الأستاذ محمد زايد – جريدة الأهرام – القاهرة

الأستاذ محمد زايد – جريدة الأهرام – القاهرة2019-12-11T12:36:21+02:00

الأستاذ محمد زايد – جريدة الأهرام – القاهرة

دكتور عبد الباقي ابراهيم

أستاذ التخطيط العمراني بجامعة عين شمس 


رئيس مركز الدراسات التخطيطية والمعمارية

رئيس تحرير مجلة عالم البناء

كبير خبراء الأمم المتحدة – سابقا 

 

القاهرة فى 23/1/1985

 

تحية طيبة …. وبعد …

تابعت باهتمام الدراسة التي قدمتموها عن “تصور” السيد وزير التعمير والدولة للأسكان واستصلاح الأراضي الذي طرحه طالبا لكل الآراء والمقترحات حوله.
والغريب أن هذا التصور جاء بعد سنوات عديدة تم فيها علي يد السيد الوزير العديد من مشروعات الإسكان والاستيطان دون أن يبدأه بتقييم للتجارب التي خاضها في هذا المجال.. فالتقييم و المسائلة الموضوعية هي أساس للتقدم والتطور ثم التصور ومن الغريب أيضا أن يأتي هذا التصور بعد ثلاث سنوات من وضع السياسة القومية للإسكان والتي حددت الأهداف كما حددت الأساليب لتحقيقها و التي لا تبعد كثيرا عن التصور الذي يطرحة السيد الوزير الآن وربما تفوقها تفصيلا وشمولا. فقد اشترك في وضع السياسة القومية للإسكان حوالي مائة من الخبراء والمتخصصين… و كان الأجدى أن تنتقل السياسة القوميه للإسكان إلي برامج تنفيذية بدلا من عرض تصورات تكررت كثيرا في برامج الوزارات المتتابعة وإن دل ذلك علي شئ فإنما يدل علي عدم الإستقرار في الفكر أو الاستمرار في الدراسة والتقييم والتطوير الأمر الذي يحتاج الي تطوير شامل لأجهزة الاسكان لتكون قادرة علي الاضطلاع بهذه المسئولية والاستمرار فيها مهما تغيرت الوزارات و بحيث لا تصبح هذه الأجهزة مجرد أداة لتنفيذ آراء كل وزير جديد… تنتظر تعليماته وتوجيهاته خاصة ممن لم تتاح له فرصة العمل العمراني أو التخطيطي في هذا المجال.
إن ما تعانيه الدولة أن كل من أجهزتها التنفيذية تضع لنفسها الخطط القومية والإقليمية والمحلية وتدعي أنها تقوم بذلك فى ظل التطور المنتظر للقطاعات الأخرى. الأمر الذي تظهر معه الإذدواجية والتناقض  في الدراسات والخطط التي تقوم بها كل وزارة مع ما تقوم بها الوزارات الأخرى.. ويصبح دور وزارة التخطيط هنا هو تجميع خطط الوزارات ومراجعتها في ظل النسب المسموح بها من الاستثمارت علي المستوى القومي.. وهكذا فإن الدراسة التي تقوم بها وزارة التعمير والدولة للاسكان واستصلاح الأراضي لإعادة توزيع سكان الحضر وفقا لمستقبل التطور الاقتصادى المنتظر كما جاء في ( أولا ) من تصور السيد الوزير يتطلب دراسة التطور الصناعي والزراعي والسياحي المنتظر علي مستوى الدولة وهذا ما لا يمكن أن تقوم به وزارة واحدة أو شركة استشارية أجنبية مهما كانت قوتها وخبرتها وحجمها.. وأقرب شيئ الي تفسير ذلك أن الدراسة المقترحة هي لإعادة توزيع سكان الحضر الذين يمثلون 40? من سكان مصر دون اعادة توزيع سكان الريف كجزء أساسي من المشكلة.. تنبثق عنه مشكلة الاسكان الريفي الذي أهمله  تصور السيد الوزير لحل المشكلة كما أن ما يدعواليه التصور من تنميط لمشغولات النجارة يرتبط أصلا بصناعة الأخشاب في مصر سواء للاسكان أو لغير الاسكان وهو ما يدخل في اطار سياسة الصناعة علي المستوى القومي مثله مثل صناعة الأسمنت ومواد البناء الأخرى و غيرهما من الصناعات المتكاملة. والغريب في تصور سيادة الوزير أن الدراسة التي يقوم بها لإعادة توزيع سكان الحضر.. تجيئ بعد دراسة التخطيط الإقليمي للساحل الشمالي ومنطقة البحر الأحمر الذي قامت به وزارته وبعد دراسة التخطيط الإقليمي لجنوب مصر الذي تقوم به وزارة التخطيط.. حتي التخطيط علي هذا المستوى الأقليمي موزع بين أجهزة مختلفة ليس بينها أى تنسيق ولن ينقذ الأجهزة الحكومية في هذا الشأن إلا إنشاء الجهاز المركزى للتخطيط الذي يضم كل الكفاءات التخطيطية في النواحي الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية لتنبثق عنه الخطط القطاعية علي كل المستويات القومية والاقليمية والمحلية.. ويقتصر دور الوزارات علي التنفيذ بعد وضع البرامج التنفيذية للمشروعات ومتابعتها بواسطة شركاتها أو مؤسساتها.

إن تطوير التصميمات كما يتصورها السيد الوزير لا تقتصر فقط علي “التنميط” كمفهوم عام ولكنه يتضمن جوانب أخرى عديدة لايدركها إلا المتخصصون ترتبط بأساليب الإنشاء وتوفر مواد البناء والسلوك المعيشي للمستويات المختلفة للسكان اقتصاديا وثقافيا مع عوامل المتانة وقوة التحمل والعمر الافتراضي وغير ذلك من العوامل العديدة.. الأمر يدخل في نطاق عمل مركز بحوث البناء والإسكان و التخطيط الذي مر علي انشاؤه أكثر من عشرين عاما… كان يمكنه فيها تطوير الصورة الحضارية للمدن القديمة والجديدة.. فإن الأنماط التي تبني الآن في المدن الجديدة هي تكرار لأنماط أنشأت وثبت عدم صلاحيتها و الشاهد علي ذلك المساكن الشعبية التي تبني لتصبح أطلالا بعد وقت قليل لتضيف أعباء أكثر علي المشكلة…

يقول  “تصور” السيد الوزير أنه لتدبير الأراضي للإسكان ينبغي قصر أي امتداد عمراني جديد علي المناطق الصحراوية و الأراضي البور غير الصالحة للزراعة . والتساؤل هنا أين هذا من الواقع وأن الغالبية العظمي من المدن والقرى تقع في قلب الرقعة الزراعية بل وتمتد عليها يوميا لتستقطع آلاف الأفدنة الزراعية بالرغم من كل القوانين واللوائح.. فالدولة تبني مصانعها وجامعاتها علي الأراضي الزراعية فإن كان هذا من واقعية هذا “التصور” فإن الأمر يتطلب تفريغ الدلتا من كل نشاط لا يرتبط بالتنمية الزراعية وهذا أمر لا يتطرق اليه إلا المتخصصون في التنمية الأقليمية وفي اطار الاستراتيجية العمرانية التي أصبحت محددة الآن. وهذا هو المدخل لإعادة توزيع السكان مع امكانيات التنمية الصناعية والزراعية والسياحية في مناطق الامتداد الطبيعي للجزء المعمور من مصر أو في مناطق التنمية العمرانية بعيدا عنها.

أما القول بأن تتحمل الأراضي المخصصة للسياحة والإسكان الفاخر والإدارى جزءا من الأعباء التي تتحملها أراضي الاسكان والاقتصادى بالذات. فهو تصور ظهر في مدينة 6 أكتوبر… فكيف يكون ذلك تصورا عاما لحل مشكلة تدبير الأراضي للاسكان علي مستوى الدولة. إن توفير الأراضي الصالحة للاسكان يحتاج الي تصور أعمق يتضمن دراسات موضعية للمناطق المتهدمة وما يرتبط بذلك من تحديد الكثافات السكانية التي تتحملها علي أساس المعايير التخطيطية الواقعية التي تتناسب مع القطاعات المختلفة للسكان وهذا مالم تصدر عنه أى دراسات بعد من أجهزة بحوث الوزارة. وهكذا نجد أيضا أن ما قيل من تصور لتوفير المرافق وزيادة المرافق الحالية وترشيد استخدامات المياه وعدم صرف أية مخلفات سائلة قبل تنقيتها تنقية كاملة هو كلام معاد. ومن السهل وضع العديد من التصورات ولكن المهم هو بناء هذه التصورات علي أساس من الواقعية وامكانية التنفيذ سواء عن طريق البحوث النوعية وامكانية نشر نتائجها وتطبيقها علي نطاق تجريبي ثم علي النطاق العام.

أما ما قيل عن تدبير التمويل اللازم أو توفير مواد البناء أو تنمية قطاع التشييد من تصور فهو في الواقع عرض لإنجازات الوزارة في المرحلة الحالية. بالإضافة الي خططها لتدبير العمالة الفنية وتنسيق المهام والتشريعات وهو تكرار لبرامج الوزارة المتتابعة في هذا المجال وليس فيها من جديد.

والاسكان بعد كل ذلك ليس فقط بناء وحدات سكنية بقدر ما هو بناء اجتماعي يتوائم مع البناء العمراني. من هنا فإن الاسكان لاينتهي بإنتهاء تشييد الوحدات السكنية بل لابد له من رعاية اجتماعية وتنظيمية وإدارية وهندسية.. سواء في المجتمعات الجديدة أو في تطوير المجتمعات القائمة سكانا واسكانا وهنا تظهر أهمية المشاركة في البناء والتأثيث سواء بالنسبة للاسكان الاقتصادى أو المتوسط.. وذلك بتوجيه جزء من المدخرات الخاصة الي بناء قشرة الوحدة السكنية وتوجيه المدخرات المستقبلة الي استكمال تجهيزها وتنظيمها تحت الرعاية الإجتماعية والهندسية المستمرة.

فمشكلة الإسكان هنا لا تخضع لتصورات أو اجتهادات مستمرة من الخبرة والممارسة بقدر ما هو مشكلة متحركة تتفاعل فيها الجوانب التخطيطية والمعمارية والاقتصادية والاجتماعية والتشريعية والتنظيمية والإدارية والصناعية ويتم التعامل معها علي المستويات القومية والإقليمية والمحلية والتفصيلية وتغذيها نتائج البحوث والدراسات الاخصائية والنوعية. فتنظيم الأجهزة التي تتعامل مع المشكلة واستقرارها واستمرارها أهم كثيرا من التصورات التي تصدر عن المسئولين بين فترة وأخرى.

word
pdf