دابق وكانت الدائرة على الغورى، وتشتت الجيش واصبح الطريق مفتوحاً إلى القاهرة و واصل سليم خايربك نائباً عنه. سيره إليها ودخلها بعد مقاومة من جانب السلطان طومان باى ومكث بها مدة إلى أن أستتب له الوضع وولى على مصر الأمير خاير بك نائبا عنه0
وقد أخذ سليم قبل رحيله عن القاهرة جميع الصناع المهرة من بنائين ومرخمين ونجارين وأرباب الصنائع من كل فن وترك القاهرة خالية الوفاض .
وكان لهزيمة مصر على يد العثمانية أثره على الحياة الفنية فى مدينة القاهرة وخاصة الفنون البنائية ، فبعد أن كان بها السلطان وهو المحرك الأول للحركة البنائية ويتبعه الأمراء فى ذلك تلاشى ذلك الأمر وانتهت السلطة من مصر وهذا ما أفقد حركة البناء حيوتها وأصبحت المبانى التى تبنى ليست فى عظمة وأبهة مبانى السلاطين وأمراء المماليك وعند رحيل الصناع والحرفيين المصريين وإحلال صناع أخرين محلهم ، كذلك بعد موت السلطان سليم وتولية أبنه سليمان سمح لعودة الصناع المصريين ، وهذا عمل على تطعيم هؤلاء الصناع بأساليب ومهارات جديدة.
فنجد فى مجال نظام المساجد ، فقد ألغى مناصب القضاه الأربعة التى عرفت فى العصر المملوكى وإحلال قاضى تركى يتبع مذهب الدولة العثمانية وهذا أدى إلى إختفاء نظام المدارس ذات الأيونات الأربعة الذى كان متبعاً فى الدولة المملوكية .
ولهذا فقلما تتجاوز بحوث أكثر المشتغلين بدراسة العمارة الإسلامية فى القاهرة العصر المملوكى فهم يعتبرون أن معظم الآثار التى شيدها العثمانيون فى مصر غير جديرة بالعناية ، ومن هؤلاء من يقول بأن طراز تلك المشيدات لا يخرج عن طراز أبنيتهم فى أستنبول ، فهى من هذه الناحية " عثمانية " ليس ثمة علاقة بينها وبين الطرز الفنية التى نشأت على ضفاف النيل .
ومما لا شك فيه أننا إذا نظرنا إلى بعض مبانى القاهرة التى يرجع تاريخها إلى عصر الإنتقال بين حكم المماليك وفتح العثمانيون ، وجدنا أموراً طرأت على طراز العمارة التى كانت شائعة إذ ذاك ، فهنا إمتزاج بين الأثنين ومن أمثلة ذلك ، مسجد خير بك ، ومسجد أمير أخور ومسجد بيبرس الخياط .
وقد حمل العثمانيون فى بلادهم ( القسطنطينية ) النظام البيزنطى ( أيا صوفيا) واتبعوها فى عمارة مساجدهم، فلقد حولوا كنيسة أيا صوفيا إلى مسجد وأضافوا بها 4 ماّذن فى الأركان الأربعة ، وعلى هذا المنوال صارت عمائرهم وتقدمت بفضل مهندسيهم العظيمين سنان باشا ، وقد إنتشر هذا النظام فى مصر فبدلاً من الجوامع ذات الأيونات إنتشر نظام المساجد التركية لذلك إستمرت المساجد القديمة جنباً إلى جنب مع المساجد الجديدة ومن امثلة ذلك – مسجد خاير بك ومسجد سارية بالقلعة ، ومسجد المحمودية ، جامع سنان ببولاق ومدرسة الملكة صفية ومسجد البردينى ، جامع أبو الذهب وقد جددوا بعض الجوامع والمساجد ونخص منهم عبد الرحمن كتخرا فقد قام بأعمال كثيرة وعظيمة فقد شيد أو جدد ثمانية عشر مسجداً وأقام الزوايا والمدارس والأسبلة والصهاريخ والبيوت والأسواق وأوقف على تلك المنشآت أوقافاً هامة.
وكثر فى العصر العثمانى تكايا الدراويش والأسواق والوكالات كذلك كثرت عدد الأسبلة ، وبعد أن كان تلحق بالمدرسة قد أصبح فى هذا العصر مستقلاً ، قائماً بنفسه مع مايتجلى فيه من نقوش وزخرفة وإستخدام الرخام وخلافه مثل سبيل خسرو باشا سبيل أم عباس سبيل عبد الرحمن كتخرا ، ومعظم الوكالات والمنازل والأسبلة الموجودة إلى الآن ، معظمها من العصر التركى فبنيت الكربتلة ، بيت السحيمى ، بيت عثمان كتخرا 000 كذلك الوكالات وكالة بازعة ، ربع الحمص، وكالة السكرية ، الغورى .
وكانت مصر ملجأ للشعوب العربية ممن فروا أمام التتار فى العراق وفارس وسوريا وخراسان ، واستظلت العلوم والآداب برعاية الملوك والسلاطين فى مصر ونبغ منها طائفة من فطاحل الشعراء والآدباء والعلماء ، كالبوصيرى صاحب البرده ، والسراح والوراق ، وأبن نباته المصرى أو القلقشندى صاحب " صبح الأعش " والأبشيهى صاحب " المستطرف " وأبن منظور صاحب " لسان العرب " وإبن هشام النحوى ، وشمس الدين السخاوى صاحب " الضوء اللامع " وأبن خلكان المؤرخ صاحب " وفيات الوعيان " والصينى مؤرخ والذهبى والنويرى صاحب نهاية الأرب وأبن تعزى بردى صاحب النجوم الزاهرة وجلال الدين السيوطى والدميرى وأبن إياس المؤرخ الذى أدرج الفتح العثمانى وأرخ له.
واما فى عهد الولاه العثمانيين والبكوات الممالك ، فقد إضمحلت الآداب العربية وخمدت القرائح وأصبحت القاهرة بعد ان كانت مدينة خليفة المسلمين وعاصمة دولة مستقلة ومشعل الشرق العربى ، عاصمة لولاية تابعة للإستانة ، وصارت مخاطبات السلاطين والولاة باللغة التركية ، بعد أن كانت العربية لسان الحكومة حتى نهاية دولة السلاطين والجراكسة ، وأندثرت المدارس التى كانت زاهرة فى عصور الفاطميين والأيوبيين وخلفائهم السلاطين البحرية والجراكسة ، وتبددت خزانات الكتب التى أنشأها الفاطميون والمماليك .
هذه هى القاهرة فى أثناء الإحتلال العثمانى ، فهل إمتدت مساحاتها وإزداد عمرانها ؟ إننا نجد جواباً سلبياً على هذا السؤال فقد تدهورت القاهرة وخربت فى أثناء حكم العثمانيين .
دخل الأتراك مصر فوجدوا لها عاصمة زاهية مجيدة أحتلت لنفسها مركزاً سياحياً بين عواصم الدول الشرقية والغربية فكانت مكانة القاهرة لا تقل عن مكانة الإستانة ، ولم يكن قد مر عليها أكثر من ستة قرون منذ أنشأها جوهر وشاهد الأتراك مدينة تزدحم بالقصور والعمائر والمساجد والوكالات والمدارس لكنهم أهملوها ففقدت تدريجياً هيبتها الأولى .
وبدخول نابليون بونابرت القاهرة سنة 1797 تنتهى قاهرة القرون الوسطى لتبدأ مصر فى دخولها مرحلة – مصر الحديثة – وهى بالطبع إمتداد للقاهرة القديمة ويظهر محمد على على مسرح الأحداث وتبدأ مصر الملكية .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عصر محمد على باشا
1805 – 1848 م

بعد خروج الحملة الفرنسية من مصر سنة 1801 ، عادت مصر كما كانت ولاية من الولايات العثمانية ، وكانت هناك ثلاث قوى تتنافس على السلطة ، أولها المماليك وثانياً الإنجليز ، وثالثاً الأتراك ، وكان من الأتراك فى ذلك الوقت ضابط ظل يرقب مجرى الحوادث وأستطاع بدهائه وتحببه إلى الشعب أن يفوز لنفسه بعرش مصر .
تولى إذن محمد على الحكم فى مصر ، برغبة شعبها وعلمائها وزعمائها ولم يمض أكثر من ربع قرن حتى أنشأ محمد على إمبراطورية مترامية الأطراف تشمل مصر والسودان وجزيرة العرب وفلسطين وسوريا وجزيرة كريت .
ويقول كلوت بك فى كتابة لمحة عامة إلى مصر :-
          كان عدد سكان القاهرة فى هذا العصر لا يزيد عن 300,000 نسمة كما كان عدد شوارعها ودروبها وأزقتها وحاراتها المتعرجة المتكسرة حوالى 240 بين شارع وحارة ودرب ، لا يزال بعضها باقياً للآن بإسمه الأصلى  ومن مدارس حربية إلى مصانع إلى مسابك إلى معامل للبارود إلى ثكنات عسكرية وحصون وخنادق إلى قصور ومساجد وأسبلة ، وقد إستعان محمد على بمهندسين وعمال أجانب إستدعاهم من أستانبول لتشييد قصوره ومساجده وأسبلة ، فكان لذلك آثر محسوس فى إيجاد تصميمات جديدة للقصور ذات السلالم المزدوجة، والأبنية الخشبية المجللة بالبياض وظهرت الواجهات ذات الكرانيش المرتفعة وظهرت الاعمال الرخامية كما ظهرت الشبابيك البيضاوية والعمد الرخامية الرشيقة ، كذا إنعدمت المشربيات وحلت محلها الشبابيك الحديثة ، أما الأسقف المذهبة ذات البراطيم والمربعات المقسمة تقسيماً جميلاً فبطلت وحلت محلها أسقف جملونية مزخرفة ومذهبة ، وقد تأثرت المساجد ذات القباب الضخمة المنشأ فى عصره بالطراز البيزنطى بالقسطنطينية .
وهكذا إستمر على هذا المنوال خلفائه من الوالى عباس الأول حتى الخديو إسماعيل ومن اهم منشآت محمد على الباقية والتى يتجلى فيها هذا الطراز مقر محمد على بشبرا ، مقر الجوهرة ( الان دمرت ) دار المحفوظات ، دار الضرب ، مجموعة كبيرة من الاسبلة والمدارس الحربية ، القناطر الخيرية ويتوج هذا الجامع الكبير بالقلعة .

 

 

 

عصر إسماعيل باشا
1863 – 1879

وكانت القاهرة قبل تولية الخديوى إسماعيل ، قد تطورت تطوراً محسوساً وإبتدأت تتشكل نهائياً بشكلها الحديث الحالى ، قبل إتصالها بالأسكندرية بخط السكة الحديد وإتصالها بالسويس بخط أخر وظهرت أحياء جديدة مثل العباسية وشبرا وروض الفرج وفى عهده إنتشرت فى كل بقاع العالم فكرة إعادة تخطيط المدن القديمة وأنتقلت هذه الفكرة تبعاً لذلك إلى القاهرة فقام الخديوى إسماعيل بتنظيم جزء عظيم من مساحة المدينة الحالية .
قال " أرنورونية " يصف القاهرة وتطوراتها الحديثة التى حصلت فى عهد الخديوى إسماعيل :-
لقد تطورت القاهرة إلى مدينة حديثة ولكنها أقل جاذبية من قاهرة القرون الوسطى ذات السحر الشرقى الفتان ، فهؤلاء الأفندية وهؤلاء التجار اللذين يخجلون اليوم من الظهور فى الشوارع إلا بملابسهم الأفرنجية ، كانوا إلى عهد قريب يتمتعون براحتهم الكاملة فى قفاطينهم الحريرية الطويلة الواسعة وكانت المشربيات التى تزين واجهات الشوارع قديماً تمتد فى خطوط متواصلة حتى تختفى عند نقطة التقابل حيث تبدو مآذن رشيقة ترتفع إلى السماء  أما اليوم فقد إختفت هذه المشربيات وحل محلها شبابيك مستطيلة لها ضلف من الزجاج وتم تصفيف المنازل على خطوط متوازية مستقيمة ، إختفت أذن هذا المشربيات الجميلة المصنوعة من الخشب المخروط ولم يبق إلا قطع من الأثاث الغريبة الشكل المصنوعة تقليداً لها ومن الآن فصاعداً سوف لا يرى السائح بالقاهرة إلى طرقاً واسعة وميادين رحبة عظيمة الطول والعرض تقوم على جوانبها مبانى تافهة يمونها المبانى الأوروبية .
هذا هو وصف أرنورونيه لعاصمة القطر المصرى بعد ما أدخله عليها إسماعيل من التحسينات الحديثة .

 

 

 

 

 

المدينــة الحديثـــة
 من 1879 – 1984 م

ومنذ عهد الخديو إسماعيل ، قضى على هذه البلاد أن تتبع البلاد الأوروبية فى عماراتها ، وبظهور الخرسانة المسلحة ، إنتشرت فى مصر هذا النوع من العمائر وعم البلاد دون أى تميز بين المبانى الريفية أو مبانى المدينة ، فإن تلائم المناخ او لا تلائمه ، ولا تنسى أن عصر الإحتلال قد جعل من مصر العوبة فى يد محتليها وأصبح المصريون ينظرون إلى عمائر الغرب على انها الأفضل وعلى أنها الهدف المراد تحقيقه ، خاصة وإن محتليهم يبنون عمائرهم على الطراز الأوربى وأستمرت هذه النكسة حتى القرن العشرين ، ولكن فى آواخر هذا القرن ، ظهرت على الساحة المصرية مجموعة من المهندسين المعماريين ، تنادى بالعودة إلى التراث يستلهم منه بالجديد وعلى رأسهم المهندس حسن فتحى والمهندس رمسيس ويصا ، ولا ننسى المجموعة الأخرى وعلى رأسهم الدكتور عبد الباقى إبراهيم وجهازه الرائد فى تبنى ونشر وعمل المؤتمرات والمحاضرات التى تبشر بظهور نهضة معمارية تنبع من تراثنا وتقود بالجيل الجديد إلى عمارة أصيلة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

" مستقبلية العمارة فى دولة مصر "
" العصــر الإسـلامـــى "

المكون الدينى والسياسى ونظام الحكم :-

فتح العرب لمصر :
           قبل دخول العرب مصر كان البيزنطيون قد إتخذوا مركزاً يتحكمون منه فى شمال القطر وجنوبه وشيدوا فيه قلعة يتحصنون فيها ويهددون منها أهل مصر، هى حصن بابليون أو قصر الشمع..وحينما دخل عمرو بن العاص مصر  توجه رأساً نحو حصن بابليون باعتباره حصن مصر كلها ، وأخذ عمرو يتقدم فى طريقه دون مقاومة جدية حتى وصل قرية أم دنين حيث توقفت ريثما يستجمع قواه ويأتيه المدود الذى كان قد أرسل فى طلبه من المدينة ، وموقع أم دنين الآن هو قلب القاهرة عند جامع أولاد عنان بالقرب من محطة مصر ، وبعد أن وصلت الإمدادت تقدم عمرو بن العاص إلى حصن نابليون حيث نصب الجيش العربى فسطاطه أو مخيمه على مقربة منه وظل محاصراً له إلى أن إستسلمت حامية الحصن ودخل العرب الحصن فى 9 أبريل سنة 641 بعد الميلاد ، وقد بقى حتى اليوم من اّثار بابليون بعض معالم فى قصر الشمع ، منها أجزاء من الأسوار ومن بروج بعض المداخل ، وقد شيدت الكنيسة المعلقة فوق برج منها لكل هذه الاجزاء تقع الان داخل مدينة القاهرة العالية وبعد ان ترك عمرو حامية فى الحصن توجه إلى الأسكندرية وحاصرها وأفتتحها عنوة ، وبعدما أستقرت الأمور فى الأسكندرية رجع إلى بابليون حيث أسس فى سنة 21 هـ (642 م) مدينة لتكون عاصمة لمصر : هى الفسطاط التى تعتبر بحق أصل القاهرة وكان لموقع الفسطاط مزايا عديدة منها أنه يمكن الإتصال مباشرة بالمدينة مركز الخلافة الإسلامية فى الحجاز عن طريق الصحراء التى إعتاد العرب سلوكها ، ومن جهة أخرى كان الموقع الجديد يمتاز بحصانة طبيعية إذ تحميه التلال من الشرق والشمال ويحيمه من الغرب خندق مائى طبيعى : نهر النيل الذى كان فى الوقت نفسه يصل بين الشمال والجنوب...وكما فعل العرب عند تأسيس البصرة والكوفة ، بدأ عمرو عند تخطيط الفسطاط ببناء مسجد وشيد إلى جواره داراً له وأسند عملية توزيع الخطط بين جماعات القبائل ، فوزعوا الأراضى حول الجامع على جماعات القبائل ، فاختط هؤلاء الخطط وبنوا الدور والمساجد وسميت هذه الخطط بأسماء القبائل أو الجماعات التى إختطتها ، مثل خطة تجبيب وخطة مهدة وخطة لخم وغيرها ، واخذ أهل الخطط يشيدون المنازل والمساجد وأمتدت حول الجامع نحو الشرق والشمال والجنوب أما الغرب فكان يحد خطط الفسطاط مجرى النيل الذى كان يسير فى ذلك الوقت بجوار الجانب الغربى لحصن بابليون إلى جامع عمرو بن العاص حيث يمر بغربيه مباشرة ثم يتجه إلى موقع مشهد السيدة زينب الحالى ..وكان فى شمال الفسطاط يوجد جبل يشكر الذى شيد عليه فيما بعد جامع أحمد بن طولون.
    وكانت دور الفسطاط منسقة ومشيدة بالطوب غير أن بعضها كان مبنياً بالحجارة ، وربما إستخدم اللبن أو الطين أحياناً فى البناء ولا سيماً فى الأطراف ولقد كشفت بعض الحفائر التى أجريت حديثاً بالقرب من مسجد أبى
 



المرجـع : القاهـرة – تاريخهـا – فنونهـا – اّثارهـا – مؤسسـة الأهـرام
السعود الخارجى عن بعض جدران من الطين، قد يرجع إلى عصور مبكرة ، وكان بالفسطاط ميادين وأسواق كما أسس بها مصانع مختلفة وكان بها عدد من المساجد والحمامات كما كان لها ميناء على النيل زادت أهميته بعد ان حفر عمرو الخليج الذى صار يصل النيل بالبحر الأحمر عند القلزوم أو السويس، وفى عصر الولاة الأمويين أخذ عمران الفسطاط فى الإزدياد إلى ان تعرضت المدينة لبعض أعمال التدمير فى نهاية العصر الأموى أثناء مطاردة جيوش العباسيين لمروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين فى سنة 133 هـ (750 م) وكان التخريب الذى نال المدينة على يد الأمويين الهاربين أشد مما نالها على يد العباسيين القادمين ، ذلك أن الأمويين عمدوا إلى التخريب كوسيلة من وسائل الجيوش العباسية عن المطاردة أو حقداً منهم أن يتركوا هذا العمار ينعم به العباسيون ، وكان من جراء هذه الأحداث أن خرب الجانب الشمالى من الفسطاط مما يلى جبل يشكر وخلا من المعمار وتمت الغلبة للعباسين فى مصر على يد صالح بن على قائد جيوشهم الذى قام بمطاردة مروان بن محمد فى مصر وتمكن من قتله ، واستقر صالح بن على كأول والى على مصر من قبل الخلافة العباسية الجديدة ، ولما خلفه الأمير أبوعون فى ولاية مصر شرع فى سنة 135 هـ (752م) فى تأسيس مدينة جديدة فى الجانب الشمالى من الفسطاط الذى كان قد اصبح فضاءً قفراً ، ونظراً إلى ان هذه المدينة أسست لأيواء العسكر العباسى فقد سميت بالعسكر ، أنظر خريطة الفسطاط والعسكر والقطائع ، وكان حد العسكر من الجنوب عند كوك الجارح ومن الشمال قناطو السباع ومن الغرب قنطرة السد ومن الشرق تلال المقطم.
وقد شيد فى العسكر دار للإمارة ظل ينزلها الولاة العباسيون ، وكثرت بالعسكر العمارة حتى إتصلت بالفسطاط وشيدت الدور العظيمة وظلت العسكر عاصمة مصر ومركز الإمارة والإدارة والشرطة حتى سنة 256 هـ (870م) حين أسس أحمد بن طولون مدينة جديدة هى القطائع أتخذها عاصمة له ومقراً للجيش والإدارة ( أنظر الخريطة ) وقد اقام بن طولون فى اول الأمر بالعسكر ونزل دار إماراتها وأسس فيها مستشفى إشتهر بدقة أنظمته ، ولكنه فى سنة 256 ه ـ(870م) شرع فى تأسيس مدينة القطائع لتكون مركزاً لحكمه ومقراً لجنده وحاشيته اللذين  إقتسموها فسميت بذلك القطائع وربما كان تأسيس أبن طولون للقطائع مرتبطاً باطماعه فى الإستقلال بحكم مصر .
وكان فعل أبو عون حين أسس العسكر فى الجانب الشمالى من الفسطاط أسس ابن طولون القطائع فى الطرف الشمالى الشرقى من العسكر – أنظر الخريطة – وكانت القطائع تقع من جهة بين جبل يشكر وهو الحد الشمالى للفسطاط وبين سفح جبل المقطم عند مكان القلعة حالياً وكان يعرف فى ذلك الوقت بإسم قبة الهواء  ومن جهة أخرى بين الرملية تحت القلعة إلى (مشهد الرأس ) الذى عرف فيما بعد بإسم ( مشهد زين العابدين) وقد بدأ أبن طولون فى سنة 256هـ (870م) بتشييد قصر له تحت موقع القلعة فيما بين قلعة الجبل حالياً والمشهد النفيس ثم اتم بناء مسجده المعروف فوق جبل يشكر فى سنة 265 (878-879م) كما يتضح من لوحة التأسيس وترك بين المسجد والقصر ميداناً واسعاً وأختطت حاشيته وجنوده دورها فى موقع المدينة حتى إتصلت بالعسكر والفسطاط.
وكما انه لم يبق من فسطاط عمرو غير جامع عمرو فإنه لم يبق من قطائع أبن طولون غير جامع أبن طولون – الذى على العكس من جامع عمرو – وقد وصلنا تقريباً بحالته الأصلية وذلك فيما عدا المئذنة التى اعاد بنائها السلطان لاجين فى سنة 96 هـ (1196م) – ويتميز جامع بن طولون بزخارف جصية من طراز جديد بدا ظهوره فى عهد أبن طولون ويعتبر صدى لطراز الزخرف الجصية التى ازدهرت فى مدينة سمراء عاصمة الخلافة العباسية فى ذلك الوقت ، غير ان أسرة أبن طولون لم يكتب لها البقاء طويلاً ففى سنة 692هـ (904م) أرسل المستكفى بالله قائده محمد بن سليمان الكاتب على رأس جيش فأقتحم القطائع وقتل بنى طولون وخرب قصورهم ويقال أن محمد بن سليمان هدم القصر وقلع أساسه وخرب موضعه ولم يبق له أثر ... وسكن محمد بن سليمان الفسطاط وتبعه فى ذلك من جاء بعده من الولاه العباسيين والأخشيديين ، ولما إستولى الفاطميون على مصر فى سنة 358 ه (969م ) أسسوا القاهرة فى الشمال الشرقى بالفسطاط وحصنوها بالأسوار وقصروا الأقامة فيها على الخليفة وحاشيته وحرسه ورجال الحكومة وحرموا سكناها على سائر الشعب ..واستمر عمران القاهرة فى إزدياد داخل أسوارها فأقيمت فيها المبانى الفخمة والأسواق الكبيرة والدكاكين التجارية المتعددة التى كانت ملكاً خاصاً للخليفة ويتراوح إيجارها بين دينارين وعشرة دنانير فى الشهر ومن المفهوم أن هذا العمران قد إزدادت فرصته بعد أن بنى بدر الجمالى أسواره الحجرية سنة 480هـ (1087م) وأضاف لمساحة القاهرة ستين فداناً أخرى ضمتها أسواره الجديدة ..(أنظر الخريطة).
ضم الفسطاط للقاهرة :
          كانت الطامة الكبرى على الفسطاط حين أمر شاور بإحراقها فى سنة 565ه ـ(1169م) حتى لاتقع فى يد عمورى ملك بيت المقدس حين طمع فى الإستيلاء على مصر مماكان من جرائه أن تحولت الفسطاط إلى أطلال ، فقد بعث شاور إلى مصر بعشرين ألف قارورة نفط وعشرة الآف مشعل نار فرق ذلك فيها فأرتفع لهيب النار ودخان الحريق إلى السماء فصار منظراً مهولاً واستمرت النار تأتى على مساكن مصر لمدة أربعة وخمسين يوماً ..وعندما ولى صلاح الدين حكم مصر شرع فى بناء سور يضم القاهرة والفسطاط وصار يطلق عليهما معاً إسم القاهرة .
تأسيس القاهرة :
          أسست القاهرة على يد الفاطميين فى سنة 969م ، ثم اخذت تتسع على مر الزمن حتى شملت مدناً أخرى إسلامية مجاورة كانت كلها تقع جنوب القاهرة وهكذا فإن مدينة القاهرة الحالية تشمل بالإضافة إلى القاهرة التى اسسها الفاطمييون فى سنة 969م ، مدن الفسطاط والعسكر والقطائع فضلاً عما اضيف إليها من الأرض خارج أسوار القاهرة – انظر الخريطة – ومما يلفت النظر أن مدينة القاهرة كانت منذ تأسيسها مدينة ذات طابع حربى يسكنها الجند ومن ثم كانت أسماؤها ترتبط بهذا المعنى إلى حد ما ، فنجد إسم الفسطاط له صلة بمخيمات الجند وإسم العسكر هو إسم الجند والقطائع يشير إلى الأقسام التى أقطعها أبن طولون لجنده..أما القاهرة فإسمها يرتبط بأمل الجند فى قهر أعدائهم والإنتصار عليهم ، وما له دلالته أن إسمها كان فى أول الأمر ( المنصورية) وقد صارت مدينة القاهرة على مر الزمن تتكون من أحياء لكل منها سماته الخاصة ، وأقدم هذه الأحياء يقع فى الجنوب وأحدثها فى الشمال وقد جاء ذلك من ان القاهرة كانت تنمو بصفة خاصة نحو الشمال بسبب وجود جبل المقطم فى الشرق والنيل من الغرب والجنوب شريط ضيق بين التلال والنيل.
نظم الإسكان وتطورها :-
          للعمارة الإسلامية شخصيتها وطابعها المميز الذى تتبينه العين مباشرة ، سواء أكان ذلك نتيجة للتصميم الإجمالى أم العناصر المعمارية المميزة أم الزخارف المستعملة ، وقد نبغ المهندس العربى فى أعمال الهندسة المعمارية  حيث وضع الرسوم والتفصيلات الدقيقة اللازمة للتنفيذ ولا شك ان كل هذا يحتاج منه إلى التعمق فى علوم الهندسة والرياضة والميكانيكا ، وقد وضعت مؤلفات كثيرة فى هذه العلوم ، كما سجل لنا التاريخ أسماء كثيرين من نوابغ المهندسين العرب الذين وضعوا تصميمات المبانى العربية العظيمة....
ومن هذه المبانى فى العصر الإسلامى فى مصر – الدور والمساكن الخاصة – إن أغلب القصور والمنازل الاسلامية القديمة إندثرت تماماً ولم يبق إلا مارواه المؤرخون أو ماعثر عليه من بقايا .
المسكن الفسطاطى : 20هـ-641 م
          أطلال مدينة الفسطاط عام 641 م تعتبر مثلاً لتخطيط المدن الإسلامية فى القرون الوسطى ، وقد أختطت القبائل العربية مساكنها حول المسجد الجامع (مسجد عمرو) وتنقل لنا مساكن الفسطاط رغم إختلاف تفاصيل تصميماتها ، إحساساً متجانساً عن ماهى هذه البيوت ، وبدراسة ما عثر عليه من بقايا هذه البيوت الفسطاطية نجد أنها تشترك بشكل واضح فى عدة خواص ، فالبيت الفسطاطى بؤرته الفناء الداخلى المفتوح ، مربع او مستطيل الشكل وعلى جانب منه ثلاث عقود محمولة على اكتاف من الطوب ، ويكون دائماً العقد الأوسط أكبر من العقدين الجانبين وتغطى هذه العقود رواق يؤدى إلى حجرة عميقة تسمى إيوان ، وعلى جانبيها حجرتين ثانويتين أو طرقات تؤدى إلى أجزاء المسكن ، اما الثلاثة أضلاع الأخرى من الفناء فغالباً ماتعالج بنفس الطريقة دون الحجرة الرئيسية ، ومن أهم المميزات المعمارية فى البيوت الفسطاطية هى المداخل فدائماً مايكون المدخل عن طريق مجاز لا يسمح لمن فى الخارج برؤية من بالداخل يؤدى هذا المجاز إلى طرقة تتصل بالفناء فى احد جوانبه ، كذلك من أهم المميزات فى مساكن الفسطاط هى النافورة الموجودة فى وسط الفناء  وفكرة النافورة من حيث تصميمها مرتبطة إرتباطاً وثيقاً بالمعتقدات الأساسية فى الإسلام ، وبروح الفكر الشرقى ، ولا أدل على ذلك من بقاء هذه الفكرة وملازمتها للمسكن أكثر من أثنى عشر قرناً ويقول بروفسير كريزويل فى مرجعه عن العمارة الإسلامية ، ان هذه البيوت مستوحاه من بيوت مشابهة فى العراق وسوريا ، ويعزو هذه الظاهرة إلى الإرتباط الوثيق الموجود بين هذه الحضارات قبل غزو العرب لمصر ، بل ويضع إحتمالاً أنه ربما كانت بيوت العراق وسوريا متأثرة فى تصميمها أصلاً بالعامل العربى نتيجة الإتصال فى التجارة وغيرها...
المسكن فى العصر العباسى : 132هـ (750م)
أختلفت عمارة القصور فى الطراز العباسى عن الطراز الأموى بسبب إختلاف نظام البلاط ،ذلك لأن الأمويين كانوا مايزالون قريبين من صدر الإسلام ومن البداوة وتحكمهم فكرة المساواة بين الأفراد ولكن فى ظل الخلافة العباسية ، تأثر العباسيون بنظام البلاط الفارسى ومن ثم بأبهة الملك ، ولذلك إتسعت قاعات العرش وكانت فى الأغلب مغطاة بقبة مسبوقة بإيوان مقبى للزوار العاديين ، وكذلك إختلف نظام البيوت .
المسكن الطولونى :
أخذت المنازل منذ العصر العباسى تزداد إتساعاً وإرتفاعاً حتى صار إرتفاع أغلب الدور خمس طبقات وستا وسبع – وكل طبقة مساكن كاملة بمنافعها ومرافقها و أصبحت أكثر المبانى تبنى بالأجر (الطوب الأحمر المحكوك) المثنت بالجبس أو بمونة الجير والحمرة فى بعض المداميك والقصر مل (الرماد) يبنى فى مداميك منتظمة فتوضع قوالب الطوب مسطحة فى بعض المداميك وقائمة فى مداميك أخرى بالتبادل ، أما الأساس فكان من الحجر فى العصريين الأخشيدى والطولونى ، وداخل الدور شاع بياض الجدران بالجص الذى تحفر عليه بعض زخارف غاية فى الإتقان ولم يكن الطابق الأرضى من المنازل مخصصاً للسكنى عادة نظراً لرطوبة أجوائه فاتخذ كمخازن وكان مسقوفاً بعقود من الطوب الأحمر – ولم تخلو الدار من الفسقية واحواض لخزن المياه العزبة والحمام وقد كشفت حفائر الفسطاط أن هذه الدور ترجع إلى القرن الرابع الهجرى ( العاشر الميلادى ) وهى  لها نظام هندسى يقدم على محورين يلتقيان فى وسط الفناء وتختلف الغرف المحيطة من حيث المساحة وفى كل جانب من جوانب الفناء رواق ذو ثلاثة فتحات منها الفتحة الوسطى أوسع من الفتحتين الجانبيتين – وكان الفناء يتوسط الدار وهو غير مسقوف ليوفر للقاعة الكبرى الضوء والهواء وتتراوح مساحته مابين أربعة وخمسة أمتار ، وإن الرواق والقاعة وهما أهم جزء فى الدار قد اصبحا نظاماً شائعاً فى العمارة المدنية بمصر ، كذلك أثبتت حفريات الفسطاط أن بعض دورها كان يحتوى على فنائين منفصلين بحيث يمكن إعتبار كل فناء وسط دار قائمة بذاتها ومن المحتمل أيضاً ان يكون إحداهما مخصصاً للرجال والآخر للحريم ..أما الأيوانات وهى من المميزات المعمارية التى ترافق الفناء فقد وجدت فى تخطيط الدور ليسهل التنقل فيها من مكان إلى اّخر حسب فصول السنة وساعات النهار.
المسكن فى العصر الفاطمى : 358 هـ / 567 هـ-969 /1171 م
          إمتدت مرحلة العصر الفاطمى نحو مائتى عام ، وسادت روح الترف فى هذه الفترة فى كل شىء ، وكان مذهب الحاكمين هو المذهب الشيعى ، بينما كان أغلب الشعب يتبع مذهب أهل السنة..وكل مالدينا من معلومات عن قصور الفاطميين إنما إستقيناه من اقوال المؤرخين ، وفى قلب القاهرة الفاطمية نمت أول بذرة العمارة المدنية فى تلك القصور الزاهرة التى انشأها جوهر الصقلى لمولاه المعز ورغم أن المقريزى قد أفاض فى وصف هذه القصور الفاطمية فى خططه إلا أننا لا نستطيع أن نحصل من هذا الوصف على التخطيط المعمارى الكامل للقصر الشرقى للمعز أو القصر الغربى للعزيز أو قصر الأفيال وقصر الظفر وقصر الشوك وقصر الزمرد وقصر الحريم وغيرها ، ويظهر أن هذه القصور كلها كانت قاعات ومناظر شيدت فى داخل سور القاهرة المحصنة وسميت ( بالقصور الزاهرة ) والحق معظمها بالقصر الشرقى ثم بالقصر الغربى كما شيد  الفاطميون مناظر ودوراً اخرى منها دار الضيافة ودار الوزارة ومنظرة الجامع الأزهر ومنظرة الجامع الأحمر ومنظرة اللؤلؤة ومنظرة البركة ومن الوصف العام لأحد القصور الفاطمية وهو الشرقى الكبير نراه يشتمل على أبواب تسعة فوق أنه كان يشغل مساحة تقرب من 70 فداناً من جملة مساحة القاهرة البالغة 340 فداناً واشتمل هذا القصر عى مجموعة من الخطط والأحياء تخترقها طرقات ومسالك فوق الأرض وسراديب تحت الأرض هذه المسالك والسراديب كانت تضيئها الأفنية الكبيرة غير المسقوفة أو الأفنية الداخلية الصغيرة وبعض هذه السراديب كان مظلماً تماماً .
          أما عن مواد البناء المستعملة فى العصر الفاطمى – فقد توسعت العمارة الفاطمية فى إستعمال الحجر بجانب المادة الأساسية فى البناء وهى الطوب الأحمر المغطى بكسوة جصية ذات زخارف محفورة ، وكان باكورة إستعمال الحجر فى عمارة القصر الشرقى الذى أنشىء سنة 358 هـ وقد اشار إلى أحجاره الرحالة الفارسى ناصر خسرو عندما ذكر أنها أحجار محكمة الإنطباق بعضها على بعض حتى ليخيل للإنسان أنها منحوتة من صخرة واحدة.
المسكن فى العصر الأيوبى : (567 هـ/648 هـ-1171 م/1250 م)
          إمتد حكم الأيوبيين لمصر ثمانين عاماً فقط ولم ينشأ تغيير فى الدور أو المساكن بقدر ماحدث فى العناصر المعمارية الأولى ، فقد حدثت تطورات معمارية هائلة فى المنشاّت الحربية ، فقد عزم صلاح الدين منذ البداية على الأستقرار بالقاهرة الفاطمية فلم يشرع فى بناء مدينة جديدة بل أكتفى بأن يحيط القاهرة والقطائع والعسكر والفسطاط بسور واحد يحميها جميعا من اية غارات عدائية داخلية أو خارجية وتوج هذا القصر بقلعته الحجرية .
المسكن فى العصر المملوكى : ( 648 /923 هـ -1250م/1517 م)
          على الرغم من الفوضى السياسية التى كانت تشيع فى البلاد فى ايام حكم المماليك ، إلا ان الثروة المعمارية التى خلفوها تعتبر تراثاً عظيماً تعتز به مدينة القاهرة ، وصفحة فخار فى تاريخ العمارة الإسلامية كلها ، فكما إهتم المعمار بالمنشآت الدينية ونوع تصميمها وأعتنى بها فلم ينسى المنشآت المدنية التى تعتبر عنصر هام فى مجال المعمار الإسلامى ، فأقام القصور والدور لسكن الأمراء والسلاطين إلا ان ماوصلنا منها قليل يعد على أصابع اليد الواحدة وذلك لتهدمها وإندثارها بفعل الزمن او بالأعتداء عليها بفعل الإنسان ذاته.
          ومن القصور المملوكية التى مازالت بقاياها موجودة للآن قصر الأمير الين آق 693هـ-1293م ( باب الوزير) وقصر الأمير قوصون (يشبك) حوالى 738هـ -1337م ( خلف مدرسة السلطان حسن ) ومقعد  الأمير بشتاك 735 /740هـ -1334/1339 م ( بين القصرين) ومقعد الأمير ماماى 901هـ/1496م ( بيت القاضى ) وبقايا قصر الغورى ( الصليبية) ، والناظر لواجهات هذه القصور المتبقية والمحتفظة بكيانها يتبين أن المعمار لم يعتنى بها مثلما فعل فى المبانى الدينية ، ولكنه فكر فى طريقة أخرى يزين بها تلك الواجهات بوضع مشربيات بها ، وإن كانت هذه المشربيات تخرج عن فن المعمار إلى القائمين بفنون النجارة إلا ان القائمين بهذه الأعمال لا يفعلون شىء إلا بعد مشورة المهندسين ، منهم الذين يحددون مكان تلك المشربيات واتساعها بتلك الواجهات وهذة المشربيات تتكون من أحجبة خشبية مجمعة من قطع صغيرة من خشب الخرط وهذه الظاهرة إمتازت بها بيوت وقصور القاهرة من العصر المملوكى ، وإستعمال هذه المشربيات يخدم ناحيتين الاولى هى أن جو القاهرة يميل للحرارة وخاصة فى الصيف فهذه المشربيات تقوم بحجب أشعة الشمس وإن كانت تسمح بدخول الهواء من خلال فتحاتها التى تشبه ( نسيج الدانتيلا ) إلى حد كبير أما الناحية الثانية فترجع للحياة الإجتماعية التى تحجب المرأة فهذه المشربيات سهلت لها رؤية ماتريده دون أن يراها أحد من خلف هذا الستر..وهذه المشربيات تحتل مساحات كبيرة من واجهات منازل القاهرة بل أنها تبرز عن مستوى الواجهات بمقدار كبير حتى أن المتجول فى المناطق القديمة من القاهرة يرى أن المشربيات فى المنازل المتقابلة تكاد تتلامس ، وهذه المشربيات مكونة بتجميع برامق من الخشب المخروط مكوناً بأشكال هندسية بديعة ، تتخللها طيقان تفتح من أسفل حتى لا تعطى فرصة للجار أن يرى من بداخل المسكن فى حالة فتح الطاقة .
وسبب تسمية المشربية بهذا الإسم يرجع لوضع أوانى الشرب (القلل) بها ومن هنا جاء لها هذا الإسم  ويوجد رأى آخر يقول أن سبب تسميتها بهذا الإسم جاء من أشرأب يشرأب مشرئب أى يطل من الشىء ، ومنها جاءت هذه التسمية ، وعلى كل فإن المشربيات تعتبر من الظواهر التى إمتازت بها دور القاهرة عن غيرها من المدن .
المسكن فى العصر العثمانى : 923 هـ/1265هـ-1517م/1848م
          بعدما إنتصر السلطان سليم العثمانى على السلطان الغورى فى موقعة مرج دابق فى 22 هـ أصبح الطريق مفتوحاً أمام السلطان سليم إلى القاهرة وقد قابل مقاومة من طومان باى ولكنه إستطاع أن يجعل الوضع مستتباً ومكث بالقاهرة مدة بعدها وولى على مصر الأمير خاير بك نائباً عنه وكانت لهزيمة مصر على يد العثمانين أثره السيىء فى حركة البناء بسبب أخذ السلطان سليم العثمانى جميع الصناع المهرة والبنائين ومرخمين ونجارين وأرباب الصنائع من كل فن وترك القاهرة خالية إلا أن أبن الياس يذكر أن السلطان سليم شاه لما أخذ من مصر هؤلاء الجماعة أحضر غيرهم من أستنبول يقيمون بمصر عوضاً عن الذين خرجوا منها ، ونتج عن إحلال صناع أخرين أن ظهر طراز جديد مجلوب من الخارج إلا ان بعد وفاة السلطان سليم وتولية أبنه سليمان الحكم عمل على تطعيم هؤلاء الصناع بأساليب ومهارات جديدة ظهرت فى مبانى القاهرة .
          لاقت قصور ودور العصر العثمانى الإهتمام الكبير وسارت تتبع التقاليد القديمة فيوجد الصحن الداخلى المكشوف تتوسطه فسقيه يطل عليها مقعد لجلوس أهل المنزل وقد عمل المعمار على توسيع مساحة المقاعد ونتج عنه بالتالى زيادة بوائكها التى تطل على الصحن – أما الأدوار العلوية فتطل على الفناء عن طريق مشربيات من خشب الخرط وتتكون الوحدة السكنية للمنزل من قاعة كبيرة عبارة عن أيوانين بينهما ...قاعة يتوسطها فسقية لتلطيف الجو الداخلى للمنزل وتلتف حول ذلك المحور الرئيسى بعض الملحقات من خزانات نومية وحجرات وحمام .
          ومن التقاليد المتوارثة فى منازل العصر العثمانى ، المداخل المنكسرة وذلك حتى لايرى المار مابداخل المسكن وهذا حتمية التقاليد الشرقية والتى أوجدت المشربيات ويطل على الفناء الداخلى الغرف الرئيسية الهامة وهى المقعد وبه باب حوله عقد محلى بالمقرنصات والنقوش الدقيقة التى تلاحظ أيضاً فى سقف هذا المقعد بألوان زيتية متعددة وكان المقعد يخصص لجلوس الرجال فى ليالى الصيف ، ويتصل المقعد عادة بالقاعة الكبرى التى تطل على الفناء أيضاً ، وهى كبقية قاعات الدار مقسمة إلى أيوانين بينهما جزء منخفض ( در قاعة ) وتخصص هذه القاعة لجلوس الرجال شتاءاً ، ويتوسط الجزء المنخفض من الدرقاعة قرص زجاجى من الألبستر الشفاف ، كان يستعمله صاحب الدار كمنضدة ، نقشت على حافة هذا القرص بعض الآيات القراّنية ويتوسط القرص نارجيلة وفى نهاية القاعة الكبرى عادة مايوجد باب خشبى يؤدى إلى حجرة صغيرة مربعة تسمى بالخزانة وبها سلم داخلى وهى تماماً كالقاعة الكبرى المخصصة للرجال..وما هو جدير بالذكر أيضاً موضوع إستغلال الحوائط بعمل دواليب داخلها حتى لاتشغل حيزاً داخل الحجرة نلاحظه الآن فى العمارة الحديثة، كان هذا الموضوع مستعملاً بكثرة فى العمارة الإسلامية فى مصر فى العصور الوسطى، وهذا الموضوع هو إستغلال الحوائط بعمل دواليب داخلها Builin  يستخدم أيضاً كعازل صوتى لفصل الحجرات ومنع تسرب الصوت ووصوله إلى الحجرات المحاورة الأخرى، حيث يعتبر الان من أهم مظاهر وعناصر العمارة الغربية الحديثة  ولم يكتف المهندس العربى بإستخدام الدواليب لحفظ الملابس والأدوات المنزلية فحسب ، بل حاول أيضاً إختيار أبوابها لكى تكون تحفاً فنية رائعة ، فتظهر وكأنها لوحات مثبتة على الحوائط ، فكانت تصنع هذه الأبواب ( الضلف) من الخشب الثمين السميك المنقوش عليها بالحفر البارز زخارف نباتية محفورة ( أرابيسك ) فى منتهى الدقة والأبداع ، وتحيط بالزخارف أشرطة من الكتابة الكوفية المزهرة  أو بنقوش مصنوعة بطريقة اللاكيه..وكان من مميزات الدور الإسلامية المتأخرة هذه القاعات على السراديب والمخابىء السرية ، وكان المخباً عبارة عن حجرة صغيرة ضيقة تؤدى إليها فتحة فى أرضية القاعة مغطاه ببلاطة كبيرة بحيث يستوى مع أرضية الحجرة فيصعب تمييزها أو الإهتداء إليها ، ومن المحتمل أن يكون الغرض من هذا المخبأ هو الإلتجاء إليه عند الخطر ، أو لحفظ المقتنيات الثمينة به فى حالة حدوث فتن أو إضطرابات بالخارج ، والتى ماكانت تتعرض إليها البلاد كثيراً فى العصر العثمانى ..وبالدور الأرضى سلم رئيسى فى نهاية الدرقاعة يؤدى إلى الدور الأول إلى حجرة صغيرة على يسار الصاعد ، عند مدخلها حاجز خشبى يلى الباب مباشرة ، وبالحجرة شبابيك من الجبس ( قمرات) ذات زجاج ملون مزخرف برسوم متعددة على شكل طيور وأزهار وزخارف هندسية جميلة ، وتؤدى هذه الحجرة إلى حجرة القراءة ثم حجرات النوم وحجرات الحريم ، ثم حديقة السطح ROOF GARDEN والتى تعتبر الآن من أهم مظاهر العمارة الحديثة فى العالم وكانت حجرات الحريم الداخلية بهذا الطابق تصمم بطريقة تجعلها تشرف على قاعة الاحتفالات أو القاعة الكبرى بالدور الارضى وذلك من خلال مشربيات جميلة كانت تعرف بإسم ( المغانى) والتى كانت تجلس خلفها المغنيات يصدحن بأصواتهن الجميلة والموسيقى العربية الأصيلة تشغف آذان الحاضرين بالطابقين كما تتمكن سيدات الدار وضيوفهن من رؤية الرجال خلال المشربيات وتشاركهن عن بعد سمرهم ومرحهم بمنجاة عن الأعين .
ومن أهم الخواص المعمارية السكنية الهامة للمساكن هو مانلاحظه من عدم وجود حجرات مخصصة للنوم أساساً ، بل كانت تستعمل كل الحجرات للمعيشة أثناء اليوم والنوم بها ليلاً ، واهم مانلاحظ أيضاً فى تصميمات هذه المساكن هو تأكيد الرغبة الأكيدة فى الإنتظام ، أن الهدف الرئيسى للمهندس المعمارى العربى فى ذلك الحين هو جعل المسكن خاص PRIVATE ورطباً قدر الإمكان ، وتأكيد الإستجابة الحقيقية إلى إحتياجات ومطالب ذلك العصر ، والإرتباط الوثيق بين فلسفة الشرق والفكر الإسلامى من ناحية والحلول المعمارية الأساسة لهذه المساكن المنفصلة
( مساكن العائلة الواحدة ) متمثلة فى الفناء الداخلى والنافورة من ناحية أخرى ، فالفناء الداخلى فى المسكن العربى معالجة معمارية تحجب عن المساكن كل عوامل الطبيعة الخارجية ، وتترك له التمتع المطلق بالسماء وحدها ، والسماء فى بلادنا فى الشرق العربى هى العنصر الطبيعى الوحيد الذى لاتشوبه قسوة ولا حدة ، وبذلك فالفناء الداخلى معالجة معمارية ناجحة نابعة من بذور الفكر الشرقى وإستجابة صريحة لمقتضيات مناخنا .
أما النافورة فهى دائماً مربعة ثم تتحول إلى مثمن فتردد شكل القبة والمقرنصات بالإضافة إلى ماللنافورة من أثر فعال فى تنظيف وترطيب جو المسكن العربى ، من ذلك نرى أن المسكن العربى تأثر بالتقاليد والنظم والعادات العربية وأهمها حجاب المرأة المسلمة ، ولذلك خصص مدخل للرجال وطابق خاص بهم ، وآخر للنساء وتم تغطية الشبابيك بالمشربيات التى تحجب الناظر من خلفها وعلى ذلك إتبع فى التصميم الأسـس والشـروط الآتية  :-
  1. تخصيص حجرة رئيسية هامة تواجه الشمال – البحرى – وتطل على الفناء الداخلى الذى كان يعتبر عنصر أساسى فى التصميم .
  2. مراعاة أن تكون الفتحات والشبابيك المطلة على الشارع ضيقة وجلساتهم مرتفعة .
  3. أن يؤدى المدخل المخصص للحريم إلى فناء سماوى آخر إذا تيسر ذلك ، أو ان يؤدى إلى أبعد ركن من أركان الفناء الرئيسى للمسكن .
  4. أن يحتوى الدور الأرضى على حجرة الإستقبال للرجال متسعة منمقة مذدانة بالزخارف العربية ، وعادة ماكانت تسمى ( بحجرة العفش) ومقعد وحجرة إنتظار وحجرات للخدم ومطبخ ودورة مياه ويسمى هذا الطابق ( السلاملك) .
  5. أن يحتوى الدور الأول على قاعات إستقبال خاصة بالسيدات وحجرات المعيشة والنوم ، ويسمى هذا الدور ( بالحرملك ).

وأهم مساكن العصر العثمانى بيت الكريدليه 1632م ويقع هذا المنزل أمام مدخل جامع أحمد بن طولون الشرقى ، ومنزل عبد الوهاب الطبلاوى والمعروف الان بمنزل " السحيمى" بالدرب الأحمر بالجمالية وبنى عام 648 م  ومنزل كتخدا السنارى بالسيدة زينب وبنى عام 1744م ، وغيرها من المساكن الإسلامية التى بنيت فى هذا العصر وبقيت لكى تكون نموذجاً لما كانت عليه البيوت الإسلامية من اصالة لتلائم الحياة العربية والطبيعية الشرقية ، والبيئية ، والعادات والتقاليد الإسلامية ...
الوكالـة والربـع والخـان :
        بدأت تظهر فى مصر بوادر عمارة جماعية جديدة تخدم طبقات الصناع وصغار التجار ، وتحاول تحقيق رغباتهم ومن هنا وجدت الوكالة ووجد الربع..
الوكالة ( الفنادق) :
        والوكالة عبارة عن فندق يحوى شققاً صغيرة مصممة على عدة طوابق بدلا من الحجرات المنفصلة وهذه الشقق هى نفسها التى إتخذتها اوروبا وأمريكا والمعروف بإسم الدوبلكس.. والوكالة تتكون من مخازن منفصلة بالدور الأرضى وتطل على فناء داخلى مفتوح كما تضم جميع المرافق والخدمات اللازمة لمثل هذه الأغراض ، أما الطوابق العلوية فهى مخصصة للشقق السكنية وتطل على نفس الفناء ، وكانت تخصص هذه الوكالات لإقامة صغار التجار فى مواسم التجارة ممن يحضرون من مختلف القرى المجاورة مع عائلاتهم لقضاء موسم التجارة فى المدن الكبيرة ، فتقيم هذه العائلات فى الوكالات وتخزين البضائع فى هذه المخازن الموجودة بها ، حتى ينتهى كل تاجر من بيع بضاعته ثم يرحل....
الـربـع :
        كان الربع يخصص اصلاً للصناع وأصحاب الحرف وكان الدور الأرضى يحتوى على ورش ومحلات والمرافق والخدمات اللازمة ، والطابقان العلويان يحتويان على شقق منفصلة كل شقة مكونة من حجرة أو حجرتين ومطبخ ودورة مياه لعائلات الصناع أصحاب هذه المحلات ، وتشبه هذه الشقق إلى حد كبير مثيلاتها بالوكالات ، وتؤدى إليها عادة طرق متصلة فى أحد نهايتها يوجد سلم واحد يؤدى إلى الشارع ..وقد إنتشرت الفنادق بصفة خاصة فى العصر الأيوبى لزيادة التبادل التجارى بين المعسكرين الإسلامى والأوروبى ، وكانت تسمى هذه الفنادق بالخانات أو الوكالات أو الربع ، وهى عبارة عن أبنية تتكون من عدة عناصر مختلفة ، كل عنصر معمارى له وظيفة خاصة به – وحدة المبانى تطل على فناء داخلى ( باثيو) وتتكون من عدة طوابق ، فالطابق الأرضى مثلاً خصص لحفظ البضائع للتجار الوافدين أو لعرض السلع التجارية المعدة للبيع أو التبادل ، بالإضافة إلى أماكن مخصصة للدواب .
أما الطوابق العليا فكانت عبارة عن غرف نوم مستقلة ومعدة للنزلاء ولا يزال بالقاهرة أمثلة قليلة من هذه الوكالات أو فنادق العصور الوسطى ، مثل وكالة الغورى بالقرب من جامع الأزهر (1504 – 1505 م ) – ووكالة بازرعا بشارع باب النصر بالجمالية .

تطور العناصر المعمارية ومواد البناء فى العصر الإسلامى :
            تزخر القاهرة بروائع العمارة التى أقيمت لتخدم أغراض عدة فنجد المساجد والشوارع والخانقاوات والمشاهد والضرحة كذلك نجد أن القصور والأربعة والدور والبيوت أيضاً نجد الوكالات والخانات والحمامات والكتاتيب والأسبلة والبيمارستانات والأسواق والقناطر والسدود كذلك الأسوار والبوابات والقلاع والأبراج ، هكذا أصبح من يشاهد عمائر القاهرة إنما ينعم بمعرض لفن البناء وتطوره على طول المدى التاريخى لهذه المدينة العظيمة.
            ويثير إنتباهنا فى عمائر القاهرة روعة المآذن والعقود والقباب والمقرنصات الحجرية والأعمدة الرخامية ذات القواعد والتيجان الحجرية المتنوعة والمداخل والواجهات المواشاة بالمقرنصات الحجرية والمشربيات الخشبية المنقوشة وشبابيك الجص المحفور كذلك تعتبر من مميزات المعمار بالقاهرة القاعات الفسيحة عالية الأسقف والمزدان بأشرطة من النقش الكتابى ، والنافورات المصنوعة من الرخام والفسيفساء الرخامية المتعددة الألوان ، كما يدهشنا أيضاً تلك النسب الرشيقة للعناصر المعمارية بحيث لا يمكن إستبدال عنصر بآخر أو تغيير طوله أو عرضه دون أن يشوه ذلك من تناسق البناء أو يفسد تكوينه .
المسجد وتطوره وتشعب وظائفه :

  1. الفتح الإسلامى : (21هـ - 642 م)

           عندما  فتح عمرو بن العاص مصر كان مسجده الجامع هو باكورة المعمار فى فسطاط مصر ، وتبعاً لطرازه إختطت القبائل العربية مساكنها حوله ، ومسجد عمرو بن العاص الجامع يعتبر من المساجد العتيقة وهو اقدم مساجد أفريقيا وتعتبر تسميته بالعتيق تشريفاً له لأنها شهادة له بالأصالة وإمتداد العمر فى خدمة الجماعة الإسلامية .
جامع عمرو بن العاص : 21 هـ-642 م
            أنشىء على شاطىء النيل الشرقى فى منطقة بها اشجار وكروم ، وكان يشغل مساحة طولها خمسة وعشرون متراً وعرضها خمسة عشر ، وكان يحدد قبلته عمد قائمة بصدر الجدار وكان له بابان فى كل من جوانبه فيما عدا جدار القبلة وفى شرق الجامع كان يقع دار عمرو بطول يساوى طول المسجد من قبليه إلى بحرية وكان بين دار عمرو والمسجد طريق عرضه نحو ثلاثة أمتار ونصف وتخطيط المسجد والدار والعلاقة بينهما مستوحاة من مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم وداره فى المدينة ..ولقد توالت على جامع عمرو كثير من العمائر حتى أنه لم يبق من الجامع الأصلى الذى بناه عمرو غير بقعة من الأرض التى شيد عليها ، وتوجد هذه البقعة فى رواق القبلة فى النصف الشمالى من المسجد أى على يسار الواقف أمام المحراب الأوسط ومتجهاً نحو القبلة  ، ويمثل جامع عمرو أقدم الطرز المعمارية لبناء المساجد واهمها ، وهو الطراز المشتق من عمارة الحرم النبوى الشريف : أى طراز الجامع الذى يتألف من صحن مربع أو مستطيل يحف به من جوانبه الأربعة أروقة أعمقها رواق القبلة وصحنه غير متسع .
            وكان المسجد مفروشاً بالحصباء ومسقوفاً بالجريد والطين وترتكز سقوفه على سوار من جذوع النخل ، ومن الطبيعى ألا يكون بالجامع عند إنشائه مئذنة أو محراب مجوف اذ لم يكونا معروفين فى المسجد النبوى الشريف أو فى مسجد آخر فى ذلك الوقت وقد استخدم عمرو بن العاص منبراً يخطب فوقه وحينما بلغ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أرسل إلى عمرو يأمره بكسره ومن المرجح أن هذا المنبر كان على مثال المنبر الذى صنع للنبى صلى الله عليه وسلم سنة سبع أو ثمان بعد الهجرة وكان يشتمل على ثلاث درجات فقط .
            ولم تقتصر وظيفة جامع عمرو بن العاص – بل كان أيضاً مركز الإدارة والقضاء والإفتاء والتدريس وغير ذلك من أمور الدين والدولة وأشتهر بصفة خاصة كمركز للعلم ...

  1. العصر الأموى : 53هـ -673م :

            على الرغم من أن العمائر التى تمت فى العصر الأموى لم يصلنا من آثارها شىء فإن معمار هذا العصر كان له أثره فى تطور عمارة المسلمين فحدث تطور لجامع عمرو وتطور فى العمارة بصفة عامة .
جامع عمرو بن العاص :
            أضيفت إلى رقعة المسجد عمائر وزيادات فى عصور مختلفة وقد حدثت أولى هذه العمائر سنة 53هـ (673م) فى عهد مسلمة بن مخلد الأنصارى والى مصر من قبل الخليفة معاوية بن أبى سفيان ، وكان سبب هذه العمارة أن المسجد ضاق بالمسلمين فشكوا إلى  مسلمة فكتب هذا إلى معاوية فبعث معاوية يأمره بالزيادة فى المسجد ، وهدم مسلمة المسجد وزاد فى مقدمته أى عند الجانب المواجه للقبلة وأضاف رقعة أمام هذا الجانب صار الناس يصطفون فيها ، كما زاد فى الجامع من شرقيه مما يلى دار عمرو بن العاص حتى ضاق الطريق بينه وبين الدار ، وقد تم تجميل المسجد وذلك عن طريق كسوته بطلاء وزخرفة جدرانه وسقوفه وفرش أرضه بالحصر بدلاً من الحصباء .
             ومن التطور الكبير الذى ظهر فى المسجد فى العصر الأموى هو تزويده بوحدة معمارية جديدة صارت فيما بعد أحد المعالم المهمة فى تصميم المساجد ألا وهى المئذنة ، فقد بنى أبن مخلد أربع صوامع ليلقى منها آذان ونقش أسمه عليها وأمر مسلمة بأن يؤذن المؤذنون منها فى وقت واحد .
            ونلاحظ أن عمارة جامع عمرو قد تبعت فى مظهرها وتطورها عمارة المسجد النبوى الشريف بالمدينة ، فكما زود الحرم النبوى فى عهد الوليد بمحراب مجوف زود جامع عمرو أيضاً بمحراب مجوف ، كذلك شمل جامع عمرو فى تصميمه العام الصحن الذى يحف به أربعة أروقة أعمقها رواق القبلة ، كذلك إدخال أول نموذج للمآذن والعناية بتجميل الجوامع ، وكان للعصر الأموى آثره فى عمارة المساجد فى مصر ، وفى سنة 94 هـ (713م) ينصب قرة بن شريك فى جامع عمرو منبراً من الخشب وقد تبع ذلك إدخال المنابر فى قرى مصر فى عهد عبد الملك بن موسى بن نصير والى مصر من قبل الخليفة مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين فى سنة 112هـ (749م)

  1. العصر العباسى : 133هـ (750م) :

              فى سنة 133هـ (750م) دخل صالح بن على قائد العباسيين مصر متعقباً مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين والذى قتله العباسيون فى أبو صير بإقليم الفيوم وبذلك إنتهت الخلافة الأموية وأستقر الأمر للعباسيين وأسندت إمارة مصر إلى صالح بن على ..

جامع عمرو بن العاص :
             وكان من أهم المشروعات المعمارية التى قام بها الوالى العباسى الجديد عمارة جامع عمرو ، وقد ضمت عمارة صالح بن على فى جامع عمرو توسعة الجامع من الشمال الغربى اى من ناحية الجانب المواجهه للقبلة حيث أضاف إليه مساحة أقام فيها أربعة أروقة موازية لجدار القبلة كما فتح فى هذه الزيادة فى الجانب الشمالى الشرقى للجامع باباً جديداً صار يعرف بإسم باب الكحل وبذلك صار فى الجانب الشمالى الشرقى
(الأيسر) للجامع خمسة أبواب وقد أستلزمت هذه الزيادة إدخال دار الزبير بن العوام رضى الله عنه فى المسجد بالإضافة إلى دار عبد الله بن عمر فى الشمال الغربى والتى سبق إدخالها فى المسجد فى عهد قرة بن شريك ، وحتى ذلك الوقت كان جامع عمرو هو المسجد الجامع الوحيد فى الفسطاط كما كان يحظى بحب أهل مصر الذن كانوا يتباركون به ويستمعون فيه إلى الوعظ والأرشاد ، وفى عام 169 هـ شيد جامع آخر على يد الفضل بن صالح بن على أثناء ولايته على مصر من قبل الخليفة العباسى فى مدينة العسكر الذى أسس صالح بن على وابوعون عبد الملك بن يزيد فى الموقع الذى نزلا فيه بعسكرهما فى شمال الفسطاط أثناء مطاردتهما لمروان بن محمد (آخر الخلفاء الأمويين ) ولم يكتب لجامع العسكر بالبقاء إذا خرب بخراب العسكر.
             وفى عام 175هـ أضاف الأمير موسى بن عيسى الهاشمى والى مصر العباسى من قبل الرشيد إضافة فى مؤخرة الجامع عند الجانب المواجه لجانب القبلة وقد أدت هذه الزيادة أن ضاق الطريق أمام الجامع فأخذ الوالى الدار المواجهة للجامع ووسع بها الطريق ، وفى عام 200هـ ذاعت شهرة جامع عمرو بإعتباره مكاناً للدرس والتعليم حتى أن الأمام الشافعى عندما قدم إلى مصر فى ذلك العام ألقى فيه دروسه فى الفقه ، وعرف المكان الذى كان يلقى الإمام الشافعى فيه دروسه بزاوية الإمام الشافعى ، وفى عام 212هـ (827م) أجريت العمارة الاساسية فى جامع عمرو على يد عبد الله بن طاهر والى مصر من قبل الخليفة المأمون وقد أتم هذه العمارة عيسى بن يزيد الجلودى بعد سفر عبد الله بن طاهر إلى بغداد بنفس العام ، فبعد أن كان عرض الجامع صغيراً جداً بالنسبة لطوله فقد أضاف عبد الله بن طاهر إلى الجامع من الجانب الأيمـن ( الجنوبى الغربى ) مساحة تعادل مساحته قبل العمارة ، وبذلك تضاعفت مساحته وحدث توازن بين طوله وعرضه .. وتعتبر عمارة عبد الله بن طاهر أهم العمائر التى أجريت بجامع عمرو سواء من الناحية الآثرية أو من الناحية المعمارية ، وبهذه العمارة إستقرت حدود الجامع حتى الوقت الحاضر ، وصار الجامع على هيئة مربع منتظم تقريباً طوله نحو120 م وعرضه نحو 110م كما ظل الجامع محتفظاً بتصميمه دون تغير ، وقد إتضح من البحوث الدقيقة أن الجامع كان مشيداً بالأجر أو الطوب وأنه كان يشتمل عى ثلاثة عشـر بابـاً : منها خمسة فى الجدار الشمالى الشرقى
(الأيسر) وأربعة فى الجدار الجنوبى الغربى ( الأيمن) وثلاثة فى الواجهة الرئيسية الشمالية الغربية ، وباب الخطيب فى جدار القبلة. وكان الجامع يتألف من صحن تحف به أروقة أربعة تشتمل على صفوف من العقود ترتكز على أعمدة وتمتد موزاية لجدار القبلة.. وكان كل من رواق القبلة والرواق المواجه له يشمل على سبعة صفوف من الاعمدة يحتوى كل منها على عشرين عمودا أما الرواقان الجانبين فكانت صفوف أعمدتها يشتمل كل منهما على أربعة أعمدة ، وكان صحن الجامع يحف به أربع بوائك أو صفوف من العقود ترتكز على أعمدة وكانت كل من بائكة رواق القبلة والبائكة المواجهة لها تشتمل على أثنى عشر عقداً فى حين كل من البئاكتين الجانبيتين تشتمل على ثمانية عقود ، وكان بجدار القبلة ثلاث محاريب إحدهما فى منصف الجدار وهو المحراب الكبير وكان من عمل عبد الله بن طاهر ، وقد ذكر البعض أن هذا المحراب والمنبر بجواره قد أقيما مكان فسطاط عمرو بن العاص نفسه، أما المحراب الثانى فكان على يميمن المحراب الأوسط وكان هو الآخر من عمل عبد الله بن طاهر ، أما المحراب الثالث فكان إلى يسار المحراب الأوسط وكان يرجع إلى عهد قرة بن شريك سنة 93هـ.
            ومن الآثار التى تنسب إلى عبد الله بن طاهر بعض الشبابيك القديمة بالجدار القبلى وبالجدار الجنوبى الغربى ( الأيمن ) وبفضل هذه الشبابيك صار فى الإمكان تصور تصميم شبابيك جامع عمرو فى عهد عبد الله بن طاهر وطريقة بنائها ، ويرى المرحوم محمود أحمد أن الشباك ( كان يتكون من فتحة مستطيلة يعلوها عقد قريب من نصف دائرة سعته أصغر من وسط الفتحة ومتكىء بطرفيه على طبلية ( أو وسادة ) من الخشب محمولة على عمودين قائمين عند منتصف سمك جدار الشباك وحاملين أيضاً طبلية أخرى من الخشب ممتدة بقدر سعة العقد ويقسم الشباك الجص المركب بوسط السمك إلى قسمين أحدهما أسفلها بإرتفاع الفتحة المستطيلة والآخر أعلاها ومحمل عليها ومغط للعقد وكان كل شباك تكتنفه طاقتان مسدوتان.
           ومن الملاحظ أن هذا النظام استعمل فيما بعد مع بعض الإختلاف فى شبابيك جامع أحمد بن طولون وكذلك فى الشبابيك الباقية التى كشف عنها فى الجامع الأزهر، كما لاحظ الدكتور فريد شافعى أنه قد استعمل نوع من العقود المدببة بقيت نماذج منه فوق الشبابيك الصغيرة فى جدار القبلة وحول الطواقى الزخرفية للحنيات فى أعلى الجدار الأيمن ( الجنوبى الغربى ) عند الطرف الغربى ويرى الدكتور فريد شافعى انه من المحتمل ان تكون هذه العقود من النوع المدبب ذى المركزين وانها بذلك تمثل أقدم أمثلة العقد المدبب فى العمارة الإسلامية فى مصر.
         كذلك ينسب إلى عهد عبد الله بن طاهر طريقة لبناء العقود (بجنزير) أى حلقة من صنجات من قوالب الأجر تتجه بطولها نحو مركز قوس العقد ( أى جنزير من طوب على سيفه ويعلوه آخر من طوب على بطنه ) وقد أستعملت هذه الطريقة من قبل فى بناء عقود قصر المشتى وقصر الطوبة فى صحراء الشام اللذان يرجعان إلى العصر الأموى كما أستعملت فيما بعد فى عمائر سامرا وفى جامع سامرا الكبير .. ومن الآثار التى تنسب إلى عهد عبد الله بن طاهر أيضاً بعض الوسائد الخشبية (طبالى ) التى تعلوها تيجان أعمدة فى الركن الأيمن من رواق القبلة ، وفى بعض الشبابيك القديمة فى الجدارين الجنوبى الغربى والشمالى الغربى ويزين هذه الوسائد زخارف محفورة من شريط من لفائف متجاورة من الورق النباتية يخرج منها وحدتان من ورقة العنب الخماسية ومن زخرفة نباتية أخرى محورة تتألف من ثلاثة أو أربعة من الوريقات النباتية التى تنتهى كل منها بثلاث شعب ، وتملأ هاتان الوحدتان بالتبادل اللفائف المتجاورة ومما يسترعى الانتباه ان هذه الزخارف قريبة الشبه من زخارف الفسيفساء بقبة الصخرة وبعض الزخارف الجدارية بالمسجد الأقصى فى القدس .
         ولم تقم بالجامع منذ سنة 212 هـ حتى دخول الفاطميين مصر فى سنة (358هـ-969م)  أية عمائر مهمة تغير من معالمه تغييراً جوهرياً ..ومع ذلك أضيفت فى سنة 237هـ زيادة على يد الحارث بن مسكين عند توليه القضاء من قبل المتوكل على الله ، إذا امر ببناء رحبة إلى جانب جدار الجامع الأيمن ( او الجنوبى الغربى) ليتسع بها الناس ، وقد صار الناس يتبايعون فيها يوم الجمعة ، وقد اضيف إلى هذه الرحبة فى سنة 357هـ رواق مقداره تسعة أذرع أو حوالى ستة امتار ونصف وقد بدأ بناء  هذا الرواق على يد أبى بكر محمد بن عبد الله الخازن وتم فى سنة 358هـ ، وكذلك أضيفت إضافة ثانية على يد أبى ايوب أحمد بن محمد بن شجاع أحد عمال الخراج فى عهد أحمد بن طولون ، وكانت الزيادة أمام واجهة الجامع الرئيسية وصارت تعرف برحبة أبى ايوب ، وكان فى غربيها محراب ينسب إلى ابى أيوب ايضاً ، وكان جامع عمرو يشمل على بيت المال الذى وصفه الرحالة أبن رستم الذى زاره فى القرن الثالث الهجرى ووصفه فى كتابه " الأعلاق النفيسة " بأنه يقع أمام المنبر ، وانه على هيئة حجرة فوقها قبة ترتكز على اعمدة من حجارة ، وكان منفصلاً عن سطوح المسجد ولا يمكن الوصول إليه إلا عن طريق قنطرة من الخشب كانت تجر بالحبال حتى يستقر طرفها على سطح المسجد ، وكان له باب من حديد بأقفال ، وواضح من هذا الوصف أن بيت المال كان يقع فى رواق القبلة إلا انه يبدو أنه لم يأت القرن الخامس الهجرى حتى كان بيت المال قد نقل إلى الرواق المواجه لرواق القبلة ، وفى عهد خمارويه بن أحمد بن طولون إجتاح جامع عمرو حريق فى سنة 275هـ (888م) دمر معظم عمارة عبد الله بن طاهر فأمر خمارويه بعمارة الجامع وترميمه وإعادته على ماكان عليه ، وتم فيها تزويق الأعمدة ، وظل جامع عمرو أيضاً موضع عناية الأخشيديين ، ففى عهد الأخشيد ذهبت أكثر أعمدة فى سنة 324 هـ ولم يكن بالمسجد قبل ذلك عمد مذهبة غير أربعة عمد حول قبلة المسجد كان قره بن شريك قد ذهب رؤوسها..وفى سنة 336هـ بنى فيه غرفة فى السطح ليؤذن فيه المؤذن وذلك على يد حفص العباسى.
مسجد أحمد بن طولون (263-265هـ) (876 – 878 م) :
          ولكى نتابع تطور المساجد فى العصر العباسى نأخذ مثالاً آخر لكى نتابع تطور مساجد هذا العصر وهو مسجد أحمد بن طولون كنموذج من العصر الطولونى ، يعتبر جامع إبن طولون ثالث المساجد الجامعة فى مصر بعد جامع عمرو بن العاص وجامع العسكر الذى بناه الفضل صالح بن على سنة 169 هـ وقد بقى جامع العسكر حتى عام 500هـ ثم خرب بخراب مدينة العسكر ..وعلى عكس جامع عمرو الذى فقد جميع معالمه الأصلية ، وجامع العسكر الذى أختفى من الوجود تماماً ، بقى جامع أبن طولون حتى اليوم محتفظاً بجميع حدوده القديمة وبمعظم معالمه الأصلية..عندما عزم أحمد بن طولون على بناء جامعة أراد أن يكون بناءاً باقياً لا تهدده الحرائق ولا المياه فنصح بأن تكون مواد بناءه هى الجير والرماد والأجر الأحمر القوى وأن لا يجعل فيه أساطين رخام لعدم قدرتها على مقاومة النار ، وهكذا بنى جامع أبن طولون بالأجر بدلاً من الحجر..فقد ذكر جامع السيرة الطولونية أن أحمد بن طولون وجد أنه يحتاج إلى ثلاثة أعمدة من الرخام يقيم عليها السقف ، وكانت العادة أن تجمع هذه الأعمدة من المبانى القديمة ولم يرغب أبن طولون فى ذلك خصوصاً أن أغلب المبانى القديمة كانت كنائس – إلى أن بلغه من مهندس كان مغضوباً عليه وملقى فى السجن يعرض عليه إستعداده لبناء الجامع دون الإلتجاء إلى إستخدام الأعمدة – فأسند إليه أحمد بن طولون مهمة البناء  .فبدأ المهندس فى البناء فى الموضع الذى هو فيه – وهو جبل يشكر- فكان ينشر منه ويعمل الجير ويبنى إلى أن فرغ جميعه وبيضه ، ويؤثر هذا المسجد فى النفس بضخامة وبساطة تصميمه ، ويتكون من صحن مكشوف مربع تقريباً ، فى وسطه بناء مربع التخطيط وتعلوه قبة محمولة على صفوف من المقرنصات ، تحيط به من جوانبه الأربعة أيوانات أكبرها الأيوان الشرقى وهو ايوان القبلة ، وبه خمسة صفوف من الدعائم المستطيلة تحمل عقوداً مدببة ، وفى أركان الدعائم أعمدة مندمجة ذات تيجان رومانية الشكل ومزخرفة بزخارف نباتية ، وهناك ثلاث أروقة خارجية بين جدران الجامع وبين سوره الخارجى وتسمى بالزيادات والراجح أنها بنيت عندما ضاق الجامع على المصلين ، كانت مثل هذه الزيادات موجودة فى المسجد الجامع بسامرا ، وفى أعلى جدران الجامع وجزء من الأسوار الخارجية شرافات مفرغة ، وكان للجامع 42 باباً فى جدار المسجد ، بالإضافة إلى أربعة أبواب صغيرة فى جدار المحراب ، أما الآن فالمفتوح من ابواب الأسوار خمسة فى كل من السورين البحرى والقبلى وبابان فى الجدار الغربى ، ويوجد فى الجامع ستة محاريب بالأيوان الشرقى ، إحداهما المحراب الأصلى الذى يجاور المنبر ، يكتنفه أربعة أعمدة رخامية ، وقد عملت به إصلاحات أهمها الفسيفساء التى اضيفت فى عهد السلطان لاجين.
          أما المحاريب الخمسة الباقية فكلها من الجص ومستوية الوجوه ، وفى المسجد 128 نافذة مزخرفة بالجص المفرغ ذات أشكال هندسية بديعة ، وأغلبها مجدد فيما عدا أربع فى جدار القبلة تعود إلى زمن إنشاء المسجد ، واغلب زخارف المسجد محفورة فى الجص نراها فى واجهات الأروقة المشرفة على الصحن وحول الطارات الكبيرة والصغيرة وفى الشريط الذى يدور حول المسجد أسفل أطر الكتابة ، وفى باطن بعض العقود المطلة على الصحن ، أما الزخارف المحفورة على الخشب فقليلة نراها فى اعتاب بعض الأبواب وتبلغ مساحة المسجد بالزيادات 162,46,162 متراً ، أى حوالى ستة أفدنة ونصف ومساحته بدون الزيادات 140,33 x 122,26 متراً ، والمسجد كله مبنى بالطوب الداكن المغطى بطبقة سميكة من البلاط تعلوها طبقة أخرى بيضاء من الجص بها زخارف محفورة ، اما المئذنة فتقع فى الزيادة الشمالية الغربية منحرفة قليلاً عن محور المسجد ويبلغ إرتفاع المئذنة نحو 40 متراً ، وهى أول مئذنة أنشئت فى مصر ، وتتكون من قاعدة مربعة بها سلم حلزونى يعلوها جزء إسطوانى يجرى خارج الدرج ، ويعلو هذا الجزء جزء مثمن وآخرها طاقية مضلعة على شكل المبخرة وتشبه المئذنة تصميم مئذنة سامرا المعروفة بإسم " الملوية " وجسم المئذنة بأكمله من الحجر على خلاف جسم المسجد نفسه المبنية حوائطه من الطوب ، ومسجد أحمد بن طولون يعتبر نموذجاً للطراز العباسى .

  1. العصر الفاطمى ( 358 -567هـ /969 -1171م) :

          يعتبر عصر الفاطميين عصر رخاء وإزدهار للمعمار ، فهو بحق عصر بدء التطور للمعمار فى مصر الإسلامية ، واشتمل هذا العصر على العديد من العمائر فى شتى الأغراض ، فشهد تخطيط المدن وإنشاء الأسوار والمداخل فى القاهرة وتعمير المساجد والقصور ، كذلك بناء المقابر المغطاة بقباب لأول مرة فى مصر الإسلامية أيضاً تطور المئذنة والزخارف .
        وقد بدء العصر الفاطمى فى مصر بفتح القائد الفاطمى جوهر الصقلى مصر عام ( 969 م) فأسس القاهرة ثم إتخذها الخليفة الفاطمى جوهر الصقلى عاصمة لدولته .
         بدء جوهر الصقلى بتعمير سور لبن للقاهرة والتى بلغت مساحتها 350 فداناً ثم بدء فى تعمير القصر الشرقى الكبير والذى بلغت مساحته 70 فداناً ، وعلى مقربة منه بدء جوهر فى بناء أول مسجد جامع أنشىء فى القاهرة وهو الجامع الأزهر.
الجامع الأزهر ( 359-361هـ /970 -972م) :
             كان مسجد الأزهر زمن بنائه يمثل مساحة مستطيلة ، مقاساتها الخارجية 88 م طولاً، 70 عرضاً، وكان بيت الصلاه فيه يمتد 85 متراً فى موازاة جدار القبلة ، وكان المسجد مكوناً من ثلاث أيوانات حول الصحن ، الأيوان الشرقى هو بيت الصلاة مقسم إلى خمسة أساكيب" أروقة " عرض كل منها 4,25 م تقريباً  ويعلو رواق المحراب " أسكوب المحراب" ثلاث قباب ، واحدة أمام المحراب ومكانها قبة مجددة الآن ، والآخريات واحدة على كل طرف من طرفى الرواق . وفى كل من الجانبين القبلى والشمالى ثلاثة أروقة والجدار الغربى ليست به اروقة ويتوسطه الباب العام وتعلوه منارة وغالباً كان هذا الباب بارزاً عن الجدار ، ويقسم بيت الصلاة " الأيوان الشرقى " مجاز قاطع يتجه مباشرة لمحراب القبلة ، وعرض بلاطته يصل إلى سبعة أمتار أى بعرض يفوق باقى بلاطات المسجد بثلاثة امتار ، وسقف هذا المجاز وعقوده أعلى من مستوى باقى الإرتفاعات بالمسجد ، وبهذا المجاز كتابات كوفية وزخارف نباتية .
            وبنيت جدران المسجد الفاطمى الأول من الآجر ، كذلك عقوده وقبابه ودعاماته وجلبت عمده وتيجانه من الآثار القديمة كما جرت عليه العادة فى بناء المساجد الأولى ، وقد عمد البنائون الفاطميون إلى تنسيق هذه الأعمدة القصيرة ورفعها فوق الأسس وأعدادها لحمل العقود مع رفعها إلى اقصى علو إستطاعت أن تحتمله ، والعقود جميعها "فيما عدا عقود الصفوف التى تحف بجانبى الصحن" كانت ترتكز على اعمدة منفردة وكانت أطراف العقود لا ترتكز مباشرة على تيجان الأعمدة بل كانت ترتكز على مجموعة تعلو هذه التيجان ، وكانت هذه المجموعة تتكون من جدار  أى مكعب من البناء إرتفاعه يقرب من النصف متر يعلوه طنفة وأسفلها طبلية من الخشب ، ومع إستخدام الجدارات والعقود المدببة ذات المركزين مع إستخدام أوتار الخشب نجح البناه فى رفع البناء إلى مايزيد عن ستة امتار وتعلو بلاطة المحراب بمتر ونصف فوق هذا العلو .
           وقد أقيمت عقود واجهات الصحن بحيث لاترتقى على حدارات ولكن على طبالى أو قرم خشبية أقيمت فوقها تيجان الأعمدة وأزداد تدبيب العقود ، وزينت الجدران التى تعلو بوائك الصحن بطاقات صماء على هيئة محاريب مدببة كل منها محاط بأزار بالخط الكوفى وبين قمم العقود وبين هذه المحاريب سرر وردية ضخمة ، ويعلو واجهتى الصحن من ناحية بيت الصلاة والمقابلة لها شرافات هرمية .
             وكان للجامع ثلاثة أبواب فى جدرانه القبلية والشمالية والغربية وعلى جدرانه شبابيك بالحصى المفرغ باشكال هندسية مختلفة وعقودها مستديرة وأحيطت بأفريز مكتوب بالخط الكوفى المزهر.
             وبعد اربع سنوات قام الخليفة العزيز بالله بن المعز لدين الله بإصلاح ماتطلب التجديد وفى عام 400هـ (1009م) جدد الخليفة الحاكم بأمر الله مئذنة الأزهر وقام ببعض التجديدات الأخرى التى بقى لنا منها باب خشبى محفوظ بمتحف الفن الإسلامى ، ثم جدد المستنصر بالله المسجد أثناء خلافته (427-487هـ /1036 -1094 م) وتبع خطاه حفيده المنصور أبو على الآمر بأحكام الله ( 495هـ /1101م) والذى بنى محراباً بالأزهر ، ولما تولى الحافظ لدين الله (524هـ/1129 م) أجرى بالمسجـد الأزهـر أعمالا هامة وجدد بناءه وأنشأ فيه مقصورة فاطمة التى ذكر عنها المقريزى " مقصورة لطيفة بجوار الباب الغربى الذى فى مقدم الجامع بداخل الرواقات" وقد ذكر الأستاذ / حسن عبد الوهاب فى مقال له أسمه العمارة الإسلامية فى العصر الفاطمى " أن الخليفة الحافظ لدين الله أضاف رواقاً يحيط بالصحن من جوانبه الأربعة مكوناً من عمد رخامية فوقها عقود فارسية الطراز وقبة رشية بأول المجاز" وهذه القبة تعتبر من الأعمال الهامة بالمسجد الان .
          والشىء الظاهر أن عمارة المسجد الأزهر لم يطرأ عليها تغيير بالإضافة أو الهدم وان الأعمال التى أجريت فيه طيلة المائتى سنة الأولى من إنشاءه إقتصرت على تدعيم مبانيه وتجديد زخارفها ، ولما أنقضت الدولة الفاطمية كانت مساحة الأزهر 13000 ذراع أى أقل من نصف مساحته الحالية اليوم وهى 26333 ذراعاً (12000م2) والمتبقى من العصر الفاطمى فى العمارة الحالية للمسجد :-

  1. عقود المجاز الأربعة الأولى من الجانبين وما أشتملت عليه من زخارف وكتابات كوفية وهى ترجع إلى عهد جوهر.
  2. الزخارف الكتابية حول الشبابيك الجصية الباقية فى الجانب الشرقى والغربى وأول الجانب القبلى وكلها من عصر جوهر .
  3. المحراب الكبير الأصلى بكتاباته ونقوشه التى أكتشفها المرحوم حسن عبد الوهاب عام 1933 .
  4. زخارف وكتابات مؤخر الجامع من داخل رواق القبلة وهى ترجع إلى عصر الحاكم لتشابه زخارفها مع زخارف الجامع الحاكمى رغم ماطغى عليها من تجديد .
  5. القبة على رأس المجاز القاطع منذ عصر الحافظ وقد أحتفظت بنقوشها وكتاباتها الكوفية ، أما القباب الثلاث الاخرى فقد إندثرت وجددت القبة الحالية التى فوق المحراب فى العصر المملوكى .

             وقد مرت بالأزهر بعد العصر الفاطمى فترة ركود ، وذلك أن السلطان صلاح الدين الأيوبى أمر بألا تقام فيه صلاة الجمعة وأكتفى بإقامتها فى الجامع الحاكمى حتى العصر المملوكى عندما بدأ السلطان الظاهر بيبرس فى تجديد عمارة الأزهر وأعاد إقامة الجمعة إليه .
مسجد الحاكم ( 380 هـ -403هـ /990-1012 م ) :
             بدء الخليفة العزيز بالله بن المعز إنشاء مسجد خارج أسوار جوهر وملاصقاً لها عام 380 هـ وأديت فيه صلاة الجمعة فى رمضان 381 هـ - نوفمبر 991 م ، ولكن بناءه لم يكتمل إلا فى عهد إبنه الحاكم بأمر الله والذى بدء العمل فيه عام 393 هـ /1003 م وأتم البناء عام  403هـ /  1012 م فسمى المسجد بإسمه .
             مسجد الحاكم مستطيل المسقط وطول جدار القبلة الخارجى 120م ، وطول جداريه الشرقى والغربى 113م ، وبهذا يعتبر ثانى مساجد القاهرة مساحة بعد المسجد الطولونى وبيت الصلاة فى كلا المسجدين يكاد يكون متساوياً ، فنجده يمتد فى الحاكم لأثنى وثلاثين متراً ويشتمل على خمسة أروقة بها سبع عشرة بلاطة تفصلها صفوف من الدعامات الموازية لحائط القبلة ن كل صف منها به 16 دعامة ، ومتوسط عرض الرواق خمسة أمتار ورواق المحراب عرضه خمسة أمتار ونصف ومتوسط عرض البلاطة بين الدعامات أربعة امتار ونصف، وبلاطة المجاز القاطع للمحراب عرضها ستة أمتار .
         وجدران المسجد شامخة عالية تصل إلى مايقرب من أحد عشر متراً وهى سميكة مبنية بخليط من الحجارة والآجر ، وقد أستخدمت الأحجار فى الدعامات المطلة على الصحن من بلاطة المحراب وعقدها وكذلك المئذنتان والبوابات .
        تتوسط البوابة الجدار الشمالى وهى أقدم بوابة قائمة فى عمارة مصر الإسلامية ، وهى بوابة ضخمة عبارة عن برجين ضخمين من الحجارة المصقولة يخرجان ستة امتار عن الجدار وعرض كل منهما ستة امتار أيضاً وطوله ثمانية أمتار ، وبين البرجين ممر طوله ستة أمتار وعرضه ثلاثة أمتار ونصف تعلوه قبوة مقوسة إسطوانية من الآجر، ينتهى الممر بباب عرضه متران ونصف يليه ممر ثان ، والمدخل مقابل لمحراب القبلة .
          وعلى ركنى المسجد الغربى الشمالى ، والشمالى الشرقى تنتصب مئذنتان يعود جسمها لعهد الحاكم نفسه " وإن كانت نهايتاها مجددتين فى العهد المملوكى " إلا إنهما يعتبران أقدم مئذنتين قائمتين فى مصر ، وكلا المئذنتين لها قاعدة خارجية مربعة يعلوها معطف حجرى على هيئة برج ضخم بداخله قاعدة داخلية مربعة يعلوها بدن ، والبدن الداخلى للمئذنة الشمالية الغربية مثمن ، أما البدن الداخلى للمئذنة الشمالية الشرقية إسطوانى مستدير ، والمعطفان هرميا الشكل ويعلو المعطف الشمالى الشرقى بمترين على المعطف الشمالى الغربى والمئذنة الشمالية الشرقية إرتفاعها ستة وأربعون متراً والمئذنة الشمالية الغربية إرتفاعها خمسة واربعون متراً ، وكل بناء المآذن سواء المعاطف أو البدن مبنية بالحجر المصقول فى العهد الفاطمى .. وإن كانت نهايات المآذن الموجودة حالياً مبنية بالآجر فى العصر المملوكى .
           ودعامات المسجد عريضة متوسط طولها متران ونصف ومتوسط عرضها متر وربع وتحمل عقوداً وتمتد لجدار القبلة دون أن تقطع مجاز المحراب فى بيت الصلاة وفى أيوان المؤخرة كما تمتد موازية للجدار الشرقى والغربى فى مجنبتى المسجد ، وقد دمجت أعمدة غير واضحة فى أركان الدعامات مثل التى كانت فى المسجد الطولونى وإن لم تكن واضحة مثلها وليست لها تيجان ناقوسية منتفخة ، وتمتد أوتار خشبية بين الدعامات تربط بين العقود .
           كان محراب المسجد طاقة مجوفة مقبوة من الآجر تكسوها تراكيب خشبية يحيط بها عقد مدبب يرتكز على عمودين وقد إندثرت زخارف المحارب والعمودين ، وقد فتحت فوق المحراب نافذتان صغيرتان عن يمينه وعن شماله ، وكانت هناك نوافذ بأعلى الحوائط قاعدة كل نافذة تعادل ( 126 سم ) تقريباً وإرتفاعاتها ( 168 سم ) ومعقودة كل منها إطار زخرف بالخط الكوفى وكل هذه النوافذ لم يبق منها واحدة كاملة ، وشرافات المسجد ترسم شكل مدرجات هرمية متجاورة يتوسطها فتحة مدببة وتعلو أزاراً مخرماً به أشكال زخرفية .
           وقد جدد المسجد فى العهد المملوكى على كثر ماأصابه من خراب عام 702 هـ /1302 م ثم إستخدم فى اشياء عدة فى القرنين الثامن والتاسع عشر ثم جدد مؤخراً عام 1980 /1981 م .
         العمارة الفاطمية المتبقية بالمسجد هى الجدران الخارجية وأجسام المآذن وداخل المسجد بلاطة المحراب وعقودها وبعض دعامات وعقود الصحن ، وقبة المحراب كذلك بعض المقرنصات والكتابات القديمة من قباب الجنب .
مسجد الأقمر " 519 هـ /1125 م " :
         أمر ببناءه الخليفة الآمر بأحكام الله ، وبنى أمام قصر الخلافة بقصبة المعز لدين الله ، ولم تقم بالمسجد فى العصر الفاطمى صلاة جمعة لكن عرف بالجامع الأقمر .
        المسجد مقام على ناصيتى شارعين فى ركن يشغل زاوية حادة ، وهو بهذا أول مسجد يبنى طبقاً لمحددات النسيج العمرانى المحيط به ، وهو مستطيل غير منتظم الأضلاع من الخارج وطول الضلع القبلى 23,50م والشرقى 37,5 م والغربى 31م والشمالى 20م ولكن حدود المسجد الداخلية تمثل مستطيلاً منتظماً ، أضلاعه 27م ، 17,5 م .
            بيت الصلاة يتكون من ثلالثة أروقة موازية لحائط القبلة أكبرها لا تخترقه عقود أو أعمدة وعرضه خمسة أمتار وفى آخره قاعة مستقلة ومستطيلة تشغل الفراغ المتبقى بين المسجد وحد الشارع ، والرواقان الآخران عرض كل منهما ثلاثة أمتار فقط .
           والصحن مكشوف مربع وطول ضلعه عشرة أمتار ، وتطل عليه من كل جانب من جوانبه الأربعة بائكة من ثلاثة عقود ترتكز كل منهما على عمودين منفصلين فى الوسط وعلى دعامتين مشتركتين فى الأركان ، والدعامات الأربعة هى الدعامات الوحيدة بالمسجد فيما عداها ترتكز عقود المسجد الأثنى وأربعين على ستة عشر عموداً مجلوبة من المبانى القديمة وعقود المسجد عقود متعامدة مبنية بالآجر وهى منفرجة إرتفاعها حوالى ثلاثة امتار وهى أول مثل لإستخدام هذه العقود فى العمارة الإسلامية وصحن المسجد يطل عليه بيت الصلاة ورواقان مجنبان ورواق مؤخر .
           نتج عن كون حدود المسجد غير منتظمة وجود بناء لملىء الفراغ فى الواجهة فتوجد قاعة صغيرة على يمين الداخل وقاعتان على يساره تستعمل إحداهما للإرتقاء إلى المئذنة ، ويبلغ عرض المدخل مترين ويؤدى إلى ممر مسقوف يتصل بالمسجد بزاوية منفرجة، وللمسجد مدخل صغير فى واجهته الغربية وأقيمت بالجدار الشرقى طاقات أو تجويف تطل على المجنبة وتزداد إتساعاً فى إتجاه القبلة حتى تصل إلى القائمة المستطيلة التى بجوار القبلة.
           مسجد الأقمر هو اول مسجد قائم يهتم بواجهته وبنائه وزخرفته وهو أكمل المساجد الفاطمية من الناحية الفنية ، وواجهته هى أول واجهة تستخدم فيها المقرنصات كعنصر جمالى فى الواجهات والزخارف لا تقتصر على البوابة كجامع الحاكم ولكنها تشمل الجدار الشمالى بأكمله ويجرى على الواجهة أفريزان بالخط الكوفى وثلاثة أزر أفقية.
           وهذا المسجد ينطق بالطابع الفاطمى وهو أبسط المساجد تصميماً وأجملها والمتبقى من واجهة الأقمر حالياً القسم الأوسط وجناحها الأيمن حيث غطى بناء حديث الجناح الأيسر منها ، وهذه الواجهة تحتوى من الزخارف الإسلامية المنوعة مايجعل منها تحفة فنية فريدة فى عماراة القاهرة فى العصر الفاطمى ، ولكن التلف بدء يصيب أجزاء كثيرة من نقوشها .
مسجد الصالح طلائع " 1160 م " :
             اقامه الصالح طلائع بن رزيك ليضم مشهد الحسين لكن الخليفة أبى ألا أن يقام المشهد بالقصور الزاهرة ، ولم تقم صلاة الجمعة بهذا المسجد إلا بعد نحو مائة عام .
             والمسجد مسجد معلق كانت تحته أبنية تستخدم مخازن وحوانيت يرصد ريعها لإصلاح الجامع  ومسقوفة بأقبية إسطوانية حجرية وإرتفاعها أربعة أمتار ، وهو الأول من نوعه فى القاهرة .
             والمسجد بسيط التصميم حيث أنه مستطيل منتظم طوله ضعف عرضه حيث طوله ثلاثة وخمسون متراً وعرضه سبع وعشرون ، وبيت الصلاة يتكون من ثلاثة أروقة موازية لجدار القبلة ورواق المحراب متصل لا ينقسم إلى مربعات كالرواقين الآخرين ، وعرض رواق المحراب خمسة أمتار أما الرواقان الآخران فعرضهما ثلاثة أمتار ، وجدارن المسجد مبنية من الداخل بالآجر ومن الخارج بالحجارة ، وقد عنى بصف الحجارة وصقلها وزخرفتها .
             عقود المسجد تقوم على أعمدة رخامية وضعت على مكعبات حجرية يعلوها تيجان قديمة وهى عمد طويلة، والعقود منفرجة مطولة الأطراف وترتفع عن الأرض عشرة أمتار ونصف وترتبط العقود بأوتار خشبية.
             وصحن المسجد مكشوف يحيط به مجنبات من رواق واحد والصحن مستطيل غير منتظم تماماً وللمسجد ثلاثة مداخل ، مدخلان جانبيان ومدخل بالرواق المؤخر يمر بممر مسقوف بقبوة إسطوانية طولها أربعة امتار وربع وعرضه ثلاثة أمتار وربع ويؤدى إلى صحن ثان خارجى مسقوف طوله ثمانية عشرمتراً ونصف وعرضه أربعة أمتار و20سم ، ولهذا الصحن واجهة من خمسة عقود تقوم على اربعة أعمدة ، وقد أقيمت فى كل من طرفى الصحن المسقوف وفى مؤخر المسجد ثلاثة غرف متصلة وهناك سلمان على جانبى المدخل كانا يوصلان المئذنة التى إنهدمت فى عام 702هـ / 1303م ، وأرضية المسجد كانت تعلو متراً عن سطح الأرض وترتفع جدران المسجد خمسة عشر متراً فوق الأرضية .
             بالواجهات الداخلية طاقات مصممة على شكل محاريب وصرر زخرفية وأطر من الكتابة الكوفية وزخارف منوعة ، ويوجد بجدار المسجد نوافذ معقودة بعقود مدببة يحيط بها إطار من الكتابة الكوفية المزهرة وهذه النوافذ كانت مكسوة بستائر جصية مزدوجة مزخرفة ومخرمة ، والمحراب مجوف ورأسه عقد منفرج تحيط به الكتابات الكوفية ، وكان سقف المسجد خشبياً ومحلى بالزخارف المنقوشة .
             ويعلو واجهة المسجد أطر زخرفية وآزار من الكتابة الكوفية وزخارف منحوتة ونوافذ وعقود منفرجة وصرر زخرفية ومحارات وأشكال زخرفية ونباتية متعددة وكسوات مزركشة ، ولعل أبرز عناصر زخرفة الجامع الصرر المزخرفة وكان منها بالجامع مئة مختلفة .
             مسجد الصالح طلائع آخر مسجد أقيم فى القاهرة فى العصر الفاطمى وتجلت فيه عناصر الفن الإسلامى بالعصر الفاطمى وهو أول مسجد معلق بالقاهرة ولذا يعتبر من أهم الآثار الفاطمية .
المدارس فى العصر الفاطمى :-
             ذكرنا فى الأمثلة السابقة تطور المسجد الجامع فى العصر الفاطمى وظهور المساجد الصغيرة التى تتبع شكل النسيج المعمارى فى تصميمها والمساجد المعقدة وظهور العديد من العناصر الزخرفية .
             وإستكمالاً لذكر تطور المسجد فى العصر الفاطمى نجد لزاماً علينا أن نشير إلى المدارس ، والمدارس كما يرى مؤرخو المعمار المسلمين هى جزء من سلسلة تطور المسجد ودليل على النهضة الفكرية التى سادت أيام إزدهار حضارة المسلمين ، ومن الجدير بالذكر أن نظام المدارس بدء فى نيسابور وأول مدرسة أنشأت فى الاسلام هى مدرسة ابن فورك عام 406ه / 1015 م حسب ماجاء فى ( كتاب الوافى بالوفيات ) للصفدى ، وقد بنيت فى نيسابور فى نفس الوقت تقريباً حسب رواية المقريزى المدرسة البيهيقية والمدرسة السعدية ومدارس أخرى .
             والواقع أن المساجد الجامعة كانت تتخذ مدارس من العصور الأولى حيث كان يتم تدريس الدين وعلومه فى الجوامع العتيقة ، والتطور الذى حدث  فى المدارس أنها كانت تنشىء برسم مدرسة ويجرى على مدرسيها وطلابها الرزق ويرتب لهم مكان للسكن وكان لها  أمام ومقيم للشعائر وتقام فيها الجمعة .
             وقد أنشىء فى العصر الفاطمى عدة مدارس ، وصلنا ذكرها فى كتب المؤرخين الأقدمين ولكن لم نصل إلى آثار منها ، فكما جاء فى الخطط التوفيقية أن مسجد سيدى معاذ المبنى عام 552هـ /1157 م
" كان أصله مدرسة بنيت على مشهد الشريف معاذ بن داود " وقد ذكر كل " من القلقشندى فى " صبح الأعشى" والمقريزى فى خططه أن مسرور الخادم والذى كان أحد خدام القصر الفاطمى بنى مدرسة بالقاهرة عرفت بالمدرسة المسرورية وذلك فى نهاية العصر الفاطمى ، كما ذكر أبن ميسر فى كتابه " أخبار مصر " أنه كان بالأسكندرية مدرسة لتدريس المذهب الشافعى عرفت بالمدرسة العوفية إنشأها الوزير رضوان بن ولخشى عام 532 هـ /1138 م فى عهد الخليفة الحافظ لدين الله ، كما ذكر أبن خلكان أنه كانت بالأسكندرية مدرسة أخرى للمذهب الشافعى عرفت بالمدرسة السلفية أو الحافظية بناها على بن سلار وزير الخليفة الظافر عــــــام 546 ه / 1151م ، وهذا هو كل مالدينا عن المدارس بالعصر الفاطمى ، وسنورد فى العصر الأيوبى تفاصيل كاملة لإنشاء المدارس وعناصرها .
5-المسجد والمدارس فى العصر الأيوبى ( 567 -648 هـ / 1171 – 1250 م ) :-
         نجد من الضرورى ذكر عناصر المسجد الجامع بصفة عامة كما ذكرها د /أحمد  فكرى فى كتابه
" مساجد القاهرة ومدارسها – المدخل " حيث حدد العناصر الرئيسية للمسجد الجامع بأنها :-
أولاً : - جدار القبلة هو قاعدة تخطيط المسجد
ثانياً : - بيت الصلاة هو أهم بناء بالمسجد الجامع
ثالثاً : - يتوسط المسجد الجامع بهو مكشوف فسيح يطل عليه بيت الصلاة وهو  مصدر الضوء والهواء
رابعاً : - أن هذا الصحن محاط بمجنبات وموخر
           المعروف أن الدرس بالمسجد نشأ بنشأة الإسلام ، وقد إستخدم المسجد للتدريس منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وقد روى المؤرخون أنه كان بمسجد عمرو العتيق زوايا وحلقات عديدة ، وكذلك الحال مع الأزهر والحاكم والجامع الطولونى ، ولم يقتصر الدرس على المساجد الجامعة بل أقيم فى غيرها من مساجد القاهرة .
           وقد شاع التدريس براتب معلوم فى العالم الإسلامى منذ أوائل القرن الخامس الهجرى " الحادى عشر الميلادى " ولا تكاد تخلو شروط وقفية من وقفيات المدارس من ذكر أمام أو خطيب معين مع المدرسين وكذلك مؤذن مع تزويد المدرسة غالباً بمئذنة رغم تعدد المآذن فى الحى والمدينة الواحدة وعدم الحاجة لاقامة مأذنة خاصة ، إلا أن بناه القاهرة رأو أن المئذنة تأكيد لصفة الجماعة بالمدرسة .
           وقد فنـد د.أحمد فكرى نظريات المستشرقين عن مصادر تخطيط المدارس وذلك فى كتابــه " مساجد القاهرة ومدارسها فى العصر الأيوبى" ففند نظريات النظام الصليبى البيزنطى السورى ، والقاعة والدرقاعة المصرية والنظرية الفارسية والساسانية ، وأثبت عدم صحتها ، ثم قام بشرح العناصر الرئيسية بالمدرسة وأنها هى نفسها العناصر الرئيسية بالمسجد الجامع ، حيث أثبت أن جميع المدارس دون إستثناء يرتكز تخطيطها على جدار القبلة وإن كل مكون من مكونات المدرسة لابد أن يكون به جدار مواز لجدار القبلة كذلك أن العنصر الثانى وهو بيت الصلاة كان يتخذ مركز الصداره فى بناء المدرسة تماماً كالمسجد الجامع وكان يتسع للمصلين من خارج المدرسة والعنصر الثالث هو البهو المكشوف والذى نجده فى كل مدرسة من المدارس تماماً مثل المساجد الجامعة ، أما بالنسبة للعنصر الرابع وهو المجنبات والموخر فيرى د . أحمد فكرى أنه إستبدل بسكن المدرسين والطلاب .
    من كل هذا نجد أن المدرسة الكبرى تستمد نظامها من المسجد الجامع وتمثل تطوراً منطقياً إقتضاه تطور نظم البناء والتسقيف وكذلك إضافة وظيفة جديدة ثابتة له ، وليست نقلاً عن مصادر أخرى أجنبية كما زعم المستشرقون .
   هكذا يمكن تعريف المدرسة فى الإسلام بأنها هى المسجد الجامع الذى أقيمت فيه بيوت لسكنى فريق مختار من الفقهاء والطلاب ، رتب لهم أجر معلوم وأجريت عليهم جراية مع توفير سبل البحث والدراسة والمعيشة ، وهذا ينطبق على المدارس الكبرى ، حيث أن المدارس الصغرى كان يمكن إقامتها فى دار مجاور للمسجد .
   لم يرد فى كتب المؤرخين ذكر أن الأيوبيين قاموا ببناء مساجد جامعة فى القاهرة ، كذلك لم يرد ذكر أنهم قاموا بإصلاحات هامة فى الجوامع التى كانت قائمة بالقعل ، ولكن بقى لنا العديد من المشاهد التى ذكرها المؤرخون كذلك بقى لنا آثار مدرستين من اصل أربع وعشرين مدرسة أنشئت بالفسطاط والقاهرة وآخريين أقيمتا بالفيوم ، وسنورد فيما يلى وصفاً موجزاً للمدرستين .
المدرسة الكاملية " 622 هـ / 1225 م " :
               تعرف بدار الحديث الكاملية أنشأها السلطان الملك الكامل محمد بن الملك العادل أبى بكر بن ايوب عام 622 هـ / 1225 م وهى ثانى دار عملت للحديث بالعالم الإسلامى بعد دار الحديث التى أنشأها الملك نور الدين زنكى بدمشق ، وقد وقفت المدرسة الكاملية على المشتغلين بالحديث ثم على فقهاء الشافعية وحسب رواية المقريزى أن هذه المدرسة كانت زاهرة حتى عام 806هـ /1403م وكانت قائمة فى عهده أى حوالى عام 480 هـ /1436 م وكانت فى المكان المواجه لباب قصر بشتاك حالياً .
        وقد عملت حفائر عديدة فى أطلال المدرسة لم يترتب عنها كشف شىء جديد ، وإ ن كانت أسفرت عن محاولة لرسم تخطيطها ، وقد تبقى من المدرسة جزء من قاعة مستطيلة فى مؤخرها ، طولها عشرة أمتار ونصف تقريباً وعرضها تسعة ونصف مسقوفة بقبوة مدببة من الآجر تتكون من مداميك أفقية تعلوها مداميك رأسية وإرتفاع القبوة عن مستوى منبتها ستة أمتار تقريباً ، ومستوى سطح الأرض غير محدد لتراكم الأتربة عليه ، وجدران القاعة سميكة مبنية بالحجارة ، وسمك الجدران يقرب من مترين وسمك القبوة متدرج من متر عند المنبت إلى نصف متر عند القمة .
        وكان بالجدران الجانبية للقاعة تجويفان مستطيلان سدا فيما بعد بالبناء وبالجدار المؤخر منها تجويف عمقه أربعة أمتار وطوله خمسة ويعتقد أن هذا التجويف لم يكن مسقوفاً .
         والأمر الغالب أن هذه القاعة كانت مواجهة لبيت الصلاة ، لأن جدرانها الجانبية ممتدة فى إتجاه القبلة ، ويعتمد أنه كانت هناك غرف على جانبى الصحن من دورين وكان يمتد أمام الدور الأرضى رواق يطل على الصحن .
                هذا هو كل مايمكن شرحه من آثار المدرسة الكاملية ، ولدى الهيئة العامة للآثار صورة قديمة لزخرفة تحيط بنافذة أو نافذتين وتظهر زخرفة فى إطار من مستطلين متجاورين ، بهما كتابات كوفية على أرضية مزهرة وزخارف نباتية متداخلة وأشرطة هندسية متشابكة ، وقد أندثرت هذه الزخارف الآن .
المدارس الصالحية " 641 هـ /1243 م " :
               بناها الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل محمد أبى بكر بن ايوب مكان جزء من القصر الفاطمى الشرقى الكبير ، وهى أول مدرسة تجمع دروساً أربعة من مكان حسب رواية المقريزى ، وقد بنيت قبة الملك الصالح نجم الدين بعد ذلك فى مكان قاعة شيخ المالكية ، وقد ذكر المقريزى أن المدارس الصالحية أقيمت فى موضع القصر الشرقى الكبير وكان بابها تجاه الصاغة يجد السالك إليه عن يميمنه المدرسة الصالحية التى للحانفية والحنابلة وعن يساره مدرسة الصالحية التى للشافعية والمالكية .
                وقد كان موقع المدرسة المالكية مكان ضريح الملك الصالح تواجهها المدرسة الشافعية فى جهة القبلة وفى قسم واحد وموقع المدرستين المخصصتين للمذهبين الحنفى والحنبلى فى القسم المقابل متصلاً بالجدار الغربى وقد إندثرت أبنية هذه المدارس الداخلية فى جملتها والذى تبقى منها إقتصر على قاعة المدرسة المالكية المجاورة لقبة الملك الصالح وعلى جزء من القاعة القبلية المقابلة لها والتى كانت للشافعية ، وكذلك تبقى واجهتها الشمالية ومئذنتها بصورة تعكس كيف كانت فى ماضيها .
             وقد إهتمت جهات الآثار بترميم ماتبقى من الأبنية ، فجددت الأيوان وجزءا من الواجهة الشمالية وشرعت فى إعادة بناء قبوة أيوان الشافعية دون أن تتمه أما بقايا القسم الغربى من المدارس فقد إندثر تماماً عام 1902م.
            يستدل من الاثار المتبقية بالقسم الشرقى الخاص بالشافعية والمالكية ، أنه كان يتكون من بيت للصلاة طول جدار القبلة فيه عشرة أمتار وعرضه خمسة عشر مترا وبه ثلاثة محاريب مجوفة ، ويطل على صحن مستطيل عرضه واحد وعشرون متراً وطوله ثمانية وعشرون متراً ويحيطيه من جانبيه الشرقى والغربى رواقان كان خلف الرواق الشرقى بناء من طابقين بها غرف الطلبة أما الرواق الغربى فكان يليه صف من الغرف من طابق واحد ومؤخر الصحن يتكون من قاعة مستطيلة أصغر حجماً من بيت الصلاة عمقها أحد عشر متراً ونصف وفى جدارها المؤخر ثلاثة نوافذ تقابل المحاريب الثلاثة ببيت الصلاة ، وكانت فى أركان الصحن منافع وقاعات منها قاعة شيخ المالكية التى بنى مكانها الضريح .
           وبيت الصلاة والمؤخر مسقوفان بالآجر السميك على شكل قبوة مدببة وتبدأ القبوتان عند الصحن بعقد مدبب عال فسيح قطر فتحته فى بيت الصلاة عشرة أمتار وإرتفاع العقد ثلاثة عشرة متراً ونصف ويبلغ سمك القبوة متر وسمك جدارن بيت الصلاة والمؤخر متران ونصف.
         وأهم ماتبقى من هذه المدارس هو واجهتها وبوابتها ومئذنتها ، وقد بنيت الواجهة والبوابة من حجارة مصقولة عنى ببنائها عناية كبيرة ويمكن تقسيم الواجهة إلى ثلاثة أقسام القسم الأول ويشمل البوابه وجوانبها وطوله ثمانية عشر متراً وإرتفاعه إثنى عشر متراً ، والقسم الأيمن أو الشرقى طوله واحد وثلاثون متراً والقسم الأيسر او الغربى طوله ست وعشرون متراً وكلا الجانبين إرتفاعه إحدى عشرة متراً ونصف ، ويتوسط البوابة باب عرضه ثلاثة أمتار وإرتفاعه أربعة تعلوه لوحة بالخط النسخى الأيوبى تشير لأمر الملك الصالح نجم الدين بإنشاء هذه المدارس وتحيط بهذه اللوحة محارة صماء ، ويعلو البوابة مئذنة عظيمة مبنية بالآجر من ثلاثة طوابق الطابق الأول يعلو البوابة مباشرة وهو مربع طول كل ضلع من أضلاعه خمسة أمتار ونصف وإرتفاعه ضعف ذلك والطابق الثانى مثمن الأضلاع قطره أربعة أمتار ونصف وإرتفاعه خمسة ، وفتح فى كل ضلع من أضلاعه باب  ، ومدت حوله شرفه خشبية بارزة يقف عليها المؤذن ، والطابق الأخير من المئذنة على شكل مبخرة إرتفاعها ستة أمتار ونصف ، تنتهى بقبة مضلعة قطاعها الرأسى على شكل عقد متفرج .
        وقد زينت واجهة المدرسة بالفواصل الرأسية التى تختلف إرتفاعاتها والتى نحتت فى الحجر على شكل مستطيل وبها نوافذ مستطيلة وعقود منفرجة محارية ومقرنصات وعقود منبطحة منقوشة بأشكال زخرفية ، كما زينت المئذنة بأشكال محاريب وعقود منفرجة محارية .
    وما سبق وصف موجز للآثار المتبقية من المدارس الصالحية ، ونكون بهذا قد أوجزنا ماوصل لنا من معلومات عن المسجد والمدارس فى العصر الأيوبى .
دولة المماليك  " 648 -923 هـ / 1250 -1517 م " :
       بدء حكم المماليك بعد أفول الدولة الأيوبية ، بحكم شجرة الدر والتى قتلت على يد المماليك لتنتقل السلطة لهم تماماً ، ويمكن تقسيم دولة المماليك إلى فترة المماليك البحرية 648 -874 هـ / 1250-1382م يليهم المماليك البرجية 784 -923 هـ /1382 -1517 م .
       ويمثل المماليك فى واقع الأمر الجناح العسكرى للسلطة ، وقد بدء هذا العنصر العسكرى يصبح صاحب سلطة مطلقة فى البلاد فى عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب سابع سلاطين الدولة الأيوبية ، ونال جنده ( الذين عرفوا بالمماليك لأنهم جلبوا من أسواق الرقيق وهو نظام شائع منذ الخلافة العباسية ) نالوا رعاية تامة وحظوة أمدتهم بالقوة مما مكنهم من أن يتربعوا على عرش السلطنة ، وقد أقام الملك الصالح قلعة جديدة له ولمماليكه بجزيرة الروضة ، ومن هنا عرف مماليكه بالمماليك البحرية ، وهى تسمية شعبية تعبر عن العزلة التى عاشها العنصر العسكرى بعيداً عن العنصر المدنى .
       وإن كانت المماليك البحرية بعد أن آلت لهم السلطة قد عادو لقلعة الجبل " قلعة صلاح الدين " ليصبحوا على مقربة من عامة الشعب ، وقد وطد الظاهر بيبرس دعائم الحكم المملوكى بخلافة عباسية صورية من خلال تشجيعه لأمير عباسى للإقامة فى مصر بعد فراره من بطش المغول بعد تدميرهم بغداد ، وبهذا أصبح الخليفة يمثل السلطة الروحية أما السلطة الفعلية ففى يد السلطان .
       وقد إنتهى حكم المماليك البحرية على يد المماليك الشراكسة الذين كثر عددهم فى عهد السلطان قلاوون 678-689ه/1279-1290م ، وقد أسكنهم أبراج القلعة فعرفوا بالمماليك البرجية وقد تمكنوا تحت زعامة السلطان برقوق وفى ظل ضعف المماليك البحرية من الإستيلاء على الحكم وتكوين دولة المماليك البرجية ، وقد إستمروا فى الحكم حتى بدء الخلافة العثمانية فى 923هـ /1517 م ، ومن الجدير بالذكر أن الخليفة العباسى المستعين بالله أعتلى عرش السلطنة لفترة قصيرة عام 815 ه قبل السلطان المؤيد شيخ ويقوم بذلك أول من جمع بين السلطة الروحية التى تمتع بها أسلافه فى مصر كمقر الخلافة العباسية منذ عهد السلطان الظاهر بيبرس ، وبين السلطة الحياتية التى تمتع بها سلاطين المماليك .
       تعد فترة الدولة المملوكية بمصر ، فترة إهتمام بالمعمار حيث إهتم السلاطين بالتشييد والبناء ، وتميز العصر المملوكى بتحول المساجد إلى مجموعات معمارية ضمت فى كثير منها المسجد والمدرسة والسبيل والضريح وفى بعضها أنشئت بيمارستانات للعلاج ، وقد أكثر المماليك من إقامة الأضرحة ، كذلك أقاموا الخانقاوات " بيوت الصوفية " والتى إحتوت على المسجد والضريح وغرف الصوفية وأحيانا على السبيل والكتاب ، وقد رمم وجدد سلاطين المماليك الكثير من المبانى الدينية المقامة من قبلهم مثل قبة الإمام الشافعى والتى تنسب أجمل زخارفها للعصر المملوكى ، أيضاً إهتموا بالمنشآت العسكرية والقناطر وإقامة القصور ، وتمتاز هذه العمارة عامة بالضخامة والفخامة .
       وتميزت العمارة المملوكية بإرتفاع جدران المساجد ، وبإنتقال عناصر معمارية وافدة من ممالك إسلامية أخرى ، كذلك تميزت بالعناية بواجهة المساجد إمتدادا لما بدأ به الفاطميون ، وإستمر فيه الأيوبيون من العناية بالواجهات الحجرية المزخرفة .
       وظهر الإهتمام بتأكيد الخط الأفقى بمداميك حجرية صفراء وحمراء داكنة مع عمل توازن بفواصل رأسية عمودية منحوتة بالحجر تشمل الجدار بأكمله تقريباً وتزيد الإحساس بعلوه ، وقد فتحت فى الفواصل نوافذ ، وينتهى الجدار عامة بأفريز من المقرنصات وتعلوه الشرافات المسننة ، ذلك مع تحلية الواجهة بأشرطة من الكتابات.
       وفى داخل المسجد نجد المحراب لم يعد جصيا أو خشبياً كأيام الفاطميين ولكن صنع من الرخام المعشق الملون وشكل مع دخول الرخام الملون فى الحوائط والوزات وحدة عضوية للزخراف والعناصر المعمارية الداخلية ، ذلك بالإضافة لأعمال التشابيك الخشبية المطعمة فى المنبر والأبواب والشبابيك والأسقف والتى كانت تموه بالذهب بالإضافة لعلو مستوى الأشغال المعدنية كما بدأ واضحاً من الأعمال الموجودة فى الأبواب من زخارف وتكفيت وكذلك المصاريع وما إلى ذلك .
وسنورد فيما يلى وصفاً لبعض النماذج من المعمار المملوكى فى مصر .
مجموعة السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون " 683-684 هـ /1284-1285 م " :
       شيدت على رقعة من أرض القصر الفاطمى الغربى الصغير وإشتملت على مدرسة ديميرستان وقبة الضريح ، وتشترك مبانى المدرسة والضريح فى واجهة واحدة ، إلا أن مبانى المدرسة تبرز قليلاً عن مبنى الضريح ، والواجهة من الحجر المنحوت الأبيض والأحمر وبها حنايا داخلها شبابيك بعمد رخامية مزخرفة ، وبالواجهة أفريز بالنسخ المملوكى مكتوب فيه إسم المنشىء وغرض الإنشاء ويعلو الواجهة شرافات مسننة وفى الطرف البحرى من الواجهة مئذنة من ثلاثة أدوار ، الأسفل منها والأوسط مربعان يقل الأوسط عن الأسفل ويفصل بينهما شرفة تدور حول المئذنة وبهما شبابيك عقودها متنوعة ، ويعلو القسم الأوسط قسم مستدير يقل عن الأوسط ويفصل بينهما شرفة أخرى وبه أربعة أبواب يتوجه أفريز يعلوه مبخرة المئذنة ، ويفصل مدخل المجموعة بين جزئى الواجهة وهو مكسو بالرخام ومصراعا الباب مكسوان بالنحاس المشغول الدقيق، يليه ممر طويل على جانبيه شبابيك وأبواب متقابلة للضريح والمدرسة وسقفه من الخشب المنقوش ، وينتهى بباب يؤدى إلى البيمارستان والذى لم يبق منه غير قسم من القاعة الشرقية به فسقية من الرخام ، وهناك بعض أجزاء من القاعتين الغربية والقبلية ، وقد بنى على جزء منه مستشفى قلاوون للرمد ، وتحيط الأواوين بصحن المدرسة المربع وأكبرها إيوان الصلاة الذى ينقسم إلى ثلاثة أروقة أكبرها الأوسط والسقف محمول على صفين من العقود المحمولة على أعمدة رخامية، وحليت النوافذ المستديرة بجدار القبلة وكذلك العقود بالزخارف الجصية.
       وقبة الضريح يدخل لها من فناء مكشوف تحيط به أروقة معقودة بقبوات والقبة تتوسط الضريح لها قاعدة مثمنة تقوم على أربعة أكتاف أو دعائم مربعة بها أعمدة رخامية فى أركانها ، واربعة أعمدة جرانيتية ضخمة بتيجان مذهبة وهى تحمل عقوداً من نوع حدوة الفرس المدببة ، وتعلو القاعدة رقبة مثمنة بها نوافذ من الجص والزجاج الملون ويعلو الرقبة قبة مرتفعة ، ويذكرنا هذا التصميم بتصميم قبة الصخرة ويتوسط القبة قبر السلطان وأبنه وحفيده ، وقد كسيت الدعائم بالرخام المطعم بالصدف وأزر الكتابات ومحراب القبة هو من أكبر وأفخم المحاريب فى مصر تكتنفه ثلاثة أعمدة رخامية ، وتجويف المحراب به زخارف محارية مذهبة وبلاطات من الرخام والصدف الرقيق وأعمال الفسيفساء .
       وهذه المجموعة من الأعمال الرائعة التى تدخل السكينة للنفس وهى غنية بالزخارف وتنوع الخامات وتكامل فى إستعمالها جميعاً .
مدرسة السلطان حسن " 755 -764هـ / 354-1362 م " :
       أمر بتشيدها السلطان الناصر بدر الدين الحسن بن الناصر محمد بن قلاوون ، وبدء فى تشيدها فى عام 1354 أو 1355 أو 1356 حيث إختلف المؤرخون فى هذا التاريخ ولم يكملها السلطان والذى كان يرغب فى أيوان أكبر وأعلى على عقد من  أيوان طارق كسرى " العصر الساسانى بالمدائن " وقد أكمل بناء المدرسة أحد أمراء السلطان إسمه بشير أغا وذلك بعد مقتل السلطان فى سوريا ، ودفن بها إبنه ، وقد أمر السلطان بإنشائها لتكون مدرسة للمذاهب الأربعة .
       ومن الصعب تحديد شكل المدرسة لأنها كثيرة الأضلاع ، طولها 150م وأطول عرضيها 68م ، ومساحتها 7906 م2 ، وإرتفاع مدخلها 36,7 م وإرتفاع أعلى مئذنتيها 81,6 م عن سطح الأرض وإرتفاع الأفريز بالمدرسة من الخارج عن الأرض 32 م .
       المدخل الرئيسى للمدرسة بارز عن الواجهة البحرية وله فتحة كبيرة تعلوها المقرنصات ، وكان باب المدرسة القديم مكسو بالبرونز إلا أنه نقل فيما بعد إلى مسجد السلطان المؤيد ، والداخل من البداية يدلف إلى مدرسة صغيرة ذات ثلاثة أيوانات وقبة ثم يسير يسارا حتى يصل إلى صحن المسجد والذى طول أضلاعه 32×34م مكسوة بالرخام الملون والزخارف الهندسية ، وفى وسطه درة أى قبة محمولة على اعمدة ، وتحتها حوض للوضوء ، وعلى جوانب الصحن جسم المدرسة والمحمول دون عمد أو أكتاف ويتكون من أربعة أيوانات مستطيلة مقبوة بعقود مدببة أكبرها الأيوان الشرقى وهو بيت الصلاة وبه المحراب ، وتبلغ فتحة الأيوان 19,2 مترا وأركان الصحن بها بيوت الطلاب والمدرسين ومنافع المدرسة ، وحوائط الأيوان مكسوة بالرخام وعقدة من الآجر إلى بدايته فهى من الحجر ، ويوجد به شريط من الكتابة الكوفية المورقة ، والمنبر من الرخام الأبيض وبابه خشبى مصفح بالنحاس ، والمحراب مجوف محلى بالزخارف والنقوش الذهبية والرخام المطعم ، والأيوان قاعدة المبلغ ، وهى قاعدة رخامية قائمة على ثمانية أعمدة ، وعلى جانبى المنبر والمحراب بابان يوصلان لقبة الضريح ، والقبة تقوم على غرفة مربعة ضلعها الداخلى واحد وعشرون متراً وحوائطها سمكها أربعة أمتار ، وإرتفاع الجدران حتى مبدأ القبة ثلاثون متراً وإرتفاع القبة الكلى خمسون متراً والقبة من الخشب وكذلك مقرنصاتها التى تملأ الفراغ بين الحوائط المربعة ، والقبة كسيت بغلاف من الرصاص .
       والمدرسة لها مئذنتان أعلاها إرتفاعها نحو 82م ، وتبدأ مربعة ثم تستمر مثمنة وهى مكونة من ثلاثة أجزاء وشرفتين مؤذن .
       وهذه المدرسة ولا ريب من أجمل مبانى مصر وتمتاز بالفخامة والإرتفاع الشاهق والأيونات العالية والزخارف الغنية والبسيطة فى نفس الوقت ، كما يمتاز بقبته الضخمة ومآذنه ، والجدران الخارجية للمسجد لها تجاويف عامودية بإرتفاع المبنى تقريبا بها نوافذ لثمانية طوابق وهذه الفواصل أو التجاويف الرأسية تزيد من الإحساس بالإرتفاع .
       والنموذجان السابقان كانا للمماليك البحرية ، ونورد فيما يلى نموذجين للمماليك البرجية .
مسجد وضريح وخانقاه السلطان برقوق " 1383 م " :
       مؤسس دولة المماليك البرجية وقد عمد لبناء هذا المسجد ليكون مسجداً وخانقاه وضريحاً ، وهذا المبنى مجموعة متكاملة تجمع بين المسجد وخانقاه لإقامة الصوفية ومدافن السلطان برقوق وأفراد أسرته ومدرسة لتلقى العلم وسبيل للشرب ، أى أنه يخدم أغراض مختلفة ، وهو ماتصبو له العمارة الحديثة الآن .
       المسقط العام للمسجد مربع الشكل ، يتوسطه صحن محاط بعقود مدببة محمولة على دعائم حجرية ، ويتكون رواق القبلة من ثلاثة بلاطات والرواق المقابل له من بلاطتين ، أما الرواقان الجانبيان فمن بلاطة واحدة .
       وبرواق القبلة غرفتان مربعتان كبيرتان تعلوهما قبتان كبيرتان ، الشرقية منها ضريح السلطان برقوق وإبنه فرج ، والغربية لثلاث من بناته وتتوسط رواق القبلة قبة أصغر .
       خلف كل من الرواقين الجانبيين وكذا فى الركن الغربى توجد غرف الخانقاه " سكن الصوفية " .
       المدخل الرئيسى مغطى بعقد طاقيته محمولة على مقرنصات وبجواره سبيل يعلوه كتاب أضيف بعد إنشاء المبنى.
       توجد بالمجموعة مئذنتان فى الواجهة الشمالية ، تتكون كل منهما من ثلاثة طبقات السفلى مربعة والوسطى إسطوانية والأخيرة مفرغة الأعمدة وبين الطبقات شرفتان للمؤذنين ، وهذه المجموعة تعتبر أكبر المجموعات المبنية بقرافات مصر لخدمة أغراض مختلفة .
مسجد المؤيد شيخ " 818 -824 هـ / 1415 -1420 م" :
       أمر بإنشائه الملك المؤيد شيخ المحمودى ، ملاصقاً لباب زويلة ،  وتخطيط  هذا المسجد على نظام الصحن المحاط بأربعة أروقة أكبرها رواق القبلة ، وبجوار المدخل ضريح تعلوه قبة حجرية تشبه قباب خانقاه برقوق بقرافة المماليك ، والداخل للمسجد حالياً لابد وأن يمر من خلال الضريح ، وواجهة المسجد الشرقية الرئيسية مازالت محتفظة بتفصيلاتها ،فى ركنها الشرقى مدخل كبير كسى بالرخام الملون والجرانيت تعلوه المقرنصات وهو منقول عن  مدخل مدرسة السلطان حسن  ومصراعا الباب مغشيان بالبرونز ومن أكبر واجمل الأبواب ، نقلهما السلطان المؤيد من مدرسة السلطان حسن كذلك ، وقد إستغل المهندس فرصة وجود باب زويلة بجواره فأستخدم برجى البوابة قاعدتين لمئذنتى المسجد وهما من أجمل وأرشق مآذن مصر .
       والأيوان الشرقى هو أبدع مافى المسجد تغطى الزخارف أرضه ، وكسى الجدار الشرقى بالرخام الملون والزخارف المذهبة والكتابات الكوفية ويتوسط الجدار محراب مكسو بالرخام الملون بجواره منبر خشبى كبير منقوش ومطعم بسن الفيل ، والسقف الخشبى منقوش ومشغول بالذهب ويعتبر من أجمل السقوف الخشبية .
       وبهذا نكون قد أجملنا دولة المماليك وعرضنا نماذج لمعمارها ، وقد زال حكم المماليك بدخول الخلافة العثمانية إلى مصر وهو ماسنورده فى الأجزاء التالية .
الخلافة العثمانية " 923 هـ /1517 م " :
       إعتمد العثمانيون فى بداية عمائرهم على الطراز السلجوقى ، والذى كان حلقة إنتقال إلى الطراز العثمانى ، وكان هذا الطراز أولاً يقوم على اروقة محمولة على أكتاف وعلى كل مربع من هذه الأروقة قبة صغيرة ، وفى رقبة كل قبة تفتح نوافذ للإضاءة ، وكان هذا فى القرن الرابع عشر ، ثم وبعد فتح القسطنطينية أخذت العمارة شكلاً جديداً متأثراً بآيا صوفيا فأنشىء مسجد محمد الفاتح من رواق رئيسى على تخطيط متعامد فوقه قبة كبيرة حولها قباب صغيرة وأمام هذا الرواق صحن حوله بوائك مغطاه بقباب صغيرة وفى وسطه فسقية ، والعصر الذهبى للعمارة التركية جاء مع المهندس سنان باشا الذى صمم جامع السليمانية وجامع السلطان سليم .
       وفى مصر بدأ التحول فى العمارة بعد أن فتحها السلطان سليم عام 923 هـ /1517م ، إذ توقف نمو المعمار ودخلت مؤثرات بيزنطية وظهرت القباب الكبيرة والمآذن الرفيعة الطويلة الخالية من الزخارف والمدببة الرؤوس ، كذلك ظهرت الأسبلة المنفصلة والزخارف المتأثرة بالباروك .
       ومن المؤسف أن المسجد بعد أن تطور ليصل إلى المسجد الجامع فى المدرسة المتعدد الوظائف، عاد مسجدا فقط وإختفت منه المدرسة بل وإنفصل عنه السبيل والكتاب ، وسنورد مثلين للعمارة العثمانية فى مصر،أى العمارة التى بنيت فى عهد الخلافة العثمانية ، حيث أن مسجد محمد على ، برغم طرازه العثمانى إلا انه بنى فى عهده .
جامع سنان باشا ببولاق " 1517 م " :
       هو ثان مسجد أنشىء بالقاهرة على الطراز العثمانى ، بعد مسجد سليمان باشا بالقلعة والمعروف بسيدى سارية والمبنى عام 1528 م ، كانت المساجد فى القرون الستة الاولى من الإسلام تتكون من صحن تحيط به أروقة من الجهات الأربع أكبرها بيت الصلاة ، وتقوم عقودها على عمد أو دعائم ، ثم تطورت فى العصر الأيوبى والمملوكى لتكون أليونات المتعامدة والمدارس ، أما الطراز العثمانى فيتكون من جزئين هامين هما إيوان القبلة وتغطيه قبة كبيرة ، ثم تحيط بهذا الأيوان أو تنفصل عنه باقى الأيوانات وهى مغطاه بقباب صغيرة ضحلة .
       ويتكون مسجد سنان من قاعة فسيحة مربعة ، تغطيها قبة بيزنطية حجرية تقوم من دلايات ذات تكوين كالمقرنصات ، وفى كل ركن من أركان القبة مقرنص حجرى كتب عليه لفظ الجلالة بالحجر الأصفر على قاعدة بالحجر الأبيض ، ومنطقة الإنتقال بالقبة جاءت على شكل خناصر معقودة شأن الطراز المملوكى وليست خناصر متدلية كما هو مألوف فى الطراز العثمانى المحتذى بالنهج البيزنطى ، وحتى تتحمل جدران المسجد حجم القبة جعلها المعمارى سميكة بدرجة كبيرة وإن كانت بسيطة .
       يحيط بالقبة من ثلاث جهات أيوانات مكونة من عقود تعلوها قباب نصف كروية وتعلو العقود دوائر زخرفية من الجث مفرغة من الداخل والخارج ومكتوب على بعضها " الله ربى " .
       وفى النهاية الجنوبية الشرقية ، توجد مئذنة هى خير مثال للمآذن العثمانية عبارة عن قاعدة مربعة تقوم عليها إسطوانة نهايتها مدببة ويوجد بالمسجد مزولة لمعرفة الوقت مثبتة فى النهاية الجنوبية الغربية للأيوان الخارجى .
مسجد الملكة صفية " 1610 م " :
       يتكون من جزأين الصحن والقبة والوصول للصحن يكون عن طريق ثلاثة أبواب لها سلالم دائرية ويحيط به أربعة أيوانات مغطاه بقباب صغيرة حجرية ، والجزء الثانى هو حرم المسجد ، بتخطيط مربع تغطيه قبة كبيرة محمولة على ستة أعمدة جرانيتية تكون شكلاً سداسياً ، ورقبة القبة بها أربعة وعشرون شباكاً من الجص المعشق بالزجاج ، وبين عقود المسدس وحوائط المسجد ، قباب صغيرة نصف كروية ، والمحراب مغطى بقبة ويبرز من حائط القبلة وهو مكسو بالرخام والقيشانى ويلاصقه منبر رخامى بزخارف نباتية وهندسية ، ومئذنة المسجد عثمانية الطراز تبدأ إسطوانية وتنتهى بمخروط .
أسرة محمد على " 1805 /1952 م " :
       بدء حكم أسرة محمد على ، بعد تولى محمد على باشا ولاية مصر ، وقد إهتم بعد جلوسه على عرش مصر على النهوض بها ، وإن كان محمد على وخلفائه من الوالى عباس الأول حتى الخديوى إسماعيل قد تأثروا بالطراز العثمانى وبنوا على منواله .
       وقد إستعان محمد على بمهندسين من إستانبول لتشييد عمائره مما كان له أثر واضح فى العمارة وظهور أساليب جديدة ، فظهرت المبانى الخشبية المكسوة بالمصيص والواجهات ذات الكرانيش المرتفعة وزخارف الركوكو والباروك الثقيلة والشبابيك الحديثة .
       وقد إستمر خلفاء محمد على على نهجه العثمانى حتى تولى الخديو إسماعيل والذى إتجه بحركة التطوير إلى التغريب " محاكاه الغرب " فى كل شىء ، فقام بمتابعة الأفكار الحديثة وكان منها فكرة إعادة تخطيط المدن ، فقام بعمل تنظيم لأغلب أجزاء القاهرة جعلها تفقد جزءاً كبيراً من سحرها القديم وإختفت المشربيات وحلت محلها الشبابيك الحديثة  بالضلف الزجاجية ، وأصبحت المنازل مصفوفة فى خطوط مستقيمة متوازية غالباً ، وأصبحت طرقها واسعة ومبانيها أوروبية مقلدة وميادينها فسيحة .
       ومنذ عهد الخديوى إسماعيل إستمرت مصر فى تتبع أوروبا فى عماراتها ، وإستخدمت الخرسانة المسلحة فى كل المبانى حتى فى المناطق الريفية ، ودون إعتبار إذا كانت هذه المبانى تتناسب مناخياً ومكانياً وبيئياً مع ماحولها ، وأدى عصر الحماية البريطانية ثم الرغبة فى التمدين والتحديث والمبادىء التى غرست فى هذا العهد لأن ينظر المصريون إلى العمائر الأوروبية على أنها الأفضل ، ومن المؤسف أن المعمارييون أنفسهم قد آمنوا بأن هذه العمارة المستوردة هى الهدف حتى بعد رحيل البريطانيين عن مصر وحكم المصريين لأنفسهم ، إستمر هذا الإستعمار الثقافى المعمارى ، وإن كنا نرى بعض المعماريين المصريين فى أواخر القرن العشرين بدأو فى العودة إلى التراث وإستلهامه .
       وبالرغم من ظهور مدرسة جديدة فى عمارة المساجد يمكن أن نسميها بالمدرسة المصرية ، إعتمدت على المحافظة على التقاليد الأصيلة للمساجد سواء المصرية أو الإسلامية ، وذلك فى أوائل عشرينات هذا القرن ، ونراه فى المساجد التى أقيمت بدءاً من تلك الفترة وأعتمدت على تقاليد المعمار المملوكى ، بالرغم من هذا فإننا نرى العديد من المساجد الحديثة خرج عن تقاليد هذه المدرسة وماسبقها وعمد إلى تقليد المعمار الأوروبى دون وعى أو دراسة مما أدى إلى ظهور مساجد مستديرة ومثمنة المسقط مما لا يتلائم مع وظيفتها الدينية ، وسنورد أمثلة لهذه المساجد فى عصر مابعد ثورة 1952 .
       وسنورد فيما يلى مثلين لمساجد أسرة محمد على ثم أمثلة للمدرسة المصرية فى عمارة المساجد والتى أنشأها المعمارى الإيطالى ماريوروسى والذى أسلم فيما بعد .
جامع محمد على بالقلعة " 246 -1294 هـ /1820-1848 م" :
       شيد محمد على باشا مسجده بالقلعة  فوق أطلال القصر الابلق الذى كان أنشأه الناصر محمد بن قلاوون ، وقد بناه على نسق المساجد العثمانية فى أستبول وصممه المعمارى التركى يوسف بشناق ، على غرار مسجد السلطان أحمد بالأستانة .
       وقد وفق المعمارى فى إختيار موقع الجامع بأعلى مكان مرتفع بالقلعة ، وعلى صغر هذا المسجد بالنسبة للمساجد التركية فى عواصم الدول العثمانية ، إلا أنه لايقل روعة عن أكبرها بذلك التوازن الدقيق ، بين المئذنتين اللتان تحصران بينهما تصاعدا من القباب .
       المسجد مكون من قسمين متساويين تقريباً ، الصحن والقبة والصحن مساحته 53×54 متراً ، تحيط به أروقة أربعة محمولة على اعمدة من الألباستر ومسقوفة بقباب صغيرة ، وفى وسط الصحن ميضأة مقببة محمولة على ثمانية عقود متكئة على أعمدة رخامية يعلوها رفرف من الخشب البارز المزخرف ، والقسم الثانى وهو القبة وتقوم على مربع ضلعه الداخلى 41 متراً وقطر القبة 21 متراً وإرتفاعها من أرض المسجد 52 متراً وتحملها أربعة دعائم ضخمة 1ات عقود كبيرة وحول القبة أنصاف قباب كما توجد بأركان المسجد أربع قباب صغيرة ، وقد زينت القبة الكبرى من الداخل بنقوش ملونة ومذهبة تمثل مناظر طبيعية ، وهذه الزخارف تعد تهجيناً بين زخارف الباروك وعناصر الزخارف الإسلامية ، وقد كسيت جدران المسجد الداخلية بالألباستر المصرى إلى إرتفاع 11 متراً ، ولهذا يسمى المسجد أحياناً بمسجد المرمر ، ويقع المنبر على يمين المحراب وهو من الخشب المزخرف بزخارف مذهبة بارزة، وللمسجد ثلاثة أبواب ، باب فى وسط كل جدار عدا جدار القبلة ويؤدى باب الواجهة الغربية إلى الصحن ، وفى طرف الجدار الغربى للمسجد تقوم مئذنتان رشيقتان مدببتان ولكل منهما دورتان وترتفع كل منهما 84 متراً .
       وفى الركن القبلى من المسجد ضريح محمد على، يتألف من تركيبة رخامية حولها مقصورة من النحاس المذهب، جمعت بين الزخارف العربية والتركية وقد دفن به محمد على باشا عام 1848 م وهو نفس عام إنتهاء الأعمال بالمسجد .
       ويمثل الجامع إمتداداً للتأثير العثمانى على عمارة المساجد فى مصر ، ويعيب هذا الطراز فرضه للنظام البيزنطى فى تخطيط المساجد ، وأحجامها الكبيرة التى تفقد النفس الخشوع وتدخل فيها الخوف والرهبة وتضيع بساطة الإسلام بالإضافة لإعتماده زخارف مستمدة من الركوكو والباروك والتى سادت أوروبا فى نهاية عصر النهضة .
مسجد الرفاعى " 1286 -1330 هـ / 1869 -1913 م " :
       بنى مقابلاً لمدرسة السلطان حسن ، وأمرت ببناؤه عام 1286 هـ /1869 م ، الأميرة " خوشيار " والدة الخديوى إسماعيل، وقد أمرت بشراء الأملاك المحيطة بزاوية سيدى على الرفاعى وأن يقام هناك مسجد حول الضريح ، مع إنشاء مدافن لها ولأفراد العائلة المالكة ، وقد صمم المسجد المعمارى حسن باشا فهمى تصميماً فخماً يليق بمكانة أمام مدرسة السلطان حسن ، وبدء فى تنفيذه كبير أخوات الأميرة .
       وقد توفيت الأميرة أثناء بناء المسجد عام 1303 هـ /1885 م ، وبعدها بتسع  سنوات توفى إبنها إسماعيل وقد دفن كلاهما بالجهة البحرية الشرقية من المسجد ولم يكن البناء قد أستكمل بعد ، وقد توقف البناء لمدة خمسة وعشرين عاماً بعد وفاة الأميرة حتى جاء الخديوى عباس الثانى فأمر بتكملة البناء ، فواصل العمل فيه المهندس" جيد " بإشراف نظارة الأشغال العمومية ، وكانت جدران المسجد وعمده قد آلت للسقوط .
       وعمل تصميم آخر للمسجد عام 1905 بواسطة بشمهندس الآثار العربية المعمارى النمساوى "ماكس هرتز" باشا وقد أدخل بالتصميم طريقة الأسمنت المسلح ، وجلب الرخام والمرمر ومواد أخرى من عدة دول أوروبية ، وتم العمل تحت إشراف أحمد خيرى باشا ناظر الخاصة الخديوية ، وأقيمت بالمسجد أول صلاة جمعة أول محرم عام 1330 هـ / 1913 م .
       وتخطيط المسجد ، مستطيل ومساحته 6500 متراً مربعاً ، والمعد للصلاة 1767 م2 والباقى للمدافن ومرافق المسجد ، وتقابل الداخل من الباب الغربى للمسجد مساحة صغيرة تليها حجرة تعلوها قبة زواياها خشبية ومحلاة بالذهب والكتابات وكل جدار من جدرانها الأربعة يؤدى إلى المسجد ، وفى وسط الحجرة تربة سيدى على أبى الشباك وسيدى على الرفاعى ، وبين البابين القبليين حجرة تعلوها قبة فى وسطها مقصورة خشبية مطعمة بالعاج والأبنوس أقيمت على ضريح سيدى على الأنصارى ، وفى وسط الجدار الشرقى محراب يكسوه الرخام الملون حوله أربعة عمد رخامية ، نقش فوقه بكتابات الثلث ، وبجانب المحراب منبر خشبى مطعم وعليه كتابات ، وأمام المحراب دكة للمبلغ من الرخام الأبيض قائمة على عمد ، يجاورها كرسى لقراءة القرآن .
       وفى الجانب الشمالى خمسة ابواب توصل لمدافن أسرة محمد على ، وفى الجهة القبلية من المسجد مصلى وسبيل يعلوه كتاب ويقابله من الجهة البحرية سبيل وكتاب أيضاً ،  وخلف المحراب حجرة صغيرة بها سلم يوصل للسطح ، وللمسجد مئذنتان فى واجهته الجنوبية الغربة تتكونان من ثلاث حطات وشرفتين للمئذنتين وتقوم كل من المئذنتين على كتف يأخذ شكل البرج البارز عن المسجد يذكرنا بباب زويلة ومآذن مسجد المؤيد ، وتحصر المئذنتان بينهما قبة تعلو المدخل الرئيسى .
       وقد زينت مداخل المسجد بالمقرنصات وإن كانت لا تبدو بجمال مقرنصات السلطان حسن ، وتعلو المسجد شرافات مورقة مماثلة لشرافات السلطان حسن ، كما أخذت الحنيات الرأسية المنحوتة بالحجر دورها فى تصميم الواجهة مثل السلطان حسن إلا أنه يعيبها أنه وضعت بأركانها أعمدة رخامية وصل إرتفاعها إلى نصف إرتفاع الحنية وبجوارها أعمدة يصل إرتفاعها إلى نصف إرتفاع الكبرى ، وهذه الأعمدة تبدو مفتعلة مبالغ فيها ، وأكثر مايعيب تصميم واجهة المسجد هو الصليب الكبير المنحوت داخل جميع المنحنيات الرأسية ومداخل المسجد ، والذى يبدو مؤكداً بثلاثة نوافذ دائرية ترسم معاً شكل مثلث بأسفلها نافذة مستطيلة يعلوها عقد دائرى .
وإذا أضفنا إلى ماسبق أن الزخارف والنقوش الداخلية بالمسجد مبالغ فيها كثيرة الألوان والعدد حتى يصل عدد الزخارف الورقية المختلفة بقواعد العمد الرخامية الكبيرة داخل المسجد إلى قرابة المئة ، هذا عدا الزخارف المستمرة على الحوائط والسقف مما يشكل ضوضاء بصرية تمنع المصلى من الخشوع فى صلاته .
       والواضح لمحلل عمارة هذا المسجد، أن طول مدة الإنشاء، والفخامة المقصودة من أجل مدافن الأسرة المالكة ، يضاف إليها كثرة المشتغلين فى المسجد وتعديل تصميمه بواسطة أجانب غير متفهمين تماماً لفلسفة المسجد فى المعمار الإسلامى ، وترسب عناصر دينية ومعتقدية معينة فى نفوسهم ، أدت إلى خروج المسجد على هذه الصورة .
المدرسة المصرية الحديثة فى عمارة المساجد :
       المدرسة المصرية الحديثة فى عمارة المساجد كما سماها د. حسين مؤنس فى كتابه القيم " المساجد " إستمدت جذورها من التقاليد المعمارية المملوكية ، وأسماها بالمصرية لأنها ظهرت فى مصر أولاً وإستمدت عناصرها ومميزاتها من عمائرها ، ومؤسسها المعمارى الإيطالى الموهوب ماريوروسى والذى جاء لمصر فى اوائل العشرينات ، وكان ذا إستعداد كبير للإندماج فى الحياة المصرية ، وقد عمل فى ميدان العمارة الإسلامية وأستوعب التقاليد الحضارية المصرية الإسلامية وأعتنق الإسلام وتوفى بالقاهرة عام 1961 م مخلفاً ورائه تراثاً علمياً ومعمارياً وتلاميذ موهبين .
مسجد المرسى أبو العباس :
       وبعد أن أمضى روسى سنين فى دراسة العمارة الإسلامية المصرية وإستيعابها وإنتهائه من عمل أطلسه الشهير للعمارة والزخارف الإسلامية ، قام بإنشاء مسجد أبى العباس المرسى بالأسكندرية والذى إستغرق إنشاءه ست عشرة سنة وتم إنشاءه عام 1945 ، وقد أقام روسى  قبة هذا المسجد فى وسط السقف قائمة على دعامات حجرية ملبسة بالرخام وخارج المثمن المنحنى رواق ، والمسجد كله بيت صلاة حيث إستغنى روسى عن الصحن وقبة المسجد عالية إرتفاعها ستة وعشرون متراً ومزخرفة من الخارج بزخارف منحوتة فى الحجر وهى من أجمل القباب فى مصر ، وعقود المسجد مدببة عالية الإرتفاع وهى من إبتكار روسى ، ومحراب المسجد من أجمل المحاريب وإرتفاعه يزيد عن إرتفاع المنبر وله إطار من الرخام المزين بالفسيفساء ومئذنة المسجد طفرة فى الإرتفاع وأسفلها مربع وجسمها مستدير ، كما أعتنى فى المسجد بالتوريق وأعمال الشبابيك وأعادها للمساجد ، وإستخدم التوريق فى نوافذ المسجد .
مسجد محطة الرمل " 1948 -1951 م " :
       صمم المسجد وسط مبان عالية ، لذا تعمد روسى رفع المسجد عن الأرض وإرتفع من منتصف جدار القبلة بمئذنة نخيلة ، أطال المسافة فيها بين شرفة الآذان الأولى والشرفة الثانية ، ثم مد المئذنة صعوداً بإسلوب غير مألوف ، ثم أنشأ الجوسق تعلوه عمامة بيضة الشكل ، تشرف على كل المبانى المجاورة ، وقبة المسجد ليست عميقة الجوف بل هى أقرب لصحن عميق مقلوب ، وترتكز على أربع محارات فى الأركان ، وتمتد من مركزها زخارف حمراء وسوداء وذهبية تشبه الشمس ، وفى أرضيتها قمريات جميلة تسمح للضوء بالدخول ليظهر جمال هذه القبة الفريدة والتى تغطى بيت الصلاة بمجمله ، ومحراب المسجد مدبب ويظهر فيه أن روسى إقتبسه من المساجد الاثرية.

 

مسجد محمد كريم :
        أنشىء على مرتفع قريب من قصر رأس التين وكان مصلى القصر ، وإستغل روسى المساحة فى هذا المسجد أحسن إستغلال ، وتخطيطه مستطيل وجدرانه مرتفعة ، وفى أركانه الأربعة قباب أربع تهيىء العين لرؤية القبة الكبرى التى فوق بيت الصلاة ، ومدخل هذا المسجد بارز فيه ثلاثة أبواب ، اما القبة الكبرى فهى ذات رقبة على هيئة عقود وأعمدة ومن الداخل نجد أنه فتح فى أعلاها شبابيك تجعلها على هيئة زهرة ذات ثمانية أطراف تحيط بدائرة مثل الشمس ، ومئذنة المسجد مبتكرة ، كان روسى ينوى جعلها شاهقة الإرتفاع إلى أن مصلحة المنائر والفنارت عارضت ذلك فاستغنى روسى بعد شرفة الآذان عن الجسم الطويل ، وأنشأ جوسقا غطاه بشبه خميلة يغطى شرفة الآذان وفوقه وضع عمامة على هيئة القبة ، وهذه المئذنة فريدة فى نوعها فى عمائر مصر .
مميزات المدرسة المصرية الحديثة :
        وقد صمم روسى مساجد أخرى بالقاهرة هى عمر مكرم بميدان التحرير ومسجد الزمالك على ضفاف النيل.
        وقد برز من المدرسة المصرية الحديثة نماذج كثيرة منها مسجد عبد الرحمن لطفى فى بورسعيد ومسجد الفولى بالمنيا ومسجد عبد الرحيم القناوى فى قنا ، وكذلك مجموعة مساجد صلاح الدين والتى صممها المعمارى على خيرت تلميذ روسى وإستخدم مبتكرات روسى النابعة من قيم التصميم المملوكى، وهناك مسجد سيدى جابر بالأسكندرية ، ومن أجمل ماأقيم بالقاهرة مسجد الفتح الذى أقيم مكان مسجد أولاد عنان القديم .
        وخارج مصر تظهر آثار روسى فى تجديد الحرم النبوى الشريف التى إعتمدت على العقود الطويلة المدببة التى إبتكرها روسى .
        ويمكننا أن نوجز مميزات هذه المدرسة فى :

  1. حسن إستخدام المساحة .
  2. توازن جميع أجزاء المبنى .
  3. القباب المزخرفة الصغيرة فى أركان المسجد ، والقبة الوسطى الكبيرة .
  4. المئذنة المتوسطة الإرتفاع التى يعلو الشرفة جوسق مغطى كالخميلة يعلوه عمامة كالقبة .
  5. المآذن العالية بإطالة المسافة بين شرفتى الآذان والارتفاع بجسم المئذنة والعمامة .
  6. المدخل البارز الذى به عدة أبواب .
  7. تحويل جزء من جدران المسجد إلى مخرمات جصية مورقة .
  8. العناية بالتوريق والرسومات الهندسية والتشابيك الخشبية .
  9. إلغاء صحن المسجد .
  10.  العقود المدببة العالية التى تنتهى بحدوة فرس مدببة .
  11. تلبيس تيجان الأعمدة وقواعدها بالبرونز .
  12. المحاريب الرخامية المزينة بالفسيفساء العالية الإرتفاع بجسم المئذنة والعمامة .

          أوردنا فيما سبق عمارة المساجد فى عهد أسرة محمد على بدءاّ بالمساجد المتأثرة بالنهج العثمانى ثم مروراً بالمساجد التى بنيت فى عهد التغريب ثم المدرسة المصرية الحديثة التى إعتمدت على القيم والتقاليد المعمارية المملوكية وجددت فيها .
          وسنورد فيما يلى عصر مابعد ثورة 1952 م .

( 1805 -1953 )

        بقيت حدود القاهرة كما هى منذ عام 1798 وحتى عام 1848 ، وكذلك لم يتغير تعداد سكانها كثيرا لمدة الخمسين عاماً وهى فترة الحملة الفرنسية وعصر محمد على ، ويمكننا أن نقسم هذه الحقبة من الزمن إلى فترتين :

      • فترة محمد على ، وهى إمتداد للقاهرة الشرقية 1805 -1848 م
      • فترة ما بعد محمد على ، وهى بداية تحول القاهرة للطابع الغربى 1848 -1952

وقبل الدخول لدراسة فترة محمد على يجب أن ندرس آثار الحملة الفرنسية وهى الفترة التى سبقت محمد على مباشرة.
الحملة الفرنسية :
            كان من مساوىء الحملة الفرنسية تدمير بعض أحياء القاهرة مثل حى الحسينية ومركز القصبة بجوار الجامع الأزهر ، بولاق ( الذى حرق ) الأزبكية ، باب الشعرية ، الجمالية ، الدرب الأحمر ، الخليفة ، الموسكى ، عابدين  والسيدة زينب ، وبجانب هذه المساوىء كانت هناك بعض التحسينات فى المدينة ولكن للأسف لم تظهر هذه التحسينات بسبب قصر المدة ، وبقى من الإحتلال الفرنسى نظامان آثرا فى القاهرة أولهما :-

  • نظام التقسيم الفرنسى وهو دمج 53 شياخة هى التقسيمات التى كانت بالقاهرة  وجعلها 8 تقسيمات ويعزز كل منها أقسام وكان يطلق على كل تقسيم لفظ ( ثمن ) وهذه الأثمان هى: الأزبكية ، باب الشعرية ، الجمالية، الدرب الأحمر ، الخليفة ، الموسكى ، عابدين ، السيدة زينب ....وهذه الأثمان أصبحت أقسام على عام 1947 وأضيف إليهم قسم مصر القديمة وبولاق .
  • التأثير الثانى الذى حدث بسبب الحملة الفرنسية كان خاصاً بنظام شوارع المدينة ، فقد بدأ الفرنسيون بوضع نظم لبعض الشوارع الهامة التى تعتبر شرايين للمدينة لأن نظام الشوارع فى القاهرة لم يكن من السهل التعامل معه بالنسبة لقوات الإحتلال الأوربية وكان نتيجة ذلك أنه قد تم توسيع شارع الفجالة كشريان إستراتيجى حيوى يصل إلى بوابات القاهرة الشمالية ( باب النصر وباب الفتوح ) وذلك لكى يسمح لقوات الإحتلال بالمرور ، كذلك توسيع الطريق الآثرى الذى يربط الأزبكية بالمدينة القديمة حيث كوبرى الموسكى الذى يعلو الخليج ( كما ذكر فى المقريزى ) وذلك لكى يسمح بمرور قوات الإحتلال وهذا كان بداية شارع الموسكى المشهور الذى أصبح فى الحى التجارى فى أواخر القرن التاسع عشر ومن أشهر شوارعه ، كذلك تحسين الطريق القديم الواصل بين بولاق والأزبكية والذى أصبح شريان رئيسياً الآن .. وهذه هى آثار  الحملة الفرنسية التى وضعت بعض البذور واستفيد فى الأجيال اللاحقة لتنظيم شوارع القاهرة ، ومن الجدير بالذكر أن مقابر الأزبكية والمناصرة الداخلية – كانت لا تزال تستعمل حتى أتى محمد على عام 1845 وشق طريق محمد على ( شارع القلعة الآن ) ليصل بين الأزبكية والقلعة هذه هى التأثيرات المباشرة التى حدثت للقاهرة أثناء الحملة الفرنسية .

 

عصـر محمـد علـى :
        عندما قرر محمد على أن يبدأ بتأسيس أول مشاريعه – كان قصره فى شبرا على ضفة النيل سنة 1808 وكان تصميمه أوروبيا يحتوى على حديقة تمت بعد بناءه بسنة ...ووصل بشارع عريض يحفه الأشجار المزهرة لتصله بالطريق الشمالى من الأزبكية وبعد مرور نصف قرن أصبح هذا الشارع العريض يسير فيه العربات ذات الأحصنة للطبقات العليا وهو مايطلق عليه الآن شارع شبرا .. وكما فعل صلاح الدين وبنى القلعة ، فقد جذبت القلعة إهتمام محمد على وبنى فيها قصره الجديد ، وأخيراً بنى مسجده الذى يتميز بطرازه العثمانى كما بنى عدة قصور فى أنحاء المدينة المختلفة وكما كان لكل حاكم من قبل إهتمامه الخاص بمنطقته المفضلة فى القاهرة ، والتى جعلت منها منطقة جذب للنمو السكانى ، فنرى صلاح الدين إختار منطقة القلعة حيث جعل  مناطق الجذب نحو الجنوب ، وبيبرس إختار الحسينية فى الشمال ، والناصر بن قلاوون إختار الضفة الغربية للخليج والذى جعل هذه المنطقة تنمو .. فقد جذب إهتمام محمد على أقصى الركن الشمالى الغربى من المدينة حيث بنى قصره فى شبرا وكذلك بدأ ساسيته فى تخطيط بولاق ، فقد كانت بولاق ماتزال فقيرة بعد خرابها من الفرنسين حتى عام 1812 ولكن خلال سنتين بدأت تكون منطقة جذب للصناعة حيث كان هذا من مخطط محمد على لتحسين الحالة الإقتصادية فى البلاد ، ففى عام 1818 أنشىء مصنع للصوف وآخر للقطن ودخلت بولاق عصر سباكة الحديد كذلك فى عام 1822 أصبحت مكاناً لتصنيع الأحجار وكذلك مركز لصناعة القوارب النيلية ، كذلك كانت بولاق مكان محمد على المفضل لإنشاء المدارس ، ففى عام 1821 أنشىء مدرسة الهندسة المدنية والتى تخصصت فى الطرق والكبارى ثم نقلت المدرسة سنة 1823 إلى قصر إسماعيل باشا كذلك وجدت مدارس أخرى فى الزراعة والطب .
        فى عام 1830 كان هناك تغيرات هامة خاصة بمظهر القاهرة المعمارى – فلقد ظهرت العمارة تميل إلى التأثير الأوروبى فعندما ذهب إبراهيم باشا فى رحلته فى سوريا وجد بيوتها بيضاء وبعد مرور عدة سنوات أصدر أوامره ومرسومه على أن كل مالك منزل عليه بطلاءه باللون الابيض من الخارج كذلك فى السنين اللاحقة أصدر أوامره بإستعمال المشربية التى تصنع من الخشب الخرط فى المبانى ، كذلك مراعاة الحماية من الحرائق فأصدر أوامره بمراعاتها عند تصميم المبانى.. وقد ظهرت فى تلك الحقبة خليط من طرز جنوب أوروبا وتركيا والتى ليس لها ذوق ، وأول مثال على ذلك قصر إسماعيل فى بولاق والذى تحول فيما بعد لمعهد تكنولوجى وهو مبنى من خليط عجيب من الطراز الإيطالى واليونانى والعربى وبذلك حلت هذه النوافذ المستطيلة الشكل المنقولة من أوروبا محل الأقواس الأصيلة ، وكذلك غطيت هذه النوافذ بشبكة من الحديد المشغول والتعشيقات الزجاجية وذلك فى عام 1840 ومن هنا نرى أن محمد على أول من جلب الإنشاءات الأوروبية ، كذلك جلب العربات التى تجرها الأحصنة وكان مسموحاً إستعمالها للأسرة المالكة ولعامة الناس .. ولم يكن هناك مشاكل فى المرور.
        وفى عام 1845 جاء محمد على بتنظيم المدن وجعل للشوارع أسماء ورقم المنازل ، وكذلك شق شوارع محورية فى المناطق المزدحمة من الأزبكية والقلعة مثل شارع محمد على ( شارع الجلاء أو شارع القلعة الآن ) .
        وتاريخ القاهرة خلال النصف الثانى من القرن التاسع عشر هو فى الحقيقة تاريخ مدينة غربية ، ففى نهاية حكم محمد على ( 1847 م) كانت القاهرة مدينة يقارب سكانها 300,00 بما فيها مصر القديمة وبولاق ، فى عام 1897 أصبحت القاهرة تتكون من قسمين يكمل كل منهما الآخر ، ووصل تعدادها إلى 590,000 ، فى عام 1848 م تولى إبراهيم باشا الحكم ولكنه لم يستمر وجاء عباس باشا والذى تم فى عصره مشروع إنشاء الخط الحديدى بين الأسكندرية والقاهرة عام 1854 ، والمشروع الثانى الذى تم فى عصره هو مشروع إنشاء مدينة عسكرية صغيرة فى شمال القاهرة وهى الآن تعرف بإسم العباسية وهى منطقة مزدحمة بالسكان ، سميت على إسم الخديوى عباس باشا .
        بعد حلول نهاية القرن التاسع عشر ، يرى القادم للقاهرة فى ذلك الوقت أن القاهرة قد إنقسمت لجزئين القاهرة المصرية القديمة والقاهرة الأوروبية ويقسمها شارع كبير يصل مابين محطة الركاب الرئيسية ويمر بالفنادق الكبيرة حتى عابدين ( القصر ) ... فى المدينة الغربية ترى المحلات الكبيرة والمنازل الفخمة والعربات التى تجرها الخيول والأشخاص يلبسون الملابس الأنيقة، أما المدينة الحقيقية فتقع فى الشرق ودائماً كان الإنعزال بين المدينتين ، حتى أن بعض الزوار الإنجليز لاحظ فى عام 1889 كيف أن القاهرة بدأت تأخذ الطابع الإنجليزى فى الحى الغربى.
        وفى نهاية القرن التاسع عشر بدأت هذه العزلة تزداد بين الشطرين الشرقى والغربى – ليس فقط بفصلها بشارع لتحديد حدود كل منها ولكن ظهر الإنفصال فى عدم الإستمرارية بين الماضى والمستقبل والذى ظهر كشرخ وهوة كبيرة تفصل المدينة بعضها عن بعض ، فى الشرق نرى المدينة الأصيلة حيث الصناعات الحرفية والطابع الإجتماعى المميز وطريقة المعيشة ، أما فى الغرب فنرى المدينة الغربية COLONIAL CITY مع وسائل الطاقة البخارية ووسائل المواصلات السريعة والطابع الأوروبى ، فى الشرق حيث الطرق العشوائية الغير واضحة المعالم والغير مرصوفة LABYRINTH STREET PATTERN حيث الدروب وفى الغرب نرى الشوارع الواسعة والتى تحيطها الأرصفة العريضة وتقاطعها مع بعض فى شبكة متعامدة تصنع ميادين واسعة .. فى الشرق حيث مازالوا يستعملون السقا ونقل المياه بالطرق اليدوية أما فى الغرب فتوجد محطة مياه على النيل تعمل بالبخار لضخ المياه للمنازل ، فى الشرق يعيشون فى الظلام أما فى الغرب فهناك مصابيح الغاز الضوئية .. فى الشرق لا يوجد حدائق ولا أشجار فى الشوارع وفى الغرب حيث وجدت الحدائق الفرنسية وأحواض الزهور .
        فى عام 1897 وصل عدد السكان إلى 590,000 منهم الإيطاليون واليونانيون والفرنسيون ورغم أن مصر كانت تقع تحت الحكم العثمانى إلا أن هناك من يمثل حكومة بريطانيا منذ 15 عاماً حيث زاد الإتصال بين مصر و وأوروبا بعد الربط بينهما بالسفن ، بعد موت عباس باشا سنة 1854 وتولى سعيد الأبن الأصغر لمحمد على وقع على عقد مشروع قناة السويس الذى جاء به ديليسبس وبدأ فى العمل فى شق القناة سنة 1859 وربط مشروع القناة بين مصر والخارج ساعد على الإنتداب الإنجليزى فيما بعد ، كذلك فى عهد سعيد بدأ فى عمل مشروع مد خط حديد السويس 1858 .
عصـر الخديـوى إسماعيـل : 1863 – 1879 :
        كما فى عصر الناصر بن قلاوون عندما أنشأ القناة المغربى لكى يسمح بالإمتداد الأفقى للمدينة ، ثم شق الخليج المصرى، بدأ الخديوى إسماعيل ابن الخديوى إبراهيم ، بشق قناة الإسماعيلية والتى ساعدت على ظهور مجتمعات عمرانية جديدة مثل الفجالة والإسماعيلية ، ومن الأعمال الهامة التى تمت إنشاء بحيرة التمساح وفى عام 1866 عند إفتتاح قناة الإسماعيلية تم عمل ميناء روض الفرج والساحل فى شمال بولاق وبالتالى الجزيرة التى أمامها ( أصلها جزيرة بولاق ثم الجزيرة ثم الزمالك ) بدأ فى صيانتها من الفيضان وإستغلالها وبعدها ردم الخليج المصرى مما أدى إلى جفاف بركة الأزبكية .
        وفى عصر إسماعيل كانت بداية سن قوانين للمدينة المصرية ومدها بالمياه كذلك نظام الصرف ، ثم إنشاء شركة المياه وشركة الغاز فى القاهرة وتولت شركة شارلز التى مدت الإسكندرية بالغاز من قبل وإمداد القاهرة وضواحيها بالغاز ، مثل بولاق ومصر القديمة ، وفى إبريل عام 1867 بدأت محطة السكة الحديد بالعمل ، وقبل إفتتاح قناة السويس فى عام 1869 أراد الخديوى إسماعيل أن يجعل القاهرة تظهر بمظهر مشرف له عندما يقام الإحتفال ، وقبل ذلك بعامين وبعد رجوع الخديوى من الخارج عين على باشا مبارك وزيراً للأشغال وأسند إليه المهمام التالية : -

  • الإشراف على مخطط الإسماعيلية .
  • إعادة تخطيط الأرض القديمة والخالية وعلاقتها بالأزبكية .
  • عمل تخطيط عام للمدينة طبقاً للطراز المعمول به فى باريس .

            وكان على مبارك مصرى الأصل مولود فى الدلتا وتعلم فى أوروبا ودرس الهندسة المدنية فى فرنسا ، وفى سنة 1876 بعث إلى فرنسا لدراسة نظام الصرف ونظام التعليم لهذه المدينة ، وعين وزيراً للأشغال ووزيراً للأوقاف ووزيراً للتعليم وبجانب ذلك وجد وقتاً ليكتب كتبا  فى الهندسة العسكرية ونظريات التعليم وأشهرها ( الخطط التوفيقية الجديدة فى إثنى عشر جزءاً ) وهى وصف مدينة القاهرة تاريخياً وقد ذكر على مبارك أن تخطيط الإسماعيلية كان فى نفس الوقت الذى تم فيه تقسيم المثلثين فى الأزبكية وبعد ذلك صدر مرسوم من الخديوى إسماعيل بتخطيط باقى المدينة على نفس النظام .
            وقبل رحلة الخديوى إلى باريس ، كانت لديه الفكرة فى تخطيط مدينة الإسماعيلية الجديدة لكى تضاف إلى القاهرة فى المنطقة  المحصورة ما بين شارع مصر القديمة ( القصر العينى الآن ) فى الغرب وفى الجنوب تقع أرض اللوق وفى شرقها حدود القاهرة وكانت المدينة تعرف بالإسماعيلية حتى 1865 وبقيت المساحة بدون خدمات حتى جاء المخطط لها فى عام 1876 -1879 لتكون مساحتها ميل وربع تقريباً وقد وهبها الخديوى للأمراء والتجار لكى يبنوا عليها مساكنهم ولم يأخذ منهم الثمن على شرط أن تحاط مساكنهم بحدائق وذلك تشجيعاً منه للسكن وتعمير هذه المدينة الجديدة ، وفى نهاية عصر الخديوى إسماعيل كان هناك 200 منزل وقصر فى الضاحية الجنوبية من شبرا حتى الإسماعيلية وحى الفجالة ،  وتخطيط الشوارع للمناطق الجديدة أصبح دليل فيما بعد ولم يتغير وأتبعه الإنجليز أثناء إحتلالهم من خلال الطراز الفرنسى للحديقة والذى نستطيع أن نقرأه فى خريطة المدينة العصرية للقاهرة .. وعند حلول موعد إفتتاح القناة ... وخلال 5 شهور بنيت دار الأوبرا وتم تحسين شارع الموسكى وحديقة الأزبكية ، ولقد أحضر الخديوى مهندس تنسيق البيئة LANDSCAPE ARCHITECT لإعادة تصميم حديقة الأزبكية ،  كذلك  فى عام 1863 إرتبط الخديوى إسماعيل بمهندس معمارى ألمانى لكى يصمم له قصره فى الجزيرة ، ليكون جاهزاً قبل موعد إفتتاح القناة .. لكى يكون الخديوى وهو الآن مايعرف بفندق ماريوت عمر الخيام بالزمالك ، كذلك خلال شهور تم إنشاء شارع عريض يحفه الأشجار لكى يصل إلى الأهرامات بالجيزة كذلك بدأ التفكير فى إنشاء كوبرى قصر النيل وكوبرى الجلاء لكى يصل الجيزة بالقاهرة عمل كوبرى مؤقت على قواعد عائمة حتى تم الإنتهاء من الكوبرى الصغير فى عام 1871 وفى العام اللاحق تم تجربة الكوبرى الكبير ( قصر النيل ) .
             كان تأثير على باشا مبارك على القاهرة كبيراً وهو الذى لم ينعم بليلة نوم واحدة طوال عامين قبل حفل إفتتاح القناة ، وكان جزاء ذلك أن أستبعد ثم أعيد تعيينه مرة أخرى عام 1872 ، وبعد أن طوى المخطط العام للقاهرة بعيداً ، بدأ العمل به مرة ثانية لكى يتم تكملته مع العناية بالشوارع والتشجير وكان نتيجة ذلك البدء فى تصميم حديقة شاسعة (5,5 ميل طول × 3 ميل عرض ) على الضفة الغربية للنيل فى الجيزة وهى التى كانت فيما بعد نواة لحديقة جامعة القاهرة ( حديقة الأورمان ) وحديقة الحيوان بالجيزة وذلك كان فى عام 1874 وما بين عام 1873 - 1875 بدأ تقسيم قسم الفجالة بواسطة شارع كلوت بك والذى أعطى الفجالة حدود مع ترعة الإسماعيلية وإتصالاً مع الحى التجارى حيث الموسكى .
            ورجع على مبارك كوزبر للاشغال مرة أخرى ومستشاراً للأمير حليم وبدأ فى تنفيذ شارع محمد على بعد إعادة تخطيطه بطول 2 كم ، 400 منزل كبير، 300 شقة صغيرة مع حمامات ومحلات ومراعاة عدم هدم أى مسجد، وعندما تم الإنتهاء من المخطط الجديد للشارع بدأ تنفيذ المشروع وكان شارع محمد على أوسع من طريق السكة الجديدة ويحفه الارصفة العريضة للمشاه والمغطاه بالبواكى ARCADES  وبعضها مغطى بالشجر وأمد الطريق بالغاز للإنارة وهكذا تحقق حلم محمد على فى هذا الشارع على أيدى على مبارك والمشروع الأخير الذى تم خلال هذا الوقت هو إحلال مبنى على شكل حدوة الفرس مكان قصر إسماعيل باشا فى عابدين وقد أنشىء على الطراز الأوربى عام 874 ، وفى عام 1862 إقترض سعيد 3 مليون جنيه من البنك الدولى لشق القناة وبعدها مضى إسماعيل فى الإستمرار فى الإقتراض حتى كانت الأزمة سنة 1875 فتنازل إسماعيل عن بعض حقوق مصر فى القناة لشركة فرنسية وبعدها لرئيس وزراء الملكة فيكتوريا فى إنجلترا حتى فقدت مصر حقها فى القناة بعد إستدانتها بمبلغ 4 مليون جنيه وهذا ماجعل إنجلترا تتدخل فى نظام الإدارة فى مصر وبعد سبعة سنوات أخرى عام 1882 بدء الإنتداب الإنجليزى وبذلك ترك إسماعيل عرش مصر مع مديونية قدرها 100 مليون جنيه لأبنه الخديوى توفيق والذى ورث عرشاً مثقلاً بالمديونات يتحكم فيه الإنجليز من أمثال لورد كرومر مما عجل بثورة الجيش بقيادة عرابى 1879 ثم نقل عرابى الى التل الكبير عام 1882 عندما دخل الإنجليز مصر فى سبتمبر 1882 وبذلك بدأ عصر جديد فى تاريخ القاهرة وثورة فى المواصلات وتخطيط مدن الشمال فى مصر حيث بدء شق القنوات وبناء خزان أسوان 1902 وهذا مما جعل مصر دولة زراعية لتنمو فى عدد السكان .
            كانت القاهرة تمتد طبيعياً فى الأماكن التى كانت تجاور الأماكن العامرة ففى غرب حديقة الأزبكية توجد المبانى العالية والفراغات الضيقة والأماكن التجارية حيث البنوك والسفارات وبجانب هذا الفيلات والشقق الصغيرة والحدائق من العقود الماضية ، بدأت فى النمو .. والمركز التجارى الرئيسى كان مابين الموسكى وشرق الحديقة وحتى ميدان الأوبرا فى الغرب ، والمركز الأوربى القديم فى الموسكى أعطى لليونانين الأرمنيين واليهود من التجار الذين وفروا البضائع الرخيصة للتعداد المتزايد .
            أما فى الجنوب ، حيث الإسماعيلية بعد تقسيمها وتعميرها عام 1870 وجدت الفيلات فى النصف الجنوبى بينما الكثافة السكانية العالية كانت تحتل الشمال وخاصة فى الضاحية التجارية الجديدة حيث ميدان الأوبرا ومع إمتداد شارع بولاق الذى إحتفظ بطابعه مع وجود الحدائق التى زادت بمرور السنين .. كذلك بدأت المبانى الحكومية تمتد موازية لشارع القصر العينى جنوباً وحتى باب اللوق حيث كان هذا الموقع خاص بالأسرة المالكة فى عصر إبراهيم باشا وحتى نهاية القرن التاسع عشر كانت توجد وزارة الأشغال العامة التى بدأت كنواة لتكوين المركز الحكومى الذى يجمع الوزارات وعرف بإسم الدواوين وهى تقدم الخدمات المدنية للوزارات مما جعل هناك طلب على سكن لهؤلاء الموظفين ، ومن هنا بدأ بناء الشقق السكنية لكبار الموظفين وفيما عرف بعد بدرب الجماميز فى السيدة زينب ، وتحسين حى الحلمية فى المكان السابق لبركة الفيل ، كذلك بدأت منطقة الفجالة شمال الأزبكية فى العمران مما كان السبب فى ظهور صفوف من الشقق الجديدة كصمام أمان للمنطقة المزدحمة للحى القبطى الذى نما بوصول التجار الأقباط الأوربيون المهاجرين لينضموا إلى هذا الحى وإنشاء حى متوسط يحيط بشارع كلوت بك وشارع نوبار والذى يصل مباشرة إلى حى الأزبكية وحتى عام 1896 كانت القاهرة تتبع التخطيط الذى وضع فى عهد إسماعيل ولكن فى نهاية القرن التاسع عشر وصل تعداد القاهرة 600,000 نسمة لتكون القاهرة القديمة ذات الطابع الشرقى ، والقاهرة الحديثة ذات الطابع الأوروبى ونتيجة لتغير المتطلبات مع نمو المدينة ظهرت تغيرات هامة فى عمران العاصمة ، وكذلك كانت هناك ثورة فى تكنولوجيا المواصلات حيث بدء فى إستعمال الترام لكى يربط الأراضى الفضاء لتغطى المتطلبات التى ظهرت مع النمو السكانى ...
            ما بين عامى 1907 ، 1917 إمتدت حدود  القاهرة التى كانت فى شرق النيل إمتدت لتشمل غرب النيل زادت مساحة الأرض من 108 إلى 161,7 كم2 ، وكانت المدينة تشمل 34620 نسمة يعيشون فى بيئة زراعية فى الجانب الغربى كذلك زاد التعداد فى الشرق بحوالى 78000 عما قبل وهذا بسبب هجرة بعض الأوربيين بسبب سوء الأحوال فى أوربا وأمريكا .
            وخلال الخمسين عاماً الأولى من القرن العشرين ، تضاعف عدد السكان فى مصر بينما أصبح ثلاث مرات فى القاهرة ليصل تعداد سكان القاهرة إلى 2 مليون عام 1947 م وبدأت تزيد 5% كل عام .
            وكانت بداية التفكير فى عمل مشروع الصرف الصحى لمدينة القاهرة عند ظهور مرض التيفود فى مصر وكان الصرف الصحى فى القاهرة سواء فى الشرق أو الغرب لا يتعدى سوى حفرة فى الأرض تصرف على خزان ترشيح من الطوب وهو ضمن المبنى وإنتظرت القاهرة حتى عام 1915 حتى بدأ تنفيذ الصرف الصحى فى الخانكة ليغطى الأماكن الجديدة فى غرب المدينة وشمال شرق المدينة والقاهرة القديمة فيما عدا المقابر فى الشرق كذلك جزيرة الروضة وغرب النيل والشمال حيث شبرا ... وبعد الحرب وحتى عام 1920 أمكن تغطية أغلب أجزاء القاهرة القديمة والحديثة بنظام الصرف الجديد ثم إمتدت الشبكة فى الضفة الغربية حيث الجيزة كان من الصعب فصل القاهرة عن الجيزة بسبب الإمتداد العمرانى لها .
            وفى عام 1947 بدأت القاهرة القديمة تزدحم وزادت كثافتها حتى وصلت إلى 300,000 على الميل المربع وحوالى 50,000 يعيشون فى المقابر ، وبعد 1947 بدأت الحالة الصحية تتحسن بفضل العناية الصحية وظهور الأدوية الجديدة مما زاد تعداد مصر بنسبة 2% ووصل تعداد مصر إلى 26 مليون عام 1960 والقاهرة 3,5 مليون وفى عام 1970 وصل تعداد مصر إلى 35 مليون والقاهرة 6 مليون بسبب الإمتداد العمرانى فى الجيزة والصناعى فى حلوان، أما بما يختص بإمتداد طرق المواصلات فالقاهرة إمتدت أفقياً وزادت مساحتها ثلاث مرات دون زيادة فى عدد السكان قبل بداية القرن التاسع عشر .. وفيما بين عام 1896 -1916 وخلال العشرين عاماً عمل شبكة مواصلات لتربط الضواحى المتطرفة مع قلب المدينة ، ولأن طبيعة القاهرة تختلف عن المدن الأمريكية بالنسبة لشبكة المواصلات فقد بدأت بالسيارات الخاصة والتى لم تسبب أى مشاكل بسبب قلتها ولزيادة تكاليفها مما أدى إلى مد شبكة المواصلات العامة التى بدأت بالترام الكهربائى ثم بمساعدة الأتوبيسات العامة والترولى ، أمكن تغطية القاهرة بشبكة مواصلات مناسبة للدخل ولحجمها .. وأنشىء أول خط ترام كهربائى ينشىء فى القاهرة قبل مدينة نيويورك بعدة سنوات ، وذلك لأن المساعدة جاءت من أوروبا عام 1894 عن طريق البارون وهو الذى أنشأ ضاحية مصر الجديدة ، وكانت الإتفاقية الأولى هى إنشاء ثمانى خطوط للترام منهم ستة خطوط من المحطة المركزية فى ميدان العتبة الخضرة فى جنوب شرق الأزبكية عام 1896 وفى عام 1898 ثم تشغيل الثمانى خطوط لمسافة 22 كم لتربط بين الأماكن الهامة بالقاهرة ويرجع الفضل لسهولة عمل هذه الشبكة إلى التخطيط الذى تم عمله للقاهرة فى عصر إسماعيل تحت إشراف مهندسه على باشا مبارك .
            وفى عام 1902 إمتدت الشبكة لتشمل شارع الخليج المصرى ( الذى حل محل الخليج الذى تم ردمه ) ومد خط جديد يبدأ من الظاهر شمال الحسينية حتى السيدة زينب بجانب السبع سواق القديمة ، وثانى خط فى بداية القرن العشرين كان خط الهرم الذى بين كوبرى قصر النيل والهرم وبعدها جاء خط شبرا وروض الفرج ليصبح مجموع الخطوط 65 كم ، 500 عربة ترام لنقل 75 مليون راكب سنوياً ثم فى عام 1931 أضيف خط شارع الأزهر وشارع الجيش ليصل مجموع أطوال الشبكة إلى 70 كم وفى مايو 1905 حصلت شركة الواحات على رخصة من الحكومة المصرية لبناء مدينة سكنية جديدة فى الصحراء وهى مصر الجديدة وإشترت 6000 فدان بسعر جنيه مصرى واحد للفدان ، وتم تخطيط المدينة والشوارع وخدماتها اللازمة من مياه وصرف وكهرباء وجاء الدعم من أوروبا عام 1906 وهو 15 مليون فرنك وبعد خمس سنوات وصل ما صرف على المدينة 50 مليون فرنك ولربط هذه المدينة الجديدة بالقاهرة أنشىء خط المترو ليربطها بوسط القاهرة ، وفى البداية أنشىء خط العباسية مصر الجديدة وبعدها خط كوبرى القبة مصر الجديدة ثم مد الخط حتى محطة كوبرى الليمون ليقطع قناة الإسماعيلية بجانب باب الحديد ، وفى عام 1947 وصل تعداد سكان مصر الجديدة 50,000 نسمة ، لعبور النيل بنى كوبرى قصر النيل عام 1872 ولإستكمال هذه الشبكة بإنشاء ثلاثة كبارى هامة فى عام 1907 هى كوبرى عباس ليربط جزيرة المنيل بالجيزة بطول 535 م وكوبرى الملك الصالح ليربط الطرف الشرقى لجزيرة الروضة بمصر القديمة وكوبرى محمد على ليربط القصر العينى مع شمال جزيرة المنيل ومنذ عام 1914 حتى قيام ثورة 23 يوليو 1952 لم يتم إنشاء كبارى أخرى حتى تم إنشاء كوبرى الجامعة ليربط شمال الروضة وجامعة القاهرة فى الضفة الغربية للنيل......
المشاكل الحضارية فى القاهرة " قديمـاً – حاليـاً – مستقبـلاً " :-
قـديمـاً :
            منذ عام 1917 م بدأت القاهرة تدخل مرحلة جديدة – وكمدينة كبرى فى الشرق الأوسط تنمو بسرعة بدأت تقابل مشاكل حضارية – فلا هى مدينة تتبع الشرق الأوسط ولا هى مدينة تتبع المدن الإسلامية ، وبسبب الإمتداد الأفقىى للمدينة فقد غطت شبكة الطرق أغلب أحياء القاهرة فى بداية القرن العشرين ، فتخطيط الإسماعيلية وقسم الفجالة والتوفيقية ثم تلتها الخطة فى تخطيط الجزيرة ومع شاطىء النيل فى قصر الدوبارة وجاردن سيتى ، كذلك الحال فى الجيزة والجزء الشمالى حيث شبرا والمطرية والزيتون وأخيراً مصر الجديدة فى الشمال الشرقى ، هذا كله جعل الحل النهائى للمشاكل القديمة للفراغ وعزز ذلك إستعمال العالم الحديث فى الكبارى وخطوط الترام التى ربطت العاصمة بعضها البعض .
            وفى عام 1917 وما بعدها أمكن التغلب على الصرف الصحى وهذا بفضل الوعى الصحى والمستشفيات وبذلك أصبحت القاهرة مكان آمن للإسكان والحياة عما كانت عليه من قبل ، وبذلك نرى أن هذه المشاكل القائمة كلها مشاكل طبيعية .
أما المشاكل الإجتماعية والإقتصادية والتى تسببت بسبب الحضرية فى القاهرة إستمرت كما هو الحال فى المستقبل .
            وأول هذه المشاكل وأصلها كان قديماً – هو الإستقلال السياسى لمصر والذى لم تحصل عليه مصر إلا بعد ثورة 23 يوليو 1952 لأنها كانت بعد الحرب العالمية الأولى ما تزال يحكمها أجانب منذ عصر المماليك وبعدها الإنجليز 1882 ، وكم كان هناك أكثر من وعد بالإستقلال ولكنه لم يتم منذ أسس سعد زغلول الوفد والذى أدى إلى ثورة 1919 وبعدها معاهدة 1936 وحتى الحرب العالمية الثانية حتى كان جلاء الإنجليز نهائياً فى عام 1956 .
            وفى عام 1980 أسست أول بلدية فى مصر ، وفى عام 1893 تم إختيار 9 مدن لكى يتم تحسينها وتخطيطها تحت رئاسة البلدية وهى : المحلة الكبرى ، أسيوط، دمنهور ، دمياط ، المنصورة ، الفيوم ، السويس ، طنطا ، والزقازيق ، وكان يمثلها 4 ممثلين علاوة على مدير محلى لكل مدينة .
            وإزداد عدد المدن الخاضع تحت إشراف البلدية حتى وصل إلى 36 مدينة عام 1908 ثم إلى 43 مدينة عام 1912 ثم الى 62 مدينة عام 1921 م ثم إزداد العدد فى السنين التالية ورغم ذلك لم تدرج القاهرة ضمن هذه المدن حتى أن فى عام 1923 م لم تظهر القاهرة عند تأسيس المحافظات والمدن فى مصر إلى أن ظهر قانون 145 والذى بعده ظهرت بلدية القاهرة كبلدية مستقلة فى عام 1949 ، وكان أول أعمال بلدية القاهرة هو انشاء لجنة من المعماريين والمهندسين وآخرين أجانب من ذوى الخبرة  لعمل تخطيط عام لمدينة القاهرة بعد التخطيط الأول الذى وضعه من مائة عام مضت على مبارك ومحمود فلكى ، وشمل هذا التخطيط التوزيع السكانى ، أماكن الصناعة، حالة العمالة ، المواصلات ووسائل الإتصال والشوارع  والطرق السريعة، النشاطات التجارية ، الترفيه و التعليم ، وفى عام 1956 خرجت وطبعت التوصيات لتخطيط القاهرة العام ، وعندما قامت الثورة عام 1952 ظهرت لها مشكلة الإمتداد العمرانى فى المستقبل وكذلك مشكلة المرور ومن الجدير بالذكر أنه بين عام 1952 وعام 1958 تم رصف 5,5 مليون متر مربع من شوارع مدينة القاهرة ومن الشوارع التى أضيفت أو تم توسيعها شارع الكورنيش وشارع الخليج المصرى ، وشارع ترعة غمرة ( شارع رمسيس وشارع شبرا ، وشارع الترعة البولاقية ، طريق الهرم ) وكان لوجود السيارة السبب المباشر للمشكلة فى شوارع مصر ، وكذلك كان لظهور التصنيع مشاكل من ناحية أخرى حيث ظهرت المصانع ذات الحجم الكبير مما تلاحظ للعين فى البيئة المصرية وكذلك الشركات الصغيرة ، مما جعل الإنتقال السريع فى تغيير خريطة إستعمال الاراضى وإختلاف نمطها ( PATTERN)  وهذا مماساعد على ظهور مشكلة إزدياد الكثافة السكانية فى السنوات المقبلة .
            وفى القاهرة الكبرى كان هناك تحول من الزراعة إلى الصناعة والتجارة مما جعل هناك احتياج أن تتحول الورش الصغيرة مثل ورش بولاق إلى ورش أكبر بجانب ظهور المصانع الجديدة  الكبيرة مثل مصانع الحديد والصلب كذلك ظهرت الورش لصيانة السيارات ويكفى أن نعرف أنه فى عصر الخديوى إسماعيل كان 56,6% من تعداد سكان القاهرة يعملون فى الزراعة – وفى سنة 1917 إنخفض المعدل إلى 3% يعملون فى الزراعة من سكان القاهرة الكبرى وبالطبع عندما بدأت الدولة فى إنشاء مصانع كبيرة فى أطراف مدينة القاهرة مما جعلها تفكر أن توفر لهم المسكن والمواصلات وبذلك تدخلت الدولة فى تصميم مساكن العمال مما عجل بظهور المساكن الشعبية ....
            ومن المقترحات الجديرة بالذكر فى التخطيط العام للقاهرة عام 1956 – هو إنشاء مدن سكنية حول المناطق الجديدة ، وهذا مما يخفف من مسئوليات المصنع فى توفير السكن أو المواصلات وفى نفس الوقت التخفيف عن مركز المدينة الذى بالفعل أصبح فيه كثافة السكان عالية مع زيادة أزمة المواصلات كذلك بدأ التوسع فى إنشاء المدن السكنية الجديدة والمتاخمة للأماكن السكنية والتى تحت إشراف المكاتب الحكومية ، ومن هنا ظهرت بعض المشاكل التخطيطية منها كيفية التعامل مع القاهرة القديمة مع إزدياد الضغط فى توفير مساكن جديدة وفى المناطق الجديدة السكنية كيف يمكن التعامل مع مراكزها الجديدة . 
            ومن هنا يجب أن يكون هناك قوانين تحكم إعادة تخطيط الجزء القديم لكى تتجانس مع التخطيط الجديد وتكون ذات نسيج واحد متجانس ، وهذه القوانين تكون نابعة من نظام الحركة والأماكن المفتوحة والمحاور التى تؤدى إلى الجزء القديم من القاهرة لتكون بمثابة عنصر ربط بين القديم والجديد مع إحترام النمط الذى كانت عليه تخطيط القاهرة القديمة ... وفى حقيقة الأمر لكى نفهم مشكلة الإسكان فى القاهرة فيجب أن نتفهم ونلقى الضوء فيما وراء ذلك وهى المشكلة الإقتصادية وخلال تاريخ القاهرة نرى كيف تقاسى القاهرة من أزمة الإسكان بسبب الهجرة الدائمة من الريف إلى الحضر مما جعل التكدس فى حجرات صغيرة مع قلة الخدمات العامة بسبب زيادة الكثافة السكانية مع التوسع العشوائى ....
            وهناك عاملان يجب أخذهما فى الإعتبار عند مناقشة مشكلة إسكان القاهرة أولهما : حجم المساكن – معدل عدد المساكن التى تحتاجها القاهرة بالنسبة لعدد السكان ، ثانيهما : الإحتياج السكنى – مدى قدرة الأسرة المصرية المالية للحصول على المسكن الملائم لها ، وبالنسبة لحجم المساكن وعدد المساكن المطلوب – فإن الدولة لم تسطع الى الآن توفير مسكن يتمشى مع عدد زيادة السكان فى السنوات الحالية وهناك فجوة كبيرة تزداد كل عام بنسبة لمعدل زيادة السكان ومعدل زيادة المساكن ، ففى عام 1947 كان تعداد القاهرة 2,090,064 يسكنون 448,333 شقة بمعدل 4,6 شخص فى كل شقة .... وكان عدد الحجرات ( دون حساب المطبخ كحجرة ) هو 1,039,742 بمعدل شخصين يعيشان فى كل حجرة  ، وبعد عام  1947 إزداد عدد السكان فى القاهرة بنسبة 4%
 كل عام حتى عام 1960 ووصل عدد سكان القاهرة الكبرى 3,348,779 يسكنون 687,858 وحدة سكنية أى بمعدل 4,8 لكل وحدة وأصبح معدل الأفراد الذين يعيشون فى كل غرفة هو 2,3 شخص لكل غرفة ، ونصف هذه المساكن فى القاهرة كان ذات غرفة واحدة – وهذا ليس معناه أن الذى يعيش فيها عائلات صغيرة – فقد كان يتراوح بين 4-10 أشخاص فى الوحدة .

          من هنا نرى أن المشكلة تزداد تعقيداً عاماً بعد عام مما جعل الحكومة تتدخل وتبنى مساكن مثل مدينة العمال

 

 

المزيد من الصور فى الملفات المرفقه للتحميل

2
1

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

جدول تجميعى لجميع كتابات الدكتور/ عبد الباقى
حقوق الملكية و النشر


عن المركز :: نطاق الخدمات :: مشروعات المركز :: الدورات التدريبية :: الأنشطة الثقافية :: مجلة عالم البناء
أخبار المركز ::خريطة الموقع :: إتصل بنا
English