الأجراس تدق .. ومالطة تؤذن

الأجراس تدق .. ومالطة تؤذن2019-12-01T08:58:03+02:00

الأجراس تدق .. ومالطة تؤذن

  دكتور عبد الباقي إبراهيم

   رئيس مركز الدراسات التخطيطية والمعمارية

    وكبير خبراء الأمم المتحدة في التنمية العمرانية

  وأستاذ التخطيط ورئيس قسم العمارة بجامعة عين شمس

 

جريدة الأخبار- 7  يونيه 1994

 

المشاهد في السنوات الأخيرة أن هناك تزايدا مستمرا في الندوات والمؤتمرات في كافة المهن والتخصصات لمناقشة مختلف القضايا والموضوعات. وقد ينحصر بعضها في عرض بحوث محددة لتحقيق هدف محدد تسعي إليه جهة معينة وهنا تنتقل التوصيات والقرارات مباشرة من قاعات الندوات أو المؤتمر إلي جهة الاختصاص وصاحب القرار دون وسيط أو كفيل.

ولكن عندما تتشعب عناصر الموضوعات دون تحديد للهدف المعين الذي نسعى إليه بالندوة أو المؤتمر لمعاونة جهة معينة في معالجة مشكلة معينة، فإن البحوث في هذه الحالة تتأثر وتتشعب و لا تجد من يجمعها ليستخلص المفيد منها وتوجيهها إلي جهة الاختصاص التي لا وجود لها في مثل هذه الندوات والمؤتمرات التي كثيرا ما تخرج عنها توصيات وقرارات لا تتعدى ما يجب وما ينبغي وما لابد وما لا يوصي به دون تحديد للأسلوب العلمي أو الواقعي لتحقيق هذه التوصيات.

وهنا تتجه الأنظار إلي المؤسسات والمنظمات والهيئات ومدى قدرتها علي استعمال هذه التوصيات أو استيعابها أو دراستها أو تطبيقها أو الإفادة منها بأي وسيلة من الوسائل. وتنتهي التوصيات إلي مثواها الأخير وتمر هذه الندوات وهذه المؤتمرات وكأنها مناسبات اجتماعية يلتقي فيها الأصحاب والخلان علي مدى يوم أو يومين.

أما الهيئات المستفيدة من الموضوعات فهي عادة ما تكون في سبات عميق لا تدرى عن الأمر شيئا، وإن عرفت فلا تشارك، وإن شاركت استمعت، وإن استمعت أفاضت لتدعي أن عندها كل الخطوط والمعلومات وترى ألا ينازعها فيه أحد، وقد تخرج نفسها من كل الأمور بوصفها عبد المأمور وهنا تتكرر ظاهرة الانفصال الشبكي بين مراكز البحوث وجهات الاختصاص والتنفيذ وهكذا تعقد المؤتمرات تلو الندوات والندوات تلو المؤتمرات وتصدر عنها التوصيات والقرارات وتنتهي الموالد والذكريات، وهكذا تدق الأجراس دون سميع يجيب اللهم إلا إذا التقطها بعض السيارة بمحض الصدفة.

أما علي المدى اليومي أو الأسبوعي فيعجب الإنسان لما ينشر علي الصفحات في الجرائد والمجلات من كلمات ومقالات منها ما يقدم الفكر باحتراس ومنها ما يدق الأجراس… دون سميع أو مجيب… اللهم إلا إذا كان نقدا خفيفا أو ثقيلا. عندما تبادر أجهزة العلاقات العامة في الرد ودحض النقد… وكأنها حرب ضروس سوف تقطع فيها الرؤوس… وإن دل ذلك علي شيء فإنما يدل علي ضعف النفوس وعدم القدرة علي استيعاب الدروس.

فلم إذن تدق الأجراس؟ هل هناك في الأجهزة المعنية من يقرأ البحوث ويستخلص منها المفيد ليعرضها علي أصحاب الشأن والقرار؟…

وهل هناك في أروقة الدولة من يقرأ المقالات ليستشف منها ما يساعد علي الارتقاء بالأداء؟…

وإذا كان لدى مصر هذا الكم الكبير من الخبراء والعلماء… تجدهم يملأ ون المقاعد في المجالس القومية وإذا كان لدى مصر هذا الكم الكبير من الأساتذة والباحثين نجدهم يشاركون في الندوات والمؤتمرات. وإذا كان لدى مصر هذه الثروة الكبيرة فلماذا لا نجد لها أثر في الارتقاء بمرافق الحياة؟ فالتعليم الجامعي في حكم الجميع في الداخل والخارج وبكل صراحة ووضوح يهبط مستواه في دولة تريد أن تدخل القرن الواحد والعشرين بالفكر والبحث العلمي.

وإذا كان لدى مصر هذا الكم من الباحثين والعلماء فأين آثارهم في تنمية المجتمعات والصناعات ناهيك عن الزراعات فلديها أجهزتها البحثية المجاهدة؟

وإذا كان لدى مصر هذا الكم من المهندسين والمعماريين فلماذا هذا التدني في العمارة والتعمير. مع أنهم يستعملون نفس المواد كغيرهم من الدول التي تتقدم.

هل كل ذلك جاء نتيجة للنظام الشمولي الذي طوق العقول. وكتم الأنفاس وأمات الانتماء؟ أم هو نتيجة للتحول من هذا النظام الشمولي إلي النظام الديمقراطي والذي لم يستكمل كل ملامحه بعد؟

وإذا كانت حرية الرأي قد اتسعت وتأكدت فلماذا لا تجد الكلمات طريقها إلي أصحاب الشأن والقرار، لقد تفاقمت العشوائيات وتداعت الزراعات أمام الزحف العمراني عليها من جميع الجهات لا يصدها قانون ولا توقفها قرارات وتراكمت العمارات التي تسكنها الأشباح.؟ في المدن الجديدة القريبة والبعيدة ومدت الطرق بالكيلومترات تشق الأرضي الزراعية وتجذب علي جوانبها العمران الذي يمسح اللون الأخضر.

ويجرى أصحاب المصالح لأصحاب الشأن والقرار لأخذ الموافقات علي التماسات والطلبات وكأنه لا توجد في الدولة إدارات إلا في قاعة مجلس الشعب. وكل يخرج حاملا ما يمكن حمله وما خف وزنه. وإذا لجأت إلي أصحاب الشأن والقرار تراهم بلا حل أو ربط والكل ينتظر التعليمات والتوجيهات.

وإذا كان الأمر كذلك فلماذا كل هذه الكلمات والمقالات ولماذا كل هذه الندوات والمؤتمرات… فليس بعد كل ذلك إلا الركون للراحة في وادي الراحة… وإذا كان ذلك يمكن أن يرتضيه الرجال فلا يجب أن يقبله الشباب ولن يقبله وإذا كانت الظروف المحيطة به يلفها الضباب الذي ينتظر الرياح… رياح الأمل في مستقبل أفضل. ولا يزال السؤال قائما . دائما وهو الأساس لمن تدق الأجراس..؟

في هذا الخضم من المقارنات تختفي القدوة الحسنة من الساحة، ويزداد الشباب ابتعادا عن مواجهة الواقع والحقيقة، واقتحام كل السبل للعمل والإنتاج، والاعتماد علي النفس في الأداء. فطالب الجامعة يعيش يشاهد حوله أساتذة لا يحرصون علي أداء الواجب ويتناحرون ويتخاصمون وتصل سلوكياتهم إلي أقسام الشرطة والمحاكم. والعامل في الإدارة أو الوزارة يري كيف يقوم المدير أو الوزير الجديد ويبدأ عمله بتغيير مكتب سفله ويعيد صياغته بأحدث التجهيزات والديكورات مع الموسيقي الخفيفة منفقا علي ذلك الملايين والعاملون معه لا يستطيعون استعمال دورات المياه التي يأنف منها الحيوان قبل الإنسان.

وهكذا يظهر التناقض الشديد بين بيئة الكبير وبيئة الصغير. ويظهر هذا التباين في معظم المؤسسات الرسمية والعامة، كما يظهر في شوارع الرؤساء والوزارات وشوارع العامة والفقراء… وبالغرم من مقالات التحذير وما بها من محاذير… من أحزمة الفقر التي تلتف بالمدن الكبرى… وبالرغم من كثرة المقالات التي حذرت من الامتدادات العمرانية التي تلتهم الأراضي الزراعية، وبالرغم من الدعوة إلي التكامل بين برامج التنمية الاقتصادية والتنمية الاجتماعية والتنمية العمرانية في الاستراتيجية القومية إلا أن كل ذلك لم يدخل بعد دائرة اهتمام أصحاب الشأن والقرار وتجمد الإحساس… ويبقي السؤال: لمن تدق الأجراس…..؟

يرجع هذا التباعد بين معطيات البحث أو المقال أو الكلمة التي تلقي في الهواء والمتلقي من أصحاب الشأن ومتخذي القرار إلي غياب المشروع القومي الذي يلتف حوله المجتمع بكل فئاته، يشارك فيه الطفل في المدرسة والطالب في الجامعة والعامل في المصنع والموظف في العمل والفلاح في الحقل… موضوعات مطروحة علي كل الفئات للمناقشة في الفصل والمصنع ومقر العمل وعلي الشاشة الصغيرة التي تعرض لكل الأفكار بما فيها من تناقضات واختلافات… وليس علي غرار تمثيلية البرلمان الصغير.

يجتمع الجميع حول قضية واحدة… قضية التنمية أو قضية التعليم أو قضية السياحة أو قضية الإدارة أو قضية الإنتاج أو قضية الأمن أو قضية الثقافة دون خوف أو حساسية خاصة من أصحاب الشأن ومتخذي القرار الذين يستمدون من مناصبهم العبقرية والذكاء الخارق الذي لم يصل إليه أحد من بعد أو من قبل وما أن يتركوا أماكنهم حتى يجدوا أنفسهم عاجزين عن الحركة أو التصرف بعد ما كانوا يعتمدون علي التوجيهات والإرشادات… إن الالتفاف حول المشروع القومي الواحد هو الأساس بعد أن عرف لمن تدق الأجراس.

 

word
pdf