الدكتور/ محمـد عبد البـاقى محمـد إبراهيـم
تحميل الملف :

مراحل تطور العمارة في مصر في العصر الإسلامي

نشأت العمارة الإسلامية في بلاد مختلفة،  وتأثرت بكل بلد حلت فيه وأصبح لكل بيئة أثرها في عماراتها.  ولقد ضاع معظم هذا التراث الحضاري " وذلك بفعل الحروب أو الإهمال أو بفعلهما معا " من كثير من تلك البلاد ولكن كان لمصر حظا كبيرا،  فقد بقى فيها جانب كبير من هذا التراث لنشاهده في مساجدها وكنائسها وفي مدارسها وقبورها وفي جوامعها وقلاعها وأسوارها وفيما تنطوي عليه جميع متاحفها الإسلامية من تحف منقولة.  وتكون هذه الآثار،  سواء ما كان منها منقولا أو ثابتا،  سلسلة متماسكة الحلقات تنظم العصور المختلفة للحضارة الإسلامية، ففي مصر أثار من عصر الراشدين،  وفيها أثار من عصر الأمويين،  وفيها أثار من عصر العباسيين،  وفيها أثار يتجلى فيها المذهب الشيعي أيام الدولة الفاطمية وأثار تنطق باستعادة المذهب السني أيام الدولة الأيوبية وهكذا ...... حتى الدولة المملوكية فالعثمانية إلى العصر الحديث.
وهذه الميزة التي تتمتع بها مصر دون غيرها من بلاد العالم الإسلامي إنما ترجع إلى أمرين،  الأول أنها كانت بمنجاة من بعض  الكوارث التي تعرض لها العالم الإسلامي  لاسيما في جانبه الشرقي،  والثاني أن الشعور بأهمية تراث الماضي قد أستيقظ فيها قبل غيرها من البلاد الإسلامية فقامت تكشف عنه وتحافظ عليه،  وتقوى ما يتداعي منه وتكمل ما ضاع من أجزائه،  وتسعى جاهدة لكي تجلية على الناس.
وتعتبر الفسطاط أولى العواصم التي شيدها العرب في مصر نقطة الابتداء في هذا العرض الموجز،  فخرائبها التي كان للمرحوم على بهجت وجابريل فضل الكشف عنها سنة 1912 تروي لنا فصل من التاريخ.  فقد بدأت بداية أولية تنم عن بساطة منشئيها،  ثم تطورت بمرور الزمن حتى وصلت إلى ما وصلت إليه المدن الراقية،  والأثر الوحيد القائم من خرائب هذه المدن هو جامع عمرو بن العاص الذي بناه فاتح مصر سنة 20هـ على مساحة مربعة من الأرض وقامت حوائطه المبنية من الطوب اللبن على أسس من الحجر وله سقف من الجريد على ساريات من جذوع النخل،  فبعد أن فتحت جيوش عمرو بن العاص بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب مصر،  راعى عمرو في اختيار هذا الموقع،  ما يراعيه القدماء في انتخاب عاصمة عند رأس الدلتا تشرف على جميع طرق الملاحة في فروع النيل السبعة وعلى جميع طرق القوافل في الصحراء ،  ويسهل انتقال الجيوش منها إلى أي جهة من الوجه القبلي أو الوجه البحري.  وهكذا أنشأت مدينة الفسطاط وقد نشأت كما تنشأ المدن قديما وحديثا،  فالجامع أولا – مثل المعبد في العصور القديمة – ثم المدينة من حولها.  وعمرت مدينة الفسطاط بعد سنة واحدة من إنشائها واتسعت،  ولم يكن البنيان في أول الأمر مرتفعا،  إذ كانت البيوت طبقة واحدة في الارتفاع.


العصر الأموي في مصر
(38-133هـ ) – ( 658 – 750 م )

وفي الفترة من 38- 133هـ توالى على مصر ولاه من الدولة الأموية فزيد في جامع عمرو بن العاص وجدد عدة مرات،  وبنيت له على يد مسلمة بن مخلد أربع صوامع فوق أركانه الأربعة وكانت أول ما عرف من المآذن في مصر ثم أعاده الوالي قرة بن شريك بناءة سنة 92هـ ،  وأحدث فيه المحراب المجوف.  والواقع أن المساجد الأولى لم تكن لها مآذن ولا بناء ولا مقصورة ولا محارب  مجوفة،  أما المآذن فلم يعرفها المسلمون في عصر النبي.
وهكذا نرى أن فن العمارة الإسلامية ولد في عصر بني أمية ولكنه نما وترعرع سريعا وتأثر بالأساليب الهلينية التي كانت موجودة في الشام في ذلك الوقت فكانت من أثارة عمائر يبدو فيها أن المسلمين أفادوا من فتوحاتهم ووجدوا أكثر من العناصر الفنية في أجزاء دولتهم وألفوا منها طرازا ممتازا ظهر في عاصمتهم الجديدة ( دمشق ) أما في مصر فلم تتأثر كثيرا واستمرت كذلك المباني في الفسطاط وتوسعت فبنيت فيها الحمامات والأسواق والقباب والجوامع والمساكن ولكنها ظلت مدينة بسيطة،  لم يرتفع البناء عن دور واحد والجامع عن مساحة صغيرة لا تزيد عن 50x 30 ذراعا من الطوب اللبن.

العصر العباسي في مصر
( 133- 254هـ ) – ( 750 – 680م )
أزدهر الطراز العباسي بعد سقوط بني أمية ويمتاز هذا الطراز في العمائر الإسلامية باستخدام الأجر وبالتأثير بالأساليب المعمارية الساساينة وبتفضيل الأكتاف أو الدعامات على الأعمدة في حمل البوائك،  كما تمتاز أيضاً بالإقبال على استخدام الجص في كسوة العمائر.
وقد أنشأ الولاة في شمال الفسطاط وعلى مقربة منها عاصمة جديدة هي العسكر التي ضاعت معالمها ولكننا نستطيع أن نتصور موضعها في المنطقة الغربية من المدبغة النموذجية ومسجد أبي السعود والأثر الباقي من هذا العصر العباسي والذي يعتبر أقدم أثر أسلامي محتفظ بشكله هو مقياس النيل لجزيرة الروضة الذي أمر بإنشاءه الخليفة المتوكل سنة 245هـ وفيه أقدم طراز للكتابة الكوفية في مصر.
وفي عصر أبن طولون استقلت مصر عن الخلافة العباسية وأنشأ مؤسسها عاصمة جديدة إلى الشمال من مدينة العسكر سماها القطائع وشيد فيها مسجده الرائع وقد تم بناء الجامع الطولوني سنة 265 هـ - 878 م وهو يتكون من صحن مربع مكشوف وتحيط به الأروقة من جوانبه الأربعة ،  وتقع القبلة في أكبر هذه الأروقة،  وهناك ثلاثة أروقة خارجية بين جدران الجامع وبين سوره الخارجي وتسمى الزيادات،  وقد شيد جامع بن طولون باجر أحمر داكن وأقواس الأروقة محمولة على أكتاف أو دعامات ضخمة من الأجر تكسوها طبقة سميكة من الجص،  ولهذه الدعائم أعمدة من الأجر مندمجة في زواياها الأربعة ولكنها للزينة فحسب لأن الثقل واقع على الدعائم نفسها ومنارة الجامع الطولوني تتكون من قاعدة مربعة تقوم عليها طبقة اسطوانية وعليها طبقة أخرى مثمنة.  وأما السلالم فمن الخارج على شكل مدرج حلزوني،  وأبنية الجامع الطولوني مغطاة بطبقة سميكة من الجص،  وعلى أجزاء كبيرة منها زخارف هندسية وبناية جميلة مأخوذة عن الزخارف في سامرا.
أما المنزل الطولوني الذي كشف عنه المرحوم حسن الهواري سنة 1934 بالقرب من منطقة أبي السعود من الأمثلة النادرة للعمارة المدنية في مصر،  وهو في تخطيطه وزخرفته يسير على نهج دور مدينة الفسطاط.
أما في عصر ابنة خماروية فقد بالغ في العمارة وفي الفن،  وتبذل في الترف والزينة في مقره الذي بناه حيث كسي حوائطه بالذهب الخالص ونقش عليها صورة نساءه ومحظياتة،  وأعد بالقصر بحيرة من الزئبق وحديقة كتب على بساطها أبيات من الشعر بالنباتات،  وبقيت هذه التحف حتى جاء محمد بن سليمان وبأمر من الخليفة العباسي دمرها ليمحو كل أثر للطولونيين ما عدا الجامع.
وفي عصر الدولة الإخشيدية كثرت الثورات الداخلية في البلاد ولم تعد على أثر يذكر.


 

الدولة الفاطمية
( 358 – 567 هـ  ، 969 – 1171م )

أما العمائر في العصر الفاطمي فأهم ما بقى منها إلى الآن الجامع الأزهر وجامع الحاكم،  وجامع الأقمر وجامع الصالح طلائع ،  فضلا عن أسوار القاهرة.
أما الجامع الأزهر فأول جامع أنشئ في القاهرة،  بناه القائد جوهر الصقلي باسم الخليفة الفاطمي المعز لدين الله وتمت عمارته سنة 361 هـ - 972 م.  وقد زادت مساحة هذا الجامع حتى بلغت ضعف مساحته الأولى وأضيفت إليه زيادات جعلت أجزاءه المختلفة معرضا للعمارة الإسلامية المصرية منذ العصر الفاطمي وعصر الأسرة العلوية وأهم أجزائه التي ترجع إلى العصر الفاطمي العقود التي تحيط بالصحن وعقود المجاز ذي السقف العالي والعقود المرتفعة عن مستوى ارتفاع الإيوان ويؤدي هذا المجاز إلى المحراب القديم في إيوان القبلة.
ومن الأجزاء الفاطمية أيضا الزخارف والكتابات في المجاز وفي المحراب القديم وبدأ تشييد جامع الحاكم سنة 380هـ ( 990 م ) على يد الخليفة الفاطمي العزيز بالله ،  ولكنه لم يتم إلا في عصر الحاكم بأمر الله سنة 403هـ
( 1030م ) وهذا الجامع مشيد بالآجر ماعدا المآذن من الحجر،  أما جامع الأقمر أنشأه الخليفة الفاطمي الآمر بأحكام الله سنة 519هـ ( 1125م ).  ولعل أبدع ما في هذا المسجد الصغير وجهته الغربية الحجرية الغنية بشتى أنواع الزخرفة.  أما جامع الصالح فقد تم عمارته سنة 555 هـ ( 1160 م ) فهو بذلك أخر الجوامع التي شيدت في العصر الفاطمي ومؤسسه هو الملك الصالح طلائع بن رزيك وزير الخليفة الفاطمي القائد بنصر الله.
وقد أنشئت بالإسكندرية في نهاية العصر الفاطمي مدرستان وكانتا للمذاهب السنية،  كذلك ترك الفاطميون بأسوان بعض المدافن ومدفن مسجد الجيوش بجبل المقطم.
أما أهم العمائر المدنية التي خلفها الطراز الفاطمي فأسوار مدينة القاهرة وكان للسور الذي شيده جوهر من اللبن سبعة أبواب،  باب زويلة في الجنوب وباب الفتوح وباب النصر في الشمال وباب القرافين ( الذي سمى فيما بعد بالباب المحروقي في الشرق وباب الفرح وباب السعادة في الغرب.  ثم أضيف لهذه الأبواب باب سابع منذ عامين من تأسيس القاهرة وهو باب القنطرة.  وقد تهدم هذا السور وجدده بدر الجمالي وزير المنتصر سنة 480 هـ ويمتاز هذا السور الذي لا تزال بعض أجزائه قائمة بأنه من الحجر.
والملاحظ في عمارة سور القاهرة وأبوابها الفاطمية أنها متأثرة إلى حد كبير بالأساليب الفنية في سوريا أما قصور الفاطميين فلسنا نعرف عنها إلا ما جاء في كتب التاريخ والآثار والرحلات في العصور الوسطى.  وهما القصر الشرقي الكبير والقصر الغربي الصغير وقد وصفهما المقريزي إلى حد كبير في الخطط وقد قام ( هرتزفيل وسار ) بتمثيل حدودهم ويقال أن المارسيتان الناصري الموجود الآن والمعروف بمستشفى العيون في شارع المعز لدين الله كان مقر لست الملك أخت الحاكم بأمر الله وأنه استمر على حاله وأدخل بعض التعديلات ليصبح ماريستانا. ويعطي فكرة ولو بسيطة عن تصميم هذه القصور.
وأخر ما ذكره من العمائر الفاطمية " الحمام الفاطمي" الذي كشف عنه المتحف الإسلامي بالقاهرة سنة 934 م وهو يقع بالقرب من المنزل الطولي.
وقد زار الرحالة الإيراني ناصري خسرو القاهرة في القرن الخامس الهجري (11م) ووصف الفسطاط التي تطورت ووصلت إلى ما وصلت إليه المدن الراقية في عصرنا الحاضر فقد كان فيها الأحياء الراقية بعمائرها العالية التي وصل بعضها إلى أربع عشرة طبقة ووقف بعضها عند سبع طبقات حيث أنشئت حديقة فيها الأشجار والأزهار من سائر
الأنواع.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الدولة الأيوبية
( 567 – 648 هـ - 1171 – 1250م )
كان استيلاء صلاح الدين على مقاليد الأمور فاتحة عصر جديد في تاريخها أزدهر فيه عنصران من عناصر العمارة الإسلامية:-
الأول: المدارس التي شيدت لنشر المذهب السني ومحاربة المذهب الشيعي.
الثاني: تطور بناء الأسوار والاستحكامات والقلاع بتأثير ما عرفه المسلمون عند الصليبيين.
وقد أمر صلاح الدين سنة 1167م ببناء سور يحيط بالقاهرة ومصر ( القطائع والعسكر والفسطاط ) وبتشييد قلعة الجبل وجعل الأشراف على هذا البناء للأمير بهاء الدين قراقوش.  وجلبت مواد البناء من بعض أهرام الجيزة وساعد في العمل ألوف من أسرى الفرنج،  وقد أضيف إلى القلعة بعد صلاح الدين أجزاء كثيرة كما حدث فيها تعديل غير بعض معالمها الأولى.  ومن العمائر التي ترجع إلى العصر الأيوبي قبة الأمام الشافعي التي أنشأها سنة 1211م الملك الكامل محمد كذلك المدرسة الصالحة بخط بين القصرين التي أنشأها الملك الصالح نجم الدين أيوب سنة 1242م ولم يبق منها الآن إلا جزء صغير،  كذلك الإيوان المعروف بإيوان الثعالبة وتعتبر قبة شجرة الدر كذلك من الآثار الأيوبية.
أما المباني التي نقرأ عنها في بطون الكتب فهي جزيرة الروضة وقد وصفها علماء الحملة الفرنسية في كتاب وصف مصر ولم يبق شيء منها.
يقول أبن جبير الذي زار مصر 578 هـ . " المسخرون في بناء هذا السور والمتولون لجميع اهتماماته ومسئوليته العظيمة كنشر الرخام،  ونحت الصخور وحفر الخندق المحدق بالسور،  هم الأسرى من الروم ( الصليبيين ) وعددهم لا يحص كثرة" .
وقد زخرت القاهرة بالدور الضخمة والمنازل الرحيبة والأسواق الممتدة والخوانق الفاخرة وغالب مبانيها بالأجر وجوامعها ومدارسها وبيوت رؤسائها مبنية بالحجر المنحوت مفروشة الأرض بالرخام وغالب سقوفها من أخشاب النخل والقصب المحكم الصنعة وكلها أو أكثرها،  جرى تبيض جدرانها بالكلس الناصع البياض ولميل أهلها إلى تعلية المساكن،  فارتفعت بعض الدور إلى طبقتين وأربع طبقات وفي كل طبقة مساكن كاملة بمبانيها ومرافقها ويصف البغدادي الذي زار القاهرة زمن الدولة الأيوبية ما جرى من نشاط في البناء والعمارة فيشير إلى أنهم إذا أرادو  أبناء ربع أو قيسارية،  تولى ذلك العمل مهندس فيقسم الأرض إلى أجزاء ويعمر كل جزء على حده بحيث يجرى الانتفاع به والسكن فيه ويستمر العمل على هذا النحو حتى تتم عمارة الأجزاء كلها ويصف مظاهر الاهتمام ببناء المراحيض بالدور وأحكام قنواتها حتى إذا تخربت الدار ظلت  القناة قائمة وحرص أرباب الدور على أن يمعنوا في حفر المرحاض حتى يصل إلى الماء الجوفي فلا يحتاج إلى الكسح.  ويذكر البغدادي عن الحمامات بالقاهرة أنه لم يشاهد فيما زاره من البلاد أتقن منها صنعا ولا أحكاما ولا أحسن منظراً.

 

العصر المملوكي
( 648 – 923 هـ ، 1250 – 1517 م )
لقد اشتقت كلمة مملوك من فعل " يملك " وكانت تستخدم للاستدلال على الرجال من العبيد البيض الذين أسروا في الحرب أو جلبوا من الخارج وهناك نوعين من  المماليك ،  المماليك البحرية ( 1250 – 1390 ) وهؤلاء من الأتراك أو المغول وقد أختص بهم السلطان الصالح وأصبحوا رؤساء في جيشه وورثوا عرشه بعد مماته.
والنوع الثاني من المماليك هم المماليك البرجيه ( 1382 – 1517 ) معظمهم من غير العرب وقد جلبوا معظمهم بواسطة السلطان قلاوون.  وقد ورثوا العرش بطرق غير شرعية إما بالقتل أو الغدر أو الخيانة أكثر منها بالطريق الرسمي ولكن بالرغم من حالة هذه الفوضى السياسية،  فلقد ازدهرت العمارة وابتكرت من الأشكال الجديدة في كلا المرحلتين.
فلا ريب أن عصر دولتي المماليك فيما بين عامي ( 648 – 923 هـ ) ( 1250 – 1517 م ) هو العصر الذهبي في تاريخ العمارة الإسلامية في مصر فقد كان الإقبال عظيما على تشييد العمائر من جوامع ومدارس وأضرحة وحمامات ووكالات وأسبله.  كما ظهر التنوع والإتقان والأناقة في شتى العناصر المعمارية من واجهات ومنارات وقباب جصية ورخامية.
ويعتبر بيبرس البندقراي (1260 – 1277م ) أو هؤلاء السلاطين وأعظمهم فبعد أن قضى على البقية الباقية من الصليبيين وأنقذ مصر من التتار وأعاد للخلافة العباسية هيبتها في مصر بعد أن دمر المغول بغداد،  ويبقى جامع الظاهر بيبرس بالظاهر من النماذج المعمارية الجميلة ( 1267 – 1269 ).  حيث نجد تخطيطه شبيه بالجامع الحاكمي.  فقد برزت المدخل الرئيسية للخارج وكذلك الأركان الأربعة للجامع وقد استعملت الدعامات والأعمدة في حمل البواكي أما (الأقواس) فهي مائلة ومدببة وهي تشبه حدوه الفرس استعملت لزخرفة الحينات واستمرت هكذا.
أما مجموعة قلاوون ( المدرسة والمدفن والماريستان ) بعد أن تم بناءه في فترة وجيزة من ( 1284 – 1285م ) وقد وجه المبنى جميعا ناحية القبلة إلى مكة ،  أما الشبابيك المزدوجة العميقة الدخول ومرتدة عن الواجهة توحي بالطراز الرومانسي الغربي وتغطى الواجهة شكلا نادرا في العمارة الإسلامية.
وتعتبر مدرسة السلطان حسن من الأمثلة المعمارية العظيمة التي لا يمكن أن تنسى وقد بدأ العمل بها سنة 1356 وانتهى سنة 1363 تقريبا بعد موته. وهي على هيئة الشكل المتعامد بمقياس ضخم،  فالصحن يصل مسطحه إلى 100 قدم ولما كانت المدرسة الأولى في مصر ذات الأربعة أيوانات هي مدرسة بيبرس ( 1262 – 1263م ) ولم يبقى شيء منها الآن إلا أجزاء قليلة فأن الثانية هي مدرسة السلطان حسن ذو المدخل المنحنى ويعتبر المدخل من أجمل وأضخم المداخل في المساجد الإسلامية.
    أما الصحن فهو من أكثر الأماكن تأثيراً في النفس وتمتاز بنسب قل أن نجد مثيلا لها في العمارة الإسلامية والحق أن لهذا الجامع مظهراً جليلاً ومساحة هائلة وتصميما عجيبا وحدودا مترامية وقبة عظيمة وأبوابا فخمة وأيوانات عالية وزخارف جميلة مما جعله أكمل العمائر الإسلامية في العصر المملوكي وأكسبه شهرة عالية وعظيمة تمثل مجد الإسلام وقدوته وقد كشف عن كتابة تاريخه في هذا الجامع يتجلى فيها اسم مهندس هذا الجامع وهو " محمد أبن بيليك المحسني"
وذاع بناء المدافن الكبيرة في عصر المماليك وهي تتشابه في تصميمها إلى حد كبير وتفخر القاهرة بأن  فيها مجموعة طيبة من هذه الأضرحة تعرف خطأ باسم قبور الخلفاء والحق إنها أضرحة المماليك.  ولعل أبدعها مدفن وخانقاه برقوق ومدفن قايتباي ومدفن بارسباي.
أما مدفن برقوق فقد أمر بإنشائه الملك الظاهر برقوق قبل وفاته،  ولكن تم على يد أبنه الناصر فرج سنة 813 هـ (1410م ) وروعي في تصميمه أن يكون في الوقت نفسه مسجدا كبيرا وضريحا للظاهر برقوق وأفراد أسرته وخانقاه لإقامة الصوفية.  أما مدفن قايتباي فهو من أعظم المدافن المملوكية شهرة وهو بالصحراء الشرقية وقد تم بناءه سنة 489 هـ سنة  ( 1474 م ) وهو مجموعة رشيقة متناسبة الأجزاء تتألف من مدرسة وسبيل ومدفن وكتاب أو يقال أن عصر السلطان قايتباي يعتبر قمة من الناحية المعمارية في العمارة ومن أجمل وأرق ما وصل إلينا في العمارة الإسلامية.  ومن مجموعات العمائر المملوكية العظيمة الشأن فيه مدرسه وماريستان قلاوون وقد شيدت على جزء من أرض القصر الغربي الفاطمي وتمت عمارتها سنة 684 هـ سنة 1285 م ولهذه المجموعة مدخل رئيسي يمتاز بما فيها من حنايا جميلة محمولة على عمد رخام.
أما العمائر المدنية في عصر المماليك،  فلم يبق منها إلا بعضها وأجزاء منها وأهمها جميعا، القصر الذي شيده الأمير بشتاك على جزء من أرض القصر الشرقي الفاطمي عام 735هـ - 1334م، ولم يبق منه غير جزء من الواجهة ثم المدخل والقاعة الكبرى وما يحف بها من حجرات،  وتمتاز هذه القاعة بجمال سقوفها المذهبة والزخارف الخشبية فضلا عن الفسقية الرخامية التي تتوسطها.
ومن منشئات الأمير بشتاك حمام بشارع سوق السلاح بالقاهرة،  يرجع إلى نحو 740هـ - 1339م،  ولكن لم يبق منه إلا مدخلة المكسو بالرخام الملون.
ومن أثار القصور المملوكية،  مدخل الأمير يشبك قوصون خلف مدرسة السلطان حسن ويرجع إلى القرن الثامن الهجري (14م) وبقايا قصر الأمير طاز بشارع السيوفيه ومن أشهر العمائر المدنية المملوكة،  مدخل ووكالة الأمير قوصون ومدخل وكالة قيتباي بباب النصر وخلف الأزهر،  ومقعد الأمير ماماي المعروف باسم بيت القاضي ووكالة الغوري بشارع التبليطة،  وقد وصلت بعض الأسماء من مهندس العصر المملوكي نذكر منهم – محمد أبن بيليك المحسني – باني جامع السلطان حسن ،  كذلك ابن السيوفي وهو كبير مهندسي الناصر محمد بن قلاوون ،  كذلك ابن الطولوني،  وذاع صيته خارج مصر ولقب بالمعلم.


العمارة في العصر العثماني ( 1517ه – 1802م )

في بداية القرن  الثامن الهجري ( 14م) أغار المغول على دولة السلاحقة في أسيا الصغرى وأفلحوا في القضاء عليها.  وأفاد من ذلك أرطفرل جد الأتراك العثمانيين،  فاستقل بالمقاطعة التي كان السلاحقة قد أقطعوا أباه إياها.
وهكذا قامت الدولة العثمانية،  وعملت بعد ذلك على مد سلطانها في أسيا الصغرى ثم البلقان ثم اتجه العثمانيون في فتوحاتهم إلى الشرق والجنوب فبسطوا سلطانهم على بلاد الجزيرة العربية والشام ومصر وما لبثوا أن اتخذوا لقب الخلافة الإسلامية وخضعت لهم جزيرة العرب وأمتد نفوذهم إلى شمالي أفريقيا وازدادت هبة الدولة العثمانية وازدهرت الفنون فيها.
وفي مصر تلاقى السلطان الغوري مع السلطان سليم العثماني في موقعة مرج دابق وكانت الدائرة على الغوري،  وتشتت الجيش وأصبح الطريق مفتوحا إلى القاهرة وواصل سليم سيرة إليها ودخلها بعد مقاومة من  جانب السلطان طومان باي ومكث بها مدة إلى أن أستتب له الوضع وولى على مصر الأمير خايربك نائبا عنه.
وقد أخذ سليم قبل رحيله عن القاهرة جميع الصناع المهرة من بنائين ومرخمين ونجارين وأرباب الصنائع من كل فن وترك القاهرة خالية الوفاض.
وكان لهزيمة مصر على يد العثمانيين أثره على الحياة الفنية في مدينة القاهرة وخاصة الفنون البنائية،  فبعد أن كان بها السلطان وهو المحرك الأول للحركة  البنائية ويتبعه الأمراء في ذلك تلاشى ذلك الأمر وانتهت السلطة من مصر وهذا ما أفقد حركة البناء حيويتها وأصبحت المباني التي تبنى ليست في عظمة وأبهة مباني السلاطين وأمراء المماليك وعند رحيل الصناع والحرفيين المصريين وإحلال صناع آخرين محلهم،  كذلك بعد موت السلطان سليم وتولية أبنه سليمان سمح لعودة الصناع المصريين، وهذا عمل على تطعيم هؤلاء الصناع بأساليب ومهارات جديدة.
فنجد في مجال نظام المساجد،  فقد ألغى مناصب القضاة الأربعة التي عرفت في العصر المملوكي وإحلال قاضي تركي يتبع مذهب الدولة العثمانية وهذا أدى إلى اختفاء نظام المدارس ذات الايوانات الأربعة الذي كان متبعا في الدولة المملوكية.
ولهذا فقلما تتجاوز بحوث أكثر المشتغلين بدراسة العمارة الإسلامية في القاهرة العصر المملوكي فهم يعتبرون أن معظم الآثار التي شيدها العثمانيون في مصر غير جديرة بالعناية،  ومن هؤلاء من يقول بأن طراز تلك المشيدات لا يخرج عن طراز أبنيتهم في اسطنبول،  فهي من هذه الناحية " عثمانية " ليس ثمة علاقة بينها وبين الطرز الفنية التي نشأت على ضفاف النيل.
ومما لا شك فيه أننا إذا نظرنا إلى بعض مباني القاهرة التي يرجع تاريخها إلى عصر الانتقال بين حكم المماليك وفتح العثمانيون،  وجدنا أمورا طرأت على طراز العمارة التي كانت شائعة إذ ذاك فهنا امتزاج بين الاثنين ومن أمثلة ذلك،  مسجد خير بك،  ومسجد أمير أخور ومسجد بيبرس الخياط.

وقد حمل العثمانيون في بلادهم ( القسطنطينية ) النظام البيزنطي ( ايا صوفيا ) وأتبعوها في عمارة مساجدهم ، فلقد حولوا كنيسة ايا صوفيا إلى مسجد وأضافوا بها 4 مآذن في الأركان الأربعة،  وعلى هذا المنوال صارت عمائرهم وتقدمت بفضل مهندسهم العظيم سنان باشا،  وقد انتشر هذا النظام في مصر فبدلاً من الجوامع ذات الايوانات انتشر نظام المساجد التركية لذلك استمرت المساجد القديمة جنبا إلى جنب مع المساجد الجديدة ومن أمثلة ذلك – مسجد خاير بك ومسجد سارية القلعة، ومسجد المحمودية، جامع سنان ببولاق، مدرسة الملكة صفية، مسجد البرديني جامع أبو الذهب ، وقد جددوا بعض الجوامع والمساجد ونخص منهم عبد الرحمن كتخرا فقد قام بأعمال كثيرة وعظيمة فقد شيد أو جدد ثمانية عشر مسجدا وأقام الزوايا والمدارس والأسبلة والصهاريج والبيوت والأسواق وأوقف على تلك المنشآت أوقافا هامة.
وكثر في العصر العثماني تكايا الدراويش والأسواق والوكالات كذلك كثرت عدد الأسبلة،  وبعد أن كانت تلحق بالمدرسة قد أصبح في هذا العصر مستقلا،  قائما بنفسه مع ما يتجلي فيه من نقوش وزخرفة واستخدام الرخام وخلافة مثل سبيل خسرو باشا وسبيل أم عباس وسبيل عبد الرحمن كتخدا،  ومعظم الوكالات والمنازل والأسبلة الموجودة إلى الآن، معظمها من العصر التركي وبنيت الكربتلة،  بيت السحيمي، بيت عثمان كتخدا......، كذلك الوكالات،  وكالة بازعة،  ربع الحمص،  وكالة السكرية ،  الغوري.
وكانت مصر ملجأ للشعوب العربية ممن فروا أمام التتار في العراق وفارس وسوريا وخراسان،  واستظلت العلوم والآداب برعاية الملوك والسلاطين في مصر ونبغ منها طائفة من فطاحل الشعراء والأدباء والعلماء،  كالبوصيري صاحب البردة،  والسراح والوراق،  وأبن نباته المصري أو القلقشندى صاحب " صبح الاعش " والابشيهي صاحب " المستطرف "،  وأبن منظور صاحب " لسان العرب " وأبن هشام النحوي،  وشمس الدين السخاولي صاحب " الضوء اللامع " وأبن خلكان المؤرخ صاحب " وفيات الوعيان " والصيني المؤرخ والذهبي والنويري صاحب نهاية الأرب وأبن تعزي برري صاحب النجوم الزاهرة وجلال الدين السيوطي والدميري وأبن إياس المؤرخ الذي أدرج الفتح العثماني وأرخ له.
وأما في عهد الولاة العثمانيين والبكوات المماليك ،   فقد اضمحلت الآداب العربية وخمدت القرائح،  وأصبحت القاهرة بعد أن كانت مدينة خليفة المسلمين وعاصمة دولة مستقلة ومشعل الشرق العربي،  عاصمة لولاية تابعة للأستانة،  وصارت مخاطبات السلاطين والولاة باللغة التركية،  بعد أن كانت العربية  لسان الحكومة حتى نهاية دولة السلاطين والجراكسة،  وانتشرت المدارس التي كانت زاهرة في عصور الفاطميين والأيوبيين وخلفائهم السلاطين البحرية والجراكسة،  وتبددت خزانات الكتب التي أنشأها الفاطميون والمماليك.
هذه هي القاهرة في أثناء الاحتلال العثماني،  فهل امتدت مساحتها وازداد عمرانها ؟ أننا نجد جوابا سلبيا على هذا السؤال، فقد تدهورت القاهرة وخربت في أثناء حكم العثمانيين.

دخل الأتراك مصر فوجدوا لها عاصمة زاهية مجيدة احتلت لنفسها مركزا سياحيا بين عواصم الدول الشرقية والغربية فكانت مكانة القاهرة لا تقل عن مكانة الأستانة،  ولم يكن قد مر عليها أكثر من ستة قرون منذ أنشأها جوهر وشاهد الأتراك مدينة تزدحم بالقصور والعمائر والمساجد والوكالات والمدارس لكنهم أهملوها  ففقدت تدريجيا هيبتها الأولى.
وبدخول نابليون بونابرت القاهرة سنة 1778 تنتهي قاهرة القرون الوسطى لتبدأ مصر في  دخولها مرحلة – مصر الحديثة وهي بالطبع امتدادا للقاهرة القديمة ويظهر محمد علي على مسرح الأحداث وتبدأ مصر الملكية.


عصر محمد علي باشا
(1805م – 1848م )

بعد خروج الحملة الفرنسية من مصر سنة 1801، عادت مصر كما كانت ولاية من الولايات العثمانية.  وكانت هناك ثلاث قوى تتنافس على السلطة.  أولها المماليك وثانيا الإنجليز،  وثالثا الأتراك.  وكان من الأتراك في ذلك الوقت ضابط ظل يرقب مجرى الحوادث واستطاع بدهائه وتحببه إلى الشعب أن يفوز لنفسه بعرش مصر.
تولى محمد علي الحكم في مصر،  برغبة شعبها وعلمائها وزعمائها ولم يمض أكثر من ربع قرن حتى أنشأ محمد علي إمبراطورية مترامية الأطراف تشمل مصر والسودان وجزيرة العرب وفلسطين وسوريا وجزيرة كريت.
ويقول كلوت بك في كتابه لمحة عامه إلى مصر:
كان عدد سكان القاهرة في هذا العصر لا يزيد عن 300,000 نسمة،  كما كان عدد شوارعها ودروبها وأزقتها وحاراتها المتعرجة المتكسرة حوالي 240 بين شارع وحارة ودرب،  لا يزال بعضها باقيا للآن باسمه الأصلي.  ومن مدارس حربية إلى مصانع إلى مسابك إلى معامل للبارود إلى ثكنات عسكرية وحصون وخنادق إلى قصور ومساجد وأسبله.  وقد استعان محمد علي بمهندسين وعمال أجانب استدعاهم من استانبول لتشيد قصوره ومساجده وأسبلته.  فكان لذلك أثر محسوس في إيجاد تصميمات جديدة للقصور ذات السلالم المزدوجة،  والأبنية الخشبية المجللة بالبياض وظهرت الواجهات ذات الكرانيش المرتفعة وظهرت الأعمال الرخامية كما ظهرت الشبابيك البيضاوية والعمد الرخامية الرشيقة،  كذا انعدمت المشربيات وحلت محلها الشبابيك الحديثة.  أما الأسقف المذهبة ذات البراطيم والمربعات المقسمة تقسيما جميلا فبطلت وحلت محلها أسقف جملونية مزخرفة ومذهبة.  وقد تأثرت المساجد ذات القباب الضخمة المنشأ في عصره بالطراز البيزنطي بالقسطنطينية.
وهكذا استمر على هذا المنوال خلفائه من الوالي عباس الأول حتى الخديوي إسماعيل ومن أهم منشآت محمد على الباقية والتي يتجلى فيها هذا الطراز مقر محمد علي بشبرا،  مقر الجوهرة ( الآن دمرت ) ، دار المحفوظات، دار الضرب،  مجموعةكبيرة من الأسبلة والمدارس الحربية،  القناطر الخيرية ويتوج هذا الجامع الكبير بالقلعة.


عصر إسماعيل باشا
1863 – 1879

وكانت القاهرة قبل تولية الخديوي إسماعيل،  قد تطورت تطورا محسوسا وابتدأت تتشكل نهائيا بشكلها الحديث الحالي،  قبل اتصالها بالإسكندرية بخط السكة الحديد واتصالها بالسويس بخط أخر وظهرت أحياء جديدة مثل العباسية وشبرا وروض الفرج وفي عهده انتشرت في كل بقاع العالم فكرة إعادة تخطيط المدن القديمة وانتقلت هذه الفكرة تبعا لذلك إلى القاهرة فقام الخديوي إسماعيل بتنظيم جزء عظيم من مساحة المدينة الحالية.
قال " ارنورونية " يصف القاهرة وتطوراتها الحديثة التي حصلت في عهد الخديوي إسماعيل:
" لقد تطورت القاهرة إلى مدينة حديثة ولكنها أقل جاذبية من قاهرة القرون الوسطى ذات السحر الشرقي الفتان . فهؤلاء الأفندية وهؤلاء التجار الذين يخجلون اليوم من الظهور في الشوارع إلا بملابسهم الإفرنجية ،  كانوا إلى عهد قريب يتمتعون براحتهم الكاملة في قفاطينهم الحريرية الطويلة الواسعة وكانت المشربيات التي تزين واجهات الشوارع قديما تمتد في خطوط متواصلة حتى تختفي عند نقطة التقابل حيث تبدو مآذن رشيقة ترتفع إلى السماء.  أما اليوم فقد اختفت هذه المشربيات وحل محلها شبابيك مستطيله لها ضلف من الزجاج وتم تصفيف المنازل على خطوط متوازية مستقيمة.  اختفت أذن هذه المشربيات الجميلة المصنوعة من الخشب المخروط ولم يبق إلا قطع من الأثاث الغريبة الشكل المصنوعة تقليدا لها.  ومن الآن فصاعدا سوف لا يرى السائح بالقاهرة إلا طرقا واسعة وميادين رحبة عظيمة الطول والعرض تقوم على جوانبها مباني تافهة يمونها المباني الأوربية.
هذا هو وصف ارنورونية لعاصمة القطر المصري بعدما أدخله عليها إسماعيل من التحسينات الحديثة.


المدينة الحديثة
من 1879 – 1984م

ومنذ عهد الخديوي إسماعيل،  قضى على هذه البلاد أن تتبع البلاد الأوروبية في عمارتها.  وبظهور الخرسانة المسلحة،  انتشرت في مصر هذا النوع من العمائر وعم البلاد دون أي تميز بين المباني الريفية أو المباني المدينة ، فإن تلائم المناخ أو  لا تلائمة،  ولا تنسى أن عصر الاحتلال،  قد جعل من مصر ألعوبة في يد محتليها وأصبح المصريون ينظرون إلى عمائر الغرب على أنها الأفضل وعلى أنها الهدف المراد تحقيقه، خاصة وأن محتليهم يبنون عمائرهم على الطراز الأوربي واستمرت هذه النكسة حتى القرن العشرين،  ولكن في أواخر هذا القرن العشرين،  ظهرت على الساحة المصرية مجموعة من المهندسين المعماريين،  تنادي بالعودة إلى التراث يستلهم منه بالجديد وعلى رأسهم المهندس حسن فتحي والمهندس رمسيس ويصا.  ولا تنسى المجموعة الأخرى وعلى رأسهم الدكتور عبد الباقي إبراهيم وجهازه الرائد في تبنى ونشر وعمل المؤتمرات والمحاضرات التي تبشربظهور نهضة معمارية تنبع من تراثنا وتقود بالجيل الجديد إلى عمارة أصيلة.


فترة ما بعد ثورة 23 يوليو 1952
تمهيد:
من خلال دراستنا لتاريخ مصر والقاهرة على وجه الخصوص ظهر لنا بداية التحول إلى الغرب ونقل الطرز الأوروبية وخاصة في عصر إسماعيل باشا.  ومن هنا نرى أنه منذ عام 1848 انقطعت الاستمرارية للقاهرة الشرقية وبدأت تدخل القاهرة طرز أوربية ونظم في التخطيط لا تتمشى مع قاهرة المعز وأستمر ذلك الوضع حتى يومنا هذا.
وعند دراستنا لفترة ما بعد الثورة وحتى يومنا فأننا نستطيع أن نقسم هذه الحقبة إلى قسمين:

  • فترة ما بعد ثورة 23 يوليو 1952 وحتى حرب 1973م.
  • فترة ما بعد حرب 1973م وحتى اليوم.

وسبب تقسيم هذه الحقبة إلى قسمين يرجع إلى اعتقادنا لتأثير حرب 1973 على منطقة الشرق الأوسط خاصة وعلى العالم بصفة عامة.
فترة ما بعد ثورة 1952 وحتى حرب 1973:

  • الإسكان الشعبي:

تمتاز هذه الحقبة بتغييرات ومؤثرات كثيرة في تكوين المجتمع المصري فبدأت الثورة تقضي على الإقطاع والطبقة الغنية في الدولة لتظهر طبقة جديدة.
هنا ظهرت فكرة إنشاء الأحياء السكنية لتخدم هذه الفئة الجديدة من الشعب ومثالنا على ذلك " مدينة إمبابة ،  ومدينة المهندسين ، ومدينة الصحفيين ، ومساكن الضباط وكان النظام المتبع في هذه الأحياء هو توزيع قطع أراضي لكي يبنى عليها فيلا خاصة بحديقة..
وواكبت هذه الفترة أيضاً ظهور مشروعات الإسكان الشعبي ( العمالي ) لتخدم طبقة العمال وكان ذلك في صورة مشروع الألف المسكن وإسكان مصنع الحديد والصلب والإسكان الشعبي بإمبابة وكان هذا النمط الجديد من الإسكان على شكل قطع أراضي عليها فيلا صغيرة بحوش بمساحة أجمالية تتراوح ما بين 90م إلى 110م2 لكل وحدة والمبنى منها حوالي 60م2 لكل دور أرضي وأول.  ثم امتدت هذه الفترة لتكون مشاريع في صورة أسكان شعبي ( عمالي ) ليخدم طبقة العمال ولكن هذه المرة في صورة عمارات سكنية تنشئها الدولة وهي عبارة عن أرض وأربعة أدوار وأمتد تأثير هذه الفترة إلى عصرنا الحالي حيث ما تزال الدولة تنشئ هذا النمط من الإسكان الشعبي ولكن يؤخذ على هذا النمط من الإسكان الشعبي سوء التصميم المعماري والتكرار الممل لوحدات نمطية مع ضيق المساحات ومستوى التشطيب لهذه الوحدات السكنية مع انعدام الصيانة مما خلق مشاكل بيئية عديدة.
كما كان في الخمسينات بعض المحاولات لتوفير المسكن الريفي في إطار مشروع مديرية التحرير ولم يستمر الاهتمام بالريف إلى يومنا هذا.  هذا كان في الخمسينات،  أما في بداية الستينات فظهرت أول بداية لمشروعات التمليك والتي تتمثل في صورة إسكان متوسط،  وكان أول مشروع موسع يظهر فيه هذا النمط من الإسكان هو مشروع مدينة نصر وهي في غالبيتها عبارة عن عمارات سكنية يصل ارتفاعاتها إلى عشرة أدوار أو أكثر وفي كل دور عدد كبير من الوحدات السكنية ومن هنا ظهرت أول بداية لأن يعيش هذا العدد الضخم من السكان في مبنى واحد والذي يحتاج إلى صيانة وتعاون من السكان والشركة التي قامت بتصميم وتنفيذ هذا المشروع شركة مدينة نصر والتي كانت مسئولة عن تخطيط المدينة التي بدأت في بداية الستينات.  وأمتد هذا النوع إلى عصرنا الحالي وما زالت الشركة مسئولة عن هذا الحي السكني.
وفي الستينات أيضاً كان لتأميم شركة مصر الجديدة الأثر الكبير في تحويل هذه الضاحية الهادئة والتي كانت تمتاز بالفيلات والمساكن الخاصة ذات الحدائق إلى عمارات سكنية واستمر هذا الاتجاه حتى ازداد وظهرت في أقصى مساوئه خلال السبعينات والذي سنتكلم فيما بعد عن فترة ما بعد حرب 1973،وبهذا فقدت الضاحية الطابع المميز الخاص بها.
وفي الستينات صدرت قوانين التأميم وكذلك القوانين الاشتراكية ومنها ما كان له تأثيره المباشر على العمارة في مصر مثل قانون تخفيض الإيجارات الأول ثم تبعه الثاني مما خلق مشكلة العلاقة بين المالك والمستأجر والتي بالتالي بدأت تسوء حتى وصلت إلى أسوأ صورها بسبب تدخل الدولة في تحديد العائد الغير مجزي على العقارات مما مهد بأن يتحايل الملاك لكي يعوضوا هذا النقص بأن يأخذوه في صورة مقدمات من الإيجار تساعدهم على البناء ثم تطور إلى أن ظهر " خلو الرجل " لتمكين الساكن من الحصول على وحدة سكنية للإيجار وهذه المبالغ لا ترد للساكن .. وفي ظل هذه القوانين والقرارات المتعجلة بدأت أزمة الإسكان تتضخم بسبب قلة المعروض وزيادة الطلب مع زيادة السكان بوجه عام وتضخم سكان المدن الرئيسية بوجه خاص،  وعدم مقدرة الدولة على توفير السكن لكل أفراد الشعب من خلال مشاريع الإسكان الشعبي والتي بدأتها منذ الخمسينات ،  ومع احجام القطاع الخاص عن المساهمة في إنشاء المساكن،  ثم ازدادت المشكلة سوءا...
وفي نهاية الستينات وخلال حرب 1967 وبعدها حيث أوقفت بقرار البناء تماما مما انعكس على حالة المساكن القائمة وتزايد حدة أزمة الإسكان فيما بعد.
ومن هنا تدخلت الدولة مرة أخرى وظهر قانون العلاقة بين المالك والمستأجر والذي كان من نتيجته :

  • تزايد حدة مشكلة الإسكان بسبب أحجام عدد كبير من القطاع الخاص عن البناء.
  • عدم وجود عائد لأعمال الصيانة بسبب عدم تناسب الإيجارات مع تكلفة الصيانة مما أدى إلى تدهور حالة   المباني القائمة.
  • سوء تشطيب المباني الحديثة بسبب عدم تناسب الإيجار مع تكلفة سعر المتر المسطح للمباني،  وجود قيود كثيرة على حرية تصرف المالك مما يدفعه إلى البحث عن أقصى فرصة للربح.

ومع ازدياد أزمة الإسكان وقلة المعروض وعجز الدولة عن توفير المساكن لتتناسب مع ازدياد السكان،  ظهر الإسكان العشوائي لتظهر لنا خرابات جديدة مثل عشش الترجمان ( والتي أزيلت ) وعشش عرب المحمدي بالعباسية ( التي أزيلت بعضها والبعض الآخر ما زال موجوداً ) ومنطقة منشية ناصر وإسكان عين شمس والمطرية والإسكان العشوائي بحلوان في مناطق عرب راشد وكفر العلو وعزبة صدقي.. إلخ وغيرها من الإسكان العشوائي الذي تم بدون ترخيص والذي لا يوجد به المرافق والخدمات الأساسية.

المباني العامة في فترة ما بعد ثورة 1952 وحتى حرب 1973:
عند قيام الثورة والقضاء على الملكية في مصر بدء الاستيلاء على القصور الملكية وقصور الأمراء لتحويلها إلى مباني عامة،  ومن الحقائق المؤسفة أن أعظم كنوز التراث الحضاري للإنسانية جمعاء،  والمتمثل في روائع المعالم الأثرية والتاريخية والثقافية المصرية قد تعرض لفترة الخمسينات والستينات ليكون ضحية الإهمال الجسيم وسوء الاستغلال حتى أن عوامل الفناء قد بدأت تدب فيه بسبب نقص أعمال الصيانة والترميم والتجديد ثم تكرار الاعتداء سواء بالإتلاف أو السرقة.
وقد كان هذا العدوان على تراث مصر الحضاري يتمثل أما في صورة اعتداء على المباني الأثرية وتحويلها إلى مباني حكومية أو بصورة عدوان على المناطق الخضراء سواء حدائق عامة أو خاصة ملحقة بقصورها.

  • العدوان على القصور وتحويلها إلى مباني عامة:

وسنورد فيما يلي بعض الأمثلة – وليس كلها – لصور تحويل هذه القصور إلى مباني حكومية مما يجعلها غير مناسبة لتأدية وظيفتها لمكاتب حكومية..

  • قصر محمد علي في شبرا:

بناه محمد علي في 1808 وتم تجديده عام 1823 وكانت تحيط به حديقة رائعة ( 50 فدانا ً) استوردت زهورها من جميع أنحاء العالم.  ورغم أن يد الزمن قد عدت عليه إلا أنه كان باقيا منه كشك الفسقية وهو من الآثار الإسلامية التي قامت بتسجيلها لجنة حفظ الآثار العربية عام 1935 وتكلفت أعمال تجديده في أخر ملوك أسرة محمد علي ¼ مليون جنية.
وقد تم استغلال بقايا القصر وحديقته الرائعة كمقر لكلية زراعة عين شمس واستقطاع قطعة من الحديقة لبناء معهد التعاون..

  • قصر الزعفران: في منطقة العباسية وتشغله الآن إدارة جامعة عين شمس.
  • ملحقات قصر عابدين: وتشغله الآن محافظة القاهرة.
  • قصر السلطانة ملك: في مصر الجديدة وقد تحول في وقت من الأوقات إلى مقر لكلية البنات ، وتشغله حاليا
             مدرسة الجديدة الثانوية للبنات.
  • قصر عائشة فهمي: في الزمالك وتشغله حاليا مكاتب وزارة الثقافة ،  وخصص جزء من حديقته ومبانيه
              لعرض أعمال الفنانين.
  • قصر الأمير محمد علي بالمنيل:  وهو الآن فندق المنيل.

ومن أمثله العدوان على قصور الريف:

  •  قصر أدفينا:

بناه الخديوي عباس وسط أراضي تفتيش أدفينا وكان عدد حجراته 84 حجرة كل أرضها مغطاة بالباركية الفاخر،  وكان يعتبر واحدا من أجمل قصور الريف،  وقد تم تسليمه عام 1954 لوزارة الصحة التي حولته إلى مصلحة لسل العظام.
وهناك أمثله عديدة لقصور زالت من الوجود مثل:
" قصر هدى شعراوي " بميدان التحرير و" قصر شريف صبري " على ضفة نيل جاردن سيتي ، " وقصر آل شعراوي " بجاردن سيتي أيضا،  وغيرها من المباني التي أدي نقص الوعي التخطيطي وما يترتب عليه من ارتجال وتخبط إلى هدمه لترتفع محلها العمارات السكنية أو أماكن انتظار السيارات وهي مشروعات كان من الممكن التصرف بإنشائها في مواقع أخرى دون أن يقلل ذلك من قيمتها أو مدى نفعها الأمر الذي ينذر بصورة قائمة تبدو فيها المدن المصرية لمجمعات من الكتل الخرسانية الضخمة التي تشوه البيئة المصرية وتقصف بالطابع التقليدي الذي ساد خلال فترة طويلة من تاريخ
البلاد.
 2 – العدوان على الحدائق العامة وحدائق القصور وبنائها مباني عامة:
أما العدوان على المسطحات الخضراء فكانت تشمل فيما سبق حدائق عامة ( وخاصة ملحقة بالقصور ) وأندية ومراكز رياضية،  وقد تم العدوان عليها على النحو التالي:

  • أقامة مسرح الجيب ،  وكازينو النهر ومسجد ومكاتب تابعة لشركة المقاولين العرب في جزء من حديقة النهر،
              ثم استقطاع جزء كبير لإنشاء كوبري أكتوبر.
  • تشييد عدة منشآت بحدائق الزهرية وبعض الأندية الرياضية ومراكز الشباب،  وكذلك استقطاع معظم الحدائق
              بمنطقة القصور ( التي تحولت إلى أرض للمعارض ) لإقامة منشآت عليها.
  • حديقة الأزبكية:

وهي من أقدم حدائق القاهرة وأهمها لتميزها من حيث الموقع،  ولكونها المتنفس الرئيسي لسكان منطقة وسط المدينة ولاحتوائها على مجموعة من الأشجار المتنوعة النادرة.  ورغم ذلك فقد تعرضت تلك الحديقة لضياع ما يقرب من ثلثي مساحتها حيث تم إزالة المسطحات الخضراء وإقامة المباني والمنشآت التالية:

  • مبنى سنترال الأوبرا.
  • مبنى شرطة النجدة.
  • مسرح الأزبكية.
  • كازينوهات.
  • مسرح العرائس.
  • مبنى نادي السلاح.

هذا فضلا عن شق طريق وسط الحديقة أدى إلى انقسامها إلى قسمين منفصلين،  أما الأجزاء الباقية فقد تعرضت لمزيد من التشويه بلوحات الإعلانات الضخمة وأكشاك باعة الكتب.
أما عن حدائق المنشآت السكنية والقصور القديمة في الزمالك البحرية والقبلية وجاردن سيتي وشبرا والروضة،  فلقد زالت تلك الحدائق الخاصة ذات القيمة التاريخية والجمالية من الوجود لتزول معها آخر معالم القاهرة التقليدية،  ولهذا فقدت البيئة الطبيعية والحضارية المصرية سمة من سماتها المميزة..
ومن أمثلة هذه الحدائق:

  • حديقة قصر لطف الله:

هدمت الحديقة الرائعة والجبلاية التي يقال أنها كانت مكان اللقاء بين الخديوي إسماعيل والإمبراطورة أوجيني وارتفعت مكانها المباني الضخمة لفندق عملاق..

  • حدائق قصر المانسترلي بالروضة:

وكانت حديقة واسعة ذات مظهر جمالي أخاذ تضم مجموعة قيمة ونادرة من الأشجار يزيد عمرها على المائة عام،  ولقد أصابها التلف والإهمال وتم إزالتها ليشغل مكانها مبنى ضخم لمحطة المياه..
أما خارج القاهرة فقد امتدت يد التشويه والتخطيط العمراني في أسوان والأقصر.. ففي الأقصر يأبى قصور النظرة التخطيطية إلا أن ينال من جمال بيئة الأقصر التاريخية والأثرية والطبيعية العريقة،  الأمر الذي جعل معابد الفراعنة العظام تقف محاصرة وسط الأسواق وغيرها من المنشآت،  كذلك امتدت يد التشويه في أسوان إلى واحدة من أعظم المشاتي المصرية وأعرق المدن التاريخية ولقد أساء الفندق فوق جزيرة ( اليغانتين ) إلى المظهر الجمالي للجزيرة ،  هذا بالإضافة إلى ما يهدد "جزيرة النباتات"  من ضايع محتم نظرا لما تردد مؤخرا عن التفكير في تحويلها إلى قرية سياحية.  ومن الجدير بالذكر أن الجزيرة كانت تحفل بمجموعة نادرة من نباتات المناطق الحارة والمدارية مما لا نظير له في مصر أو المنطقة العربية.  ولم تكن الجزيرة تعرف الطرق المعبدة كما لم يكن قد بدد سكونها أي مظهر من مظاهر العصر.. ولذا كانت تحظى بجو حالم يجتذب إليه هواء الطبيعة البكر،  ولقد تبدد هدوء الجزيرة بتعبيد طرقها ودخول وسائل المواصلات إليها،  ويبدو أنه يغيب عن الأذهان ما يمكن أن يصيب الموارد النباتية والطبيعية لهذه الجزيرة في حالة تحويلها إلى قرية سياحية..
وفي بداية الستينات ( 1962 ) بدأت الدولة في إنشاء مباني حكومية جدية ضمن تخطيط مدينة نصر حيث ظهر مبنى التعبئة العامة والإحصاء،  ومعهد التخطيط القومي ووزارة التخطيط وواكب هذه الأبنية العامة إنشاء مطار القاهرة الدولي في نفس الفترة ومحطة الركاب البحرية ومبنى الأستاذ الرياضي وبرج الجزيرة،  كما بدء في أقامة مباني جامعة الأزهر أما مباني أرض المعارض بمدينة نصر فقد بدء إنشائها في نفس الفترة ثم توقف العمل واستأنف بعد 1973 وما زال المشروع لم يستكمل حتى اليوم.
وقد ارتبطت أغلب المشروعات والمباني الإدارية بالمكتب العربي للتصميمات والذي كان فيما قبل مؤسسة الأبنية العامة في بداية الخمسينات وهي المؤسسة الحكومية المسئولة عن تصميم المباني الحكومية في مصر.
ونظرا لأن هذه الأبنية العامة لم تكفي بالحاجة المطلوبة،  فكما تم تحويل القصور إلى أبنية عامة فقد استمر هذا الاتجاه الخاطئ في تحويل بعض العمارات – رغم أزمة الإسكان – إلى مباني حكومية وما زال هذا الاتجاه الخاطئ مستمر إلى يومنا هذا.  ومثلنا على ذلك هو تحويل أبراج ميدان العباسية ( التي كانت عمارات سكنية من مشروعات القوات المسلحة والتي توقفت بعد حرب 1967 ) إلى مباني حكومية،  وكذلك شغل أعداد كبيرة من العمارات السكنية بمدينة نصر لكي تكون مقارا للمؤسسات الحكومية ( قطاع عام ) التي ظهرت مع بداية الستينات حيث احتلت مؤسسات الثروة المائية والبترول والنقل وغيرها كل العمارات السكنية المطلة على شارع الطيران بالحي الأول بمدينة نصر،  وكذلك احتل الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة عمارات أخرى على طريق النصر واحتلت جهات حكومية أخرى عمارات في مواقع متفرقة من نفس الحي السكني الجديد وكذلك تم تحويل بعض عمارات الإسكان الشعبي لتكون مكاتب كمصالح حكومية كمصلحة الشهر العقاري ومكاتب الصحة ومكاتب التموين والتي بطبيعة وظيفتها تستقبل جمهوراً كبيراً مما يجعل هذه المكاتب غير قادرة على توفير خدماتها للجمهور كما نرى في مصلحة الشهر العقاري في ميدان رمسيس مما يسبب إزعاجا كبيرا للسكان في هذه العمارات علاوة على عدم مناسبة تصميم الوحدة السكنية من حيث المبدأ لطبيعة العمل المكتبي وفي ذلك ضياع للموارد والمساحات ولم يقتصر الأمر على المباني السكنية ولكن تعداه إلى الفنادق حيث تم تحويل فندق هليوبوليس مصر الجديدة إلى مقر للحكومة المركزية وكان ذلك في أول الستينيات بعد الوحدة مع سوريا ثم أصبح مقرا للإدارات الحكومية واتحاد الجمهوريات العربية المتحدة.. إلخ. واستمر هذا الوضع إلى اليوم. ونري بجانب هذا أنه لم يحدث أي تطور للتصميم سواء الحكومية أو المباني التعليمية كالمدارس وغيرها والتي احتفظت بنمط واحد دخيل علاوة على رخص مواد التنفيذ.  ومن الأمثلة الجيدة للمباني العامة في الستينات نجد مستشفى المعادي والذي صممه ونفذه مصريون.

 

                


فترة ما بعد حرب 1973 وحتى اليوم
كان لحرب 1973 الأثر الكبير على منطقة المشرق العربي بوجه عام وعلى مصر بوجه خاص،  وأدت إلى حدوث تغيرات كبيرة بالمنطقة والتي ارتبطت بدرجة أساسية بالطفرة الكبيرة في أسعار البترول مما انعكس على الحركة العمرانية الكبرى بدول الخليج.  وفي نفس هذه الفترة كان على مصر- وهي خارجة من عدة حروب متتابعة _ أن تبدأ في إعادة بناء نفسها.
وفي ظل الانتصار في حرب العاشر من رمضان ( 6 أكتوبر 1973 ) انتهجت مصر خطا سياسيا جديدا مرتبطا بإعادة بناء الدولة داخليا ومحاولة تحقيق الاستقرار على المستوي المحلي،  وفي هذا المجال تم انتهاج سياسة الانفتاح لتشجيع استثمار رأس المال  العربي والأجنبي في مصر وكان ذلك في صورة إصدار قانون 43 لسنة 1974 حيث أعطى حوافز كبيرة  للمستثمرين العرب والأجانب.
وككل بداية جديدة ،  فلابد أن تكون لها ايجابياتها وسلبياتها،  مما ظهرت نتائجه في صورة مشروعات استثمارية انعكس على العمارة في مصر.
ونستطيع أن نقسم فترة ما بعد حرب 1973 وحتى اليوم إلى قسمين:

  • فترة الانفتاح وهي ما بعد صدور قانون الاستثمار رقم 43 لسنة 1974،  وحتى نهاية حكم الرئيس السادات عام 1981. وكانت تميز هذه الفترة حداثة التجربة لجذب رأس ا لمال الأجنبي والعربي مما جعل هناك تسهيلات كثيرة مع السماح لعدد كبير من الإعفاء الضرائبي وهذا مما شجع الأجانب لاستغلال هذه الفترة أقصى استغلال وتحقيق أقصى ربح ثم تحويل هذا الربح للخارج دون الاستمرار في مشاريعهم فيما بعد.
  • فترة ما بعد الانفتاح – وهي بداية حكم الرئيس مبارك فقد بدأت تتميز هذه الفترة بالتريث وعدم الاندفاع في المشاريع وخاصة بعد ظهور سلبيات الفترة الأولى.. واستقرت الأوضاع بعض الشئ وما زال هذا الاتجاه حتى اليوم.

ويهمنا هنا أن نورد في هذا الجزء نتائج فترة الانفتاح والتي تلت قانون الاستثمار مباشرة وكانت تمتاز بالاندفاع في مشروعاتها  لتحقيق أكبر عائد ربح ممكن مما أظهرت مساوئها مع حداثة التجربة.
وتشمل دراستنا التالية دراسة لفرعين أساسين لهذه الفترة:
الفرع الأول:  مشروعات الإسكان والقطاع الخاص،  ويغطي هذا الجزء قطاع الإسكان الاستثماري والقطاع الخاص وكذلك الإسكان الحكومي.
الفرع الثاني: مشروعات المباني العامة والمختلطة الاستعمال،  ويغطي هذا الجزء المشروعات الاستثمارية الجديدة في مجالات المباني الهامة المختلطة الاستعمال مثل ا لمباني الإدارية والتجارية وكذلك مشروعات الفنادق.


مشروعات الإسكان:
مشروعات الاستثمار والقطاع الخاص:
كانت هذه المشروعات تمتاز بالاستقلالية من الدرجة الأولى للحصول على أكبر عائد ممكن لرأس المال.
بدأ هؤلاء المستثمرون في شراء المباني القديمة أو الأراضي الخالية لكي يتم بنائها ثم بيعها للتمليك واستغلال أزمة الإسكان لأن الإيجار غير مجزي في عائدة المادي. كذلك لعدم وجود ضوابط لتحديد سعر هذه الوحدات. فهي خاضعة للعرض والطلب.
وكان البناء في مجال الإسكان يسير في اتجاهين:
الاتجاه الأول:
هدم المباني القديمة و هي غالبا لها موقع متميز في المنطقة الآهلة بالسكان وعليها طلب.  وقد يكون هذا المبنى القديم قصرا أو فيلا سواء في حالة جيدة أو سيئة،  ثم بعد هدم العقار يقام مكانه عمارة شاهقة دون التقيد بالارتفاع المسموح به ودون عمل أي اعتبار للمرافق والخدمات،  مما كان انعكاس ذلك على تدهور الأحياء السكنية الراقية مثل حي مصر الجديدة والزمالك وجاردن سيتي وجزيرة المنيل والمهندسين.
الاتجاه الثاني:
شراء أراضي فضاء لإقامة مشاريع أسكان عليها وقد يكون ذلك على حساب أراضي زراعية كما يحدث في منطقة شارع الهرم وشارع الملك فيصل أو بطريق الكورنيش بالمعادي أو شراء أراضي دون الالتزام بالارتفاع المسموح حتى أصبحنا نرى عمارات تقارب العشرين دورا في هذه المناطق دون عمل أي اعتبارات للمرافق والخدمات ،  ودون تزويد هذه العمارات لحد أدنى من مواقف السيارات مثلا.
وكما حدث على شاطئ النيل قيام أبراج سكنية عالية تصل إلى 60 طابقا وأصبحت القاهرة كما لو كانت تنافس في الارتفاع حي منهاتن في مدينة نيويورك.
وهذا كله يعكس لنا كيف أدى سيطرة فكر تحقيق أقصى عائد وأقصى استغلال مع الاستفادة بأقصى قدر من المشاكل القائمة ونقص المعروض إلى إفساد الطابع العام للمدينة وتشويه أحياء سكنية راقية كانت قائمة،  وكذلك ظهور مشاكل المرور والكباري والمياه،  وقد أدت أغلب هذه المشروعات أيضا إلى ظهور أنماطا غريبة من العمارة لا تمت بصلة للمناخ أو التقاليد والعادات حيث ظهرت المباني ذات الواجهات الالومنيوم مما زاد من حدة مشكلة التلوث البصري في المدن بوجه عام.
ومن أبرز مشروعات الإسكان الغير حكومي في هذه الفترة،  سواء التي تمت أو تحت التنفيذ مشروع أسكان المروة في المنطقة الواقعة بجوار مدافن مصر الجديدة،  ومشروع أسكان أول مايو بجوار الجامعة العمالية بمدينة نصر،  ومشروع إسكان 10000 وحدة سكنية بالمعادي لعثمان أحمد عثمان،  ومشروع إسكان نقابة المهندسين بكورنيش المعادي (  أقيما على أرض زراعية ).  وهنا وقفت القاهرة حائرة بين القديم حيث المباني ذات الطابع الإسلامي والقليلة الارتفاع وبين الجديد حيث ناطحات السحاب،  فظهرت التعلية العشوائية للمباني القديمة بإضافة عدة أدوار جديدة دون الالتزام بالطراز الأساسي للمبنى مما أدى إلى التلوث البصري في المعمار،  وبالرغم من أنه ليس هناك عائق هندسي أمام استكمال بناء الأدوار بنفس الطراز إلا أن عملية الاستسهال والرغبة في تحقيق أقصى ربح وغياب العمالة الفنية مع عدم وجود قانون يلزم باحترام الطابع العام تجعل أصحاب العمارات يقومون بمثل هذه الممارسات. وبسبب سيطرة سماسرة العقارات وقوة رأس المال على العمارة فقد انعكست هذه السيطرة في إيجاد شكل عمارة ممسوخة ومشوهة ومما يزيد هذه الظاهرة تعقيدا أن تلك العمارة المشوهة سوف تؤثر في الجيل الجديد للمعماري الذي نشأ فوجد حوله ظواهر وقيما متخلفة تتحكم في العمارة،  تلك القيم السائدة التي لم تعد ترى المباني التاريخية أو ذات القيمة المعمارية أو ذات الطابع المميز كجزء من التاريخ أو التراث ولكن تنحصر قيمتها في ثمن مساحة الأرض التي يرتفع عليها المبنى،  فأخذت تهدم المباني القديمة وتنشئ مكانها عمارات شامخة للتمليك كما يحدث في حي مصر الجديدة والزمالك وغيرها تلك القيم التي لا تدرك أهمية ترك مساحات خضراء لتنقى المدينة فأخذت تزيل الحدائق والمتنزهات وتشيد بدلا منها كتلا خرسانية إلى جانب ذلك الإهمال في حالة اتخاذ قرارات بالهدم أو البناء أو الرصف أو الحفر دون التعرف على حالة المرافق من مياه ومجاري وتليفونات وما إذا كانت حالتها تسمح بذلك،  وبالتأكيد هذه القيم هي نفسها التي تجعلنا نستورد أنماطا من العمارة غريبة عنا قد لا تتناسب مع ظروفنا أو عاداتنا أو حتى مناخنا ،  وأيضاً تجعلنا نستعين بخبراء أجانب ليخططوا لنا مدننا وشوارعنا،  وفي ظل هذا المناخ من الطبيعي أن نجد أن هناك العديد من أصحاب المكاتب الاستشارية التي من المفترض أن يتولاها ذو العلم والخبرة،  نجد أن أصحابها ليسوا مهندسين أساسا أو تخصصهم بعيد كل البعد عن العمارة والتخطيط. 
كذلك كان من مساوئ عصر الانفتاح ظهور جمعيات الإسكان الوهمية استغلالا للموقف،  وانتهزوا عدم وجود رقابة عليهم في الصحف فكانت هناك الإعلانات عن الوحدات السكنية وجمع مقدمات قد تصل إلى أكثر من نصف ثمن الوحدة ثم استثمار هذه النقود في مشاريع أخرى مع زيادة الأسعار بحجة زيادة سعر مواد البناء والعمالة ،  واستمرت هذه السلسلة من النصب والاحتيال حتى يومنا هذا دون ربط أو ضبط.  ومع محاولات علاج الظاهرة وليس السبب الرئيسي، صدرت عدة قوانين وتبعها بالتالي ظهور التحايل على هذه القوانين مثل ظهور اتحادات الملاك كأسلوب ثم ظهور تحايل بيع جزء من الوحدة السكنية مع تأجير جزء أخر وذلك كأسلوب للتحايل أمام القوانين التي استنت لكي تحد من مسألة بيع الوحدات السكنية وإلزام الملاك بضرورة تأجير جزء منها. وما زالت المسألة في مرحلة المد والجذر ولم توضع اللمسات الأخيرة لحلها...
ومع تزايد حدة مشكلة الإسكان،  التي تظهر في نقص المعروض أو ارتفاع ثمنه،  فقد تزايدت حدة مشكلة الإسكان العشوائي والغير مرخص بحيث نمت أحياء كاملة امتدت بشكل سرطاني عشوائي سواء على أراضي الصحراء في سطح تلال المقطم كمنشية ناصر وعزبة الزبالين،  أو على أراضي زراعية  متاخمة للمناطق الصناعية الرئيسية كعرب راشد وكفر العلو وعرب غنيم وعزبة صدقي بحلوان،  أو على أراضي زراعية كاستمرارية غير مرخصة لأحياء سكنية متخلفة كما هو الحال في محور المطرية المرج حيث عزبة الأباصيري وعزبة النخل وغيرهم،  وأصبح  الإسكان العشوائي ظاهرة قوية ومؤثرة في المدن المصرية بوجه عام وأصبحت أمر واقع تعترف به الحكومة وتعمل على تزويده بالمرافق والخدمات وتعمل له مشروعات للارتقاء به أو تجديده،  ولا يمكن الادعاء بأن مشكلة الإسكان العشوائي وليدة مرحلة الانفتاح حيث أنها ظهرت مع تزايد مشكلة الإسكان منذ الستينات.  وبوجه عام تتصف المساكن في هذه الأحياء العشوائية بتدهور مستواها المعماري والصحي والجمالي والتنفيذي،  وأن كانت مواد البناء المستخدمة في أغلبها مواد جيدة كالخرسانة المسلحة والطوب الأحمر وهو ما يستعمل في مباني الإسكان الراقي أو فوق المتوسط أيضاً.  ومع تزايد معدل الإسكان العشوائي في مدن ( وريف مصر أيضاً ) ،  فأنه هناك مخاوف شديدة من أن يسيطر القبح العام لهذه المساكن العشوائية على الصورة العامة بمصر ويعطى وجها قبيحاً للمدن ( وكذلك القرى )  تتضاءل بجانبه أي محاولات لإصلاح وتحسين وتجميل الوجه الحضاري للمدن المصرية والمحافظة على البقية القليلة الباقية من جمالها.
مشروعات الإسكان الحكومي:
ارتبط بهذه الفترة مشروعات المدن الجديدة حيث ظهرت البذرة الأولى لمدن 10 رمضان و6 أكتوبر والسادات والعامرية الجديدة،  وكذلك مدينة السلام ( أرض البركة )  وغيرها وما زالت هذه المدن تحت الإنشاء ،  وقد قطعت مدينة 10 رمضان شوط كبير في التنفيذ وذلك بالنسبة لباقي المدن الأخرى.  وما يؤخذ على العمارة السكنية الحكومية في هذه المدن أنها صممت ونفذت بعقلية وروح المساكن الشعبية وبالتالي جاءت بعيدة كل البعد عن ملائمتها للبيئة الصحراوية وكذلك بعيدة كل البعد عن النواحي الجمالية حيث نفذت الأحياء السكنية باستعمال وحدات نمطية تكررت عشرات المرات داخل المجاورة السكنية الواحدة في صورة مصفوفات من العمارات العالية،  وقد تختلف في ألوان واجهاتها ولكن تتطابق في تصميمها المعماري وارتفاعها وسوء تنفيذها ورخص موادها المستعملة.  وتعتبر تجربة المدن الجديدة في مجالات مشروعات الإسكان بحق – وبكل المقاييس – أهدار لفرصة ذهبية متاحة أتيحت نحو أيجاد مدرسة معمارية مصرية في المناطق الصحراوية.
ومن مشروعات الإسكان التي يمكن أن نصفها بأنها مشروعات حكومية تلك التي تقوم بها الهيئات العامة أو النقابات أو الوزارات الأخرى مثل مشروعات أسكان شباب المهندسين التي تزمع نقابة المهندسين القيام بها،  ويجرى حاليا أعداد التصميمات النهائية للمشروعات ولكن يمكن بسهولة التنبؤ بسوء الحالة التي ستكون عليها هذا المشروع بسبب الكثافة السكانية الإجمالية التصميمية العالية للغاية التي حددتها النقابة ( للأسف نقابة المهندسين )  والتي بلغت 600 فرد / فدان ( وهي ما يعادل 250 فرد / هكتار ) ،  ومن المتوقع عمليا أن تزيد هذه الكثافة فيما بعد عن الكثافة التصميمية نتيجة تزايد أعداد السكان نتيجة المشاركة في الوحدة أو وجود سكان غير محسوبين كالبوابين والخدم والعاملين بالمحلات والخدمات والصور الأخرى من السكان الطفيليين.
كذلك من أسوأ الأمثلة على مشروعات الإسكان الرسمي مشروعات الإسكان الرسمي التي تقوم بها القوات المسلحة كمدينة التوفيق،  وحدائق العبور،  وإسكان صف الضباط بمدينة نصر.  وما قيل عن مسألة الكثافة السكانية بالنسبة لمشروع أسكان شباب المهندسين يمكن أن ينطبق تماما على مشروعات الإسكان هذه ،  حيث بلغت الكثافة السكانية الإجمالية في بعض هذه المواقع حوالي 900 فرد / فدان ( 375 فرد / هكتار ) ،  وحتى بفرض أنه قد يكون هناك بعض المبالغات في تقدير هذه الكثافات إلا أن النظرة الأولى إلى هذه المشروعات تعكس بشدة التضخم الخطير في الكثافات السكانية لهذه المشروعات.  ومن الطبيعي أن الارتفاع الكبير في الكثافات السكانية ينعكس تلقائيا على البيئة العامة الداخلية في الموقع السكني سواء كانت بيئة اجتماعية أو صحية أو اقتصادية أو عمرانية.. كما تنعكس أيضاً على المحيط حول المشروع في تزاحم المرور على المحاور الرئيسية وفي سوء أحوال المرافق والخدمات.
وعند الحديث عن مشروعات الإسكان الحكومي لا يمكن أن نغفل المشروع التجريبي لحلوان الجديدة والذي يتمثل في إنشاء مسكن نواه يمكن أن يمتد مستقبلا ويتسع المسكن تبعا لتغير احتياج الأسرة،  وهكذا فكر جيد ولكن ينقصه ضمانات تنفيذية واقعية طبقا لظروف البلد تضمن استمرارية المحافظة على البيئة العامة للمشروع كما كان مخططا لها.  كما تجرى كذلك بعض مشروعات للارتقاء ببعض العزب في حلوان مثل مشروع الارتقاء بعرب راشد وعزبة صدقي،  ولكن الفكر المبني عليه هذه المشروعات يرتبط أساسا بتوفير مرافق عامة أكثر منه بفكر شمولية الارتقاء.

مشروعات المباني العامة والمختلطة الاستعمال:
المشروعات الاستثمارية:
وفي عصر الانفتاح ظهر العديد من المشروعات الاستثمارية في مجالات مباني تجارية ترفيهية إدارية مختلطة الاستعمال،  أو مشروعات فنادق فاخرة سياحية أو مشروعات مستشفيات للعلاج المتميز والفاخر،  أو مشروعات للقرى السياحية بالمناطق الساحلية.  وبالطبع فكان الغرض من هذه المشروعات بالدرجة الأولى تحقيق أقصى عائد وأقصى ربح استغلالا للفرصة المتاحة من نقص المعروض ووجود الطلب،  مع توفر رؤؤس الأموال سواء الأجنبية أو المحلية.  وبوجه عام فقد حدث نمو متزايد في إنشاء مثل هذه المشروعات حتى وصلت في بعض الأنواع منها إلى حالة من التشبع كما هو الحال في فنادق الخمسة نجوم ومباني الإسكان الإداري ومستشفيات العلاج الاستثماري والسياحي.
وبوجه عام بالنسبة لهذه المشروعات فأنها في طابعها وتصميمها تمثل انتصارا للفكر الأجنبي وتعتبر اتجاها لتغريب المدن المصرية سواء في شكلها حيث ظهرت مباني مستوردة في تصميمها ومواردها وتفاصيلها بالكامل،  أو في مسميات مباني ومشروعاتها حيث ظهر لنا مشروعات كايرو كومبلكس وكايروبلازا وجرين سنتر،  أو في أسلوب تفكيرها حيث ظهر اتجاه الاستغلال الرأسمالي في أسوأ صورة والذي يهدف إلى استنزاف كل ما هو متاح إلى أقصى حد ممكن لتحقيق أقصى عائد ممكن مع أعطاء أقل عطاء ممكن في المقابل.  والمشكلة هنا تزداد خطورتها وحدتها في نظرة العامة أو أصحاب القرار أو بعض المعماريين والمهندسين إلى ذلك الأمر على أنه خطوة لابد منها على طريق التقدم والمدنية ،  وأنها خطوة لابد أن تستمر وأن تتبعها خطوات أخرى.
 وقد ظهرت مشروعات الاستثمار هذه هنا وهناك سواء في قلب المدينة أو على ضفاف النيل أو في الأحياء السكنية الراقية والهادئة أو في مناطق النمو الجديدة وكان المؤشر الأساسي هنا هو واقع دراسة الجدوى والتي غالبا ما انحصرت في كونها دراسة جدوى " اقتصادية " تستهدف بشكل مباشر مصلحة المستثمر.  وكما قيل بالنسبة للإسكان،  يقال أيضاً بالنسبة لهذه المشروعات الغير سكنية على أنها أدت إلى التلوث البصري ،  وإلى أفساد الأحياء السكنية الراقية وإلى الأضرار بالبيئة العامة من ظهور المشاكل الجانبية للتكدس وارتفاع الكثافات حيث ظهرت مشاكل المرور والوقوف وكذلك مشاكل المرافق من مجاري ومياه وكهرباء ومشاكل عدم كفاية الخدمات .... إلخ وغيرها.
ومن أبرز أمثلة مشروعات الانفتاح مشروع كايرو بلازا المقام أمام ساحة روض الفرج في منطقة مرتبكة بالمرور ويقع خلفها أحياء شعبية ومنطقة سوق الخضار المركزي،  ومشروع كايرو كومبلكس والذي مازال يتعثر تحت الإنشاء بميدان التحرير المزدحم بقلب مدينة القاهرة ومبنى جرين سنتر الإداري بشارع طلعت حرب ( سليمان باشا سابقا ) والذي تتوقف فيه حركة المرور تماما ولا يمكن إيجاد موضع قدم لموقف سيارة،  ومبنى النيل سنتر الإداري أمام حديقة الحيوان بالجيزة،  وفندق هليتون رمسيس الذي أقيم في منطقة مرتبكة بحركة المرور عند أخر شارع رمسيس ويقع خلفه أحياء شعبية سكنية ومناطق تجارة الخردة،  وفندق ماريوت الذى اقيم على أنقاض قصر لطف الله (فبدق عمر الخيام) الاثرى وفندق انتركونتيننتال الذي أقيم على أنقاض فندق رمسيس التاريخي ( وهو مازال تحت الانشاء )  وفندق هليتون الجزيرة والذي أقيم على الطرف الجنوبي للجزيرة مرتفعا ومشوها للبقية الباقية من منظر النيل في هذا الموقع،  وفندق هوليداي أن بالهرم وفندق شيراتون هليوبوليس اللذان أقيما على الطابع الغربي المستورد في تصميماته وواجهاته الألومنيوم المصنعة بالكامل بالخارج وفندق السلام الذي أقيم على جزء من أرض نادي الشمس مواجها لواحدة من الأحياء الشعبية العشوائية،  ومستشفى السلام الدولي الذي أقيم على كورنيش النيل قبل حي المعادي ومستشفى مصر الدولي الذي أقيم في صورة برج مرتفع داخل واحد من المناطق السكنية أو الهادئة بحي الدقي.  ومستشفى القاهرة التخصصي المقام بحي مصر الجديدة ومستشفى المقاولون العرب المقام فوق تلال الجبل الأحمر بتلال صحراء العباسية ومدينة نصر ( سمى فيما بعد بالجبل الأخضر )  ومستشفى مدينة نصر المقام وسط المساكن بحي مدينة نصر.. وعلاوة على ذلك يوجد مشروع طيبة 2000 بمدينة نصر وهو مشروع يجمع العديد من المباني كمجمع تجاري ترفيهي سكني إداري على مساحة أرض كبيرة وما زال يتعثر في التنفيذ حتى اليوم بسبب سوء أحوال التربة.
وكان حظ مشروعات السياحة بالسواحل كبيرا أيضاً  في هذا المجال حيث ظهر العديد من مشروعات القرى السياحية سواء بساحل البحر الأحمر كقرية مجاويش أو مشروعات القرى السياحية بالساحل الشمال الغربي كقرية مراقيا التي ستبدأ أولى خطواتها التنفيذية ونشطت في ذلك المجال العديد من الجمعيات التي قامت بتنفيذ أو أعداد مشروعات للسياحة بعقلية مشروعات الإسكان الشعبي أو مشروعات أسكان ذوي الدخل المتوسط.  وهذا بالطبع أدى إلى فساد المظهر العام لهذه المناطق الساحلية أو أجزاء منها والتي كانت تعتبر بمثابة مكاسب ومقومات قومية.  وفي هذا المجال امتدت أيدي الإفساد التخطيطي والمعماري أيضا إلى سواحل البحيرات المرة وبحيرة التمساح والساحل الجنوبي لبحيرة قارون وسواحل العجمي والمعمورة.  كما ظهرت أو توجد محاولات أيضا لعمل مشروعات استثمارية سياحية على مناطق ذات طابع متميز وثروة قومية كحدائق الحيوان وحدائق الأورمان بالجيزة أو جزيرة النباتات بأسوان أو جزيرة القرن الذهبي لبحيرة قارون بالفيوم .

 

المشروعات الحكومية:
من أبرز مشروعات المباني العامة الحكومية تلك المباني التي يجري تنفيذها في المدن الجديدة مدينة السادات لنقل مقار بعض الوزارات كوزارة التعمير أو وزارة التخطيط مثلاً.  وذلك علاوة على بعض المباني التي تم أو يجرى أقامتها في الجامعات المصرية كجامعة الأزهر أو جامعة الزقازيق أو جامعة طنطا وغيرها.  وتعتبر هذه المباني في شكلها العام استمرارية للمباني الإدارية التي أقيمت في الستينات والتي اتصفت برتابة الواجهات وفقدان الطابع واستخدام المواد الرخيصة وسوء التنفيذ وانعدام الصيانة والإصلاح ( للمباني التي بدأ استخدامها فعلا ) وقد شهدت هذه الفترة أيضاً الاتجاه إلى تعلية مباني حكومية أو عامة قائمة أو إضافة وحدات جديدة إليها مثل مبنى التعبئة العامة والإحصاء ووزارة التخطيط ومعهد التخطيط القومي ووزارة التموين وأكاديمية البحث العلمي،  ومطار القاهرة الدولي التي تغيرت صورته تماما من كثرة الإضافات والتعليات المستمرة فيه.
ومن أبرز وأجمل المنشآت التي أقيمت في هذه الفترة نصب الجندي المجهول أمام منصة الاستعراض بمدينة نصر ( وأن كانت البيئة المحيطة به في حاجة إلى تخطيط وتجميل )  وصالة الألعاب الجديدة المجاورة لإستاد القاهرة الرياضي بمدينة نصر.
ويجرى حاليا وضع اللمسات الأخيرة لإقامة متحف الحضارة وقاعة الاحتفالات ( دار الأوبرا الجديدة )  على أرض المعارض القديمة بالجزيرة،  وكذلك قاعة المؤتمرات بمدينة نصر ،  ومتحف الحضارة من تصميم مكتب ومهندسين ومعماريين مصريين،  أما دار الأوبرا فهي من تصميم وتمويل يابانيين،  وقاعة المؤتمرات فهي من تصميم وتمويل الصين الشعبية،  وما هو معروف لنا عن المنشئين الأخيرين قليل.

المؤثرات المعمارية للمعماريين المصريين:
يتناول هذا الجزء دراسة للمؤثرات المعمارية التي سببها معماري مصر وسنتناول في هذه الدراسة تأثيرات بعض المعماريين المصريين والتي من خلالها نرى عمارة اليوم ونرى من خلالها المجتمع ا لمصري.
فمن دراستنا السابقة للعمارة عبر التاريخ اتضح لنا أنه منذ منتصف القرن التاسع عشر سيطر الأجانب على مهنة العمارة في مصر بدءاً من المهندسين والأيدي الفنية وحتى رأس المال ،  وكان هؤلاء الأجانب يمثلون مجموعات من جنسيات مختلفة،  فأصبحت العمارة تعبر عن هذه الاتجاهات المتنافرة والطرز المختلفة التي كانت سائدة في هذه الفترة في أوروبا فكانت دخيلة وغريبة عن المجتمع المصري،  فهم كانوا ينقلونها لنا كما هي أو يضيفون إليها بعض العناصر الزخرفية الشرقية أو الإسلامية مما أنتج نوعا من الخلط المعماري،  فقد جمعت مصر بين طراز  البحر الأبيض المتوسط الكلاسيك والنيو كلاسيك والنهضة،  فعلى سبيل المثال مباني شركة قناة السويس سيطر عليها الطابع الفرنسي،  ومباني شركة مصر الجديدة سيطر عليها الطابع البلجيكي ومباني المشروعات  العقارية في الإسكندرية كان يحكمها الطابع الايطالي .  وفي هذا المجال أيضا وخارج النطاق الحكومي وبتشجيع من كبار الملاك ظهرت فئة أخرى من المعماريين أنصاف أجانب فهم يعملون بشخصيتين فإذا كان العميل مصريا ظهر المعماري برداء الشخصية المصرية،  أما إذا كان العميل أجنبيا ظهر له بالوجه الأجنبي وهم خليط من اليهود وأهالي الشام واليونان ،  ومن  أمثال هؤلاء المعماريين البير خوري،  أنطوان سليم نحاس،  وشارل عيروط،  وقد أقامت هذه الفئة عددا كبيرا من العمارات السكنية في الثلاثينات مثل عمارة عيروط بالزمالك،  وعمارة بشارة بالعجوزة،  ومبنى وزارة الأوقاف وقد أستخدم أخوان عيروط الطوب الظاهر في مبانيهم.  وبعد الحرب العالمية الأولى بدأت الدولة بإيفاد مبعوثين للخارج فأرسلت بعثات لدراسة العمارة في كل من جامعة ليفربول بإنجلترا ومدرسة البوزار بفرنسا وبذلك ظهر جيل من رواد العمارة يضم محمد رأفت وعلى لبيب جبر وعبد المنعم هيكل وشريف نعمان.  وكان لعودة هؤلاء أثر كبير على بداية حركة معمارية مصرية لمعماريين مصريين،  وقد كسب هؤلاء الرواد المعركة من الأجانب وبدأ العمل على تأسيس قسم العمارة بمدرسة المهندسخانة،  ومدرسة الفنون والصناعات ثم مدرسة الهندسة الملكية والتي تحولت إلى كلية الهندسة إلى جانب مدرسة الفنون الجميلة بالزمالك،  كما يرجع الفضل لهؤلاء الرواد تأسيس جمعية المهندسين المعماريين.  وواكب هذه الفترة ظهور بعض المعماريين المصريين الذين كان لهم التأثير الظاهر على العمارة المصرية،  فمنذ عام 1922 ظهر محمود فهمي المعماري وأبنه مصطفى فهمي الذي حاول أن يختلق طابع عربي حديث ليتفق مع الوسائل التقنية الحديثة،  وهذا هو ما سماه النهضة العربية والتي نراها في القاعة الكبرى والقاعة الصغرى في أرض المعارض بالجزيرة عام 1935م وفي بعض القصور الملكية وبعض المباني الأخرى مثل دار الحكمة ومستشفى الجمعية الخيرية ( مستشفى العجوزة حاليا ) وكذلك البوابة الرئيسية لحديقة الحيوان بالجيزة.

أما المعماري الثاني المميز لهذه الفترة هو الأستاذ / على لبيب جبر والذي تلقى تعليمة المعماري في مدرسة العمارة بليفربول عام 1926،  ويعتبر علي لبيب جبر أول من أسس مدارس الفن الحديث في مصر،  ومن أبرز أعماله مبنى نقابة المحامين في القاهرة،  ومباني مصانع النسيج في المحلة الكبرى وكفر الدوار وبعض المناطق الشمالية في الدلتا ومباني أخرى.
ومع بداية الأربعينات من القرن العشرين كان المعماري سيد كريم قد أنهى تعليمه في المدرسة الفنية العليا في زيورخ وحاول أن يطبق بعض من نظريات أستاذه أ.أ سالفزبرج في بعض المباني في مصر والدول العربية خاصة الكويت والسعودية،  ويعتبر سيد كريم مؤسس للمدرسة الرومانسية في مصر والتي كانت لها صدى واسع لدي العديد من المعماريين الشبان،  وهذه المدرسة تعتبر نواة للاتجاه بعيدا عن الطابع المحلي التقليدي المصري والاعتماد على نماذج أجنبية،  ولقد لعبت مجلة العمارة التي حررها دكتور / سيد كريم دورا هاما في التعليم المعماري في الأربعينات وكانت أول مجلة معمارية تصدر في مصر حيث نجد أن أغلب المطبوعات المعمارية غير معروفة.
أما المعماري حسن فتحي الذي عمل لفترة مع دوكسيادس في بعض المشاريع المعمارية والتخطيطية في أسيا وأفريقيا،  ومنذ عودته لمصر وهو ينادي بالعودة للطابع التقليدي القديم واستخدام مواد البناء التقليدية مع تدريب القوى العاملة المحلية على البناء الريفي،  وقد تولى تصميم وبناء قرية القرنة الجديدة من مصلحة الآثار المصرية في أغسطس 1945،  وذلك من أجل ترحيل سكان القرنة القديمة الذين يبلغ عددهم 7000 نسمة ( 900 عائلة ) وتبلغ مساحة القرنة الجديدة 50 فداناً وهو مشروع قرية متكامل استخدم فيها مواد البناء المحلية وهي الطوب اللبن والطين،  كذلك استخدم أسلوب الإنشاء الذي يعتمد على تغطية المساحات بالقباب أو الأقبية المتقاطعة.  وللقرية مدخل ذات بوابة كبيرة تؤدي إلى سوق القرية حيث يقام على مساحة كبيرة ثم منه إلى الطريق العمومي اللولبي والذي يسير في ثلاث منحنيات منتهيا عند الركن المقابل حيث توجد بركة صناعية وحديقة عامة.  وفي منتصف طول هذا الطريق يوجد انتفاخ مكونا الساحة الرئيسية للقرية والتي يطل عليها المسجد والخان والمسرح وصالة العرض لمنتجات القرويين الحرفية.  أما باقي المباني العامة فقد وزعت في أماكن متفرقة من القرية،  فالمدرسة الابتدائية للبنين توجد في الشمال الغربي قريبة من البركة الصناعية والحديقة العامة حيث تتوافر ملاعب الأطفال أما مدرسة البنات فتوجد في المقابل ولكن في الجهة الشرقية من القرية لكي يسهل تصريف المنتجات إلى السوق كذلك تصرف مخلفات الأصباغ إلى مصرف الفراعنة الذي يقع في الشرق،  أما الحمام التركي والمستوصف والبوليس فقد وضع في الشمال.
وهذه الشبكة الرئيسية من الطرق تقسم إلى أربعة أجزاء حيث كان التكوين السكاني للقرنة القديمة ينقسم إلى خمس قبائل رئيسية تعيش في أربعة كفور،  وقد نقل حسن فتحي هذا التكوين كما هو للقرية الجديدة حيث لكل قبيلة عصبتها.  وقد وصل عرض الطرق الرئيسية إلى عشرة أمتار بينما لم تتعد طرق المشاة التي بين المباني وبعضها ستة أمتار.
ولقد كان مشروع قرية القرنة بداية طيبة وخاصة لعمارة البيئة،  فوجدنا أن الحلول والنماذج التي قدمها المهندس حسن فتحي جاءت كلها من وحي بيئتنا نابعة من تراثنا وتاريخنا،  قدم فيه معالجات للمناخ،  فرأينا استخدام ملاقف الهواء ومعالجات للإضاءة في المناطق الشديدة الحرارة وكذلك راعي اختيار مواد البناء التي تتناسب مع طبيعة الجو والمناخ ،  فالمواد المحلية التي استخدمها راعي أن تكون فيها خاصية الاحتفاظ بالحرارة في الشتاء وتساعد على تلطيف الجو في الصيف كما أن الفناء الداخلي أو الحديقة الخاصة التي يتجمع فيها أهل البيت كلهم،  تقوى من الروابط الأسرية،  وتزيد بالتالي الشعور بالانتماء للأرض والمجتمع.
ومن المساكن الخاصة التي صممها حسن فتحي في الأربعينات ( 1942- 1945 ) منزل السيد/حامد سعيد بالمرج _ القاهرة.  بدأ هذا المشروع أولا بإقامة استديو للرسام حامد سعيد في المرج،  والمرج ضاحية من ضواحي القاهرة المغمورة بالأشجار والنخيل وقد نفذ هذا المشروع على مرحلتين،  المرحلة الأولى الاستديو الذي يتكون من حجرة كبيرة مسقفة بقبة وبها جانب خاص للنوم مغطى بقبو وبها خزائن للملابس من المباني ولوجيا مفتوحة على الحقول.  تمت هذه المرحلة في عام 1942،  أما المرحلة الثانية فقد تمت عام 1945 وشملت باقي أجزاء المنزل.  وقد كان للبيئة الطبيعية المحيطة أثر كبير في التصميم ،  فقد حدد  النخيل المزروع في الموقع " شكل المسقط الأفقي "  فلم تقتلع أيه شجرة أو نخلة من موقعها،  ويمكن اعتبار هذا العمل كنموذج يسبق القرنة للعمارة الطينية التي أنتجها المهندس حسن فتحي.
ومن الخطأ أن نعتقد أن أسم حسن فتحي مقترن بالبناء بالطين أو عمل القباب والقبوات،  ففي الحقيقة المبدأ الأساسي للمهندس حسن فتحي هو استغلال الخامات المحلية أيا كان نوعها واستغلال مهارات السكان في البناء بها،  وهذا يظهر لنا في مشروع منزل الدكتور فؤاد رياض بالهرم.  فمنطقة الهرم لا يتوفر فيها الطين إنما يتوفر فيها الحجر،  وفعلا استخدم حسن فتحي الحجر في بناء هذا المنزل الذي يقع على الطريق الموصل إلى هرم سقارة ويطل على الأهرامات،  ولم يتوقف استخدام الحجر في بناء الحوائط بل أيضاً في بناء القباب التي استعمل فيها نفس النظام المتبع في البناء بالطين.
وفي الستينات ( 1963 ) استمرت هذه المحاولات الجادة التي بدأها حسن فتحي فكانت قرية باريز بالوادي الجديد،  وباريز واحد في الصحراء الغربية على بعد 6 كيلو مترات من مدينة الخارجة عاصمة الوادي الجديد لإقامة مجتمع جديد في هذه المنطقة.  كانت هناك باريز قديمة قائمة ولكن مصلحة تنمية الصحراء قررت في عام 1963 بناء باريز جديدة حول بئر ماء اكتشف حديثا ويبعد 6كم شمال باريز القديمة،  وهذا البئر قادر على ري ألف فدان،  مما يعنى أن باريز الجديدة يمكن أن تشمل ستة قرى صغيرة في دائرة نصف قطرها أربعون كيلو مترا.
ويرى حسن فتحي أن أفضل طريقة لتسكين القرى الجديدة هي تشجيع مجموعات من الأسر في المجتمعات التي تعاني من زيادة عدد سكانها على الانتقال إلى القرى الجديدة مع ملاحظة أن تكون هذه المجموعات متوازنة من نواحي السن والجنس والعادات والتقاليد والثقافة والمهنة،  حتى يتسنى لهم المحافظة على الروابط الاجتماعية في المجتمع الجديد.
وقد ارتبطت طرق البناء وأساليبه والمواد المستعملة في قرية باريز بما يحيطها من بيئة وقربها من البجوات وهي مستعمرة من 250 ساكنا بها كنيسة ومقابر ترجع إلى  القرن الرابع حيث بنيت على أيدي المسيحيين الهاربين من تعذيب الرومان الذين بوصولهم إلى هذا المكان النائي انقطعت صلتهم بالمدينة.  وقاموا ببناء مساكنهم بالحجارة دون استخدام مواد مصنعة أو مواصلات أو حتى أدوات ، معتمدين فقط على أيديهم وعقولهم والأساليب القديمة في البناء وصناعة الطوب ويصف حسن فتحي هذه المنازل بأنها اليوم شاهد إثبات على مجتمع على درجة عالية من الحنكة والرقي سواء على المستوى الهندسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي وقد ظلت هذه المنازل لمدة ستة عشر قرنا في الصحراء غير مطروقة للمعماريين،  وقد حان الوقت للاستفادة من منجزات هؤلاء الرواد.  وقد استفاد حسن فتحي من هذه التجربة واستعمل نفس طريقة التسقيف المستعملة في البجوات وهذه الطريقة من البناء تتبع نظاما تعاونيا في البناء دون استعمال النقدية فيه ومثلها مثل قرية الجناح الجديدة،  فقد أتبع أهلها نظاما تعاونيا تنعدم فيه التبادلات المالية.  ومن هنا بدأت فكرة حسن فتحي في البناء للفقراء أنه على المعماري إذا أراد أن يبنى للفقراء فأنه يجب أن يتفهم مزايا النظام التعاوني الذي يمكن أن يحل مشكلات فردية داخل المجتمع دون الحاجة إلى الاعتبارات المادية التي تشكل مشكلة حتمية.
وقد راعى حسن فتحي استخدام الخامات المتاحة والغير مصنعة في بناء القرية الجديدة حيث توفرت هناك الطفلة التي بنيت فيها القرية وأثبتت نجاحها بل تعتبر باريز من أنجح الأمثلة لأسلوب حسن فتحي في البناء.
وبذلك نرى أن المهندس حسن فتحي يمثل جيلا من الرواد في مصر،  ففي اللحظة التي خرج فيها هذا الجيل كان التعليم المعماري والعمارة في أيدي أجانب بصفة أساسية من إيطاليا وإنجلترا،  لذلك نجد أن معظم المنشآت التي بنيت في القاهرة في هذه الفترة لها طابع كلاسيكي مأخوذ من الطراز الروماني وطراز عصر النهضة ،  وكان ذلك قبل الحرب العظمى الأولى،  بدأت بعدها تظهر في أوروبا تيارات العمارة الحديثة والاتجاهات الوظيفية والعمارة العضوية وكانت اتجاهات مبنية بصفة أساسية على التفكير والبحث العلمي والفلسفة،  ومحاولة الخروج من تفاصيل العمارة الكلاسيكية التي كانت في صورة قوالب ووصفات تقليدية وقد نقلت هذه الأفكار بدون محاولة ربطها بالبيئة الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية المحلية في مصر وكان الأستاذ حسن فتحي متابع لكل هذه الاتجاهات الجديدة في العالم،  فهو من أكثر المعماريين ثقافة وأوسعهم علما ولذلك فقد تبلور ذهنه وأحاسيسه بالنسبة لبلدة مصر فاستطاع أن يحدد طريقة مبكرا ولم يبالغ في إعجابه بالاندفاع في التيارات الفكرية والفنية والثقافية المستوردة كما فعل الكثير من معماري عصره،  بل أكد على ضرورة الرجوع للمنبع والاهتمام بالأصالة،  وهو في هذا المجال لا يدعي أنه ابتدع فكرا جديدا وإنما يقول إنه يقيم التراث ويجعله متصلا بالحاضر.
وقد لاحظ المهندس حسن فتحي وجود الأصالة في ا لنوبة بحكم عزلتها الجغرافية،  تلك الأصالة التي بدأ الوجه  البحري يفقدها،  وأحس بالقيم الموجودة في هذا المجتمع فهو لا يتصور أن هناك فاصلا بين المعماري وبين الشخص الذي يبنى له ،  وهذا الأمر هو الذي جعله يرتبط بعمارة الفقراء ويكتب كتبه المشهورة " البناء مع الشعب "  و" عمارة الفقراء "  حتى أصبح على المستوى العالمي المدافع الأول عن عمارة الفقراء وهو يثبت من خلال إحصائيات منظمات الصحة العالمية والغذاء العالمي واليونسكو أن العالم إلى الآن لم يحل مشاكل الإسكان بالنسبة للطبقة المحتاجة وأن الحكومات تعجز بكل إمكانياتها عن أن توفر مسكن لكل مواطن بدون تعاون المواطن شخصيا ومساهمته بمجهوده وبفكرة لحل هذه المشكلة.
ومن معماري هذه الفترة أيضا المهندس / رمسيس ويصا واصف ،  والذي كان ينهج نفس منهاج حسن فتحي ومن أشهر أعماله مدرسة الفنون بالحرانية وبعض الكنائس بالقاهرة.  كذلك من تلاميذ حسن فتحي المهندس حامد الوكيل والذي عمل بعض الأعمال مثل بيت حلاوة بالعجمي والذي استعمل فيه الحجر وهي المادة المتوفرة هناك.

 

المزيد من الصور فى الملفات المرفقه للتحميل

2
1

 

 

جدول تجميعى لجميع كتابات الدكتور/ عبد الباقى
حقوق الملكية و النشر


عن المركز :: نطاق الخدمات :: مشروعات المركز :: الدورات التدريبية :: الأنشطة الثقافية :: مجلة عالم البناء
أخبار المركز ::خريطة الموقع :: إتصل بنا
English