الاختيار الأفضل وبلا حساسية

الاختيار الأفضل وبلا حساسية

01

الاختيار الأفضل وبلا حساسية

دكتور عبد الباقي إبراهيم

جريدة الأخبار – في 8 يونيو 1999

 

 

نادراً ما يجود الدهر بشخصية لها دورها البارز في التطور العلمي و الثقافي على مستوى العالم، شخصية مثل أمنحتب المتعدد المواهب والمهن أو مايكل أنجلو الفنان والمعماري أو أينشتين أبو النسبية أو شكسبير الشاعر العالم، أو بيتهوفن الموسيقار الأصم أو مدام كوري رائدة الاكتشافات العلمية أو طه حسين الأديب فاقد البصر أو العقاد الفيلسوف العصامي، أو نجيب محفوظ أديب نوبل أو عبد الوهاب الموسيقار المجدد أو أم كلثوم قيثارة الشرق أو شخصية مثل ابن سينا رائد أطباء العالم أو الرازي أو الترمذي أو البخاري .. وغيرهم وغيرهم ممن تمتلئ بأسمائهم الكتب والمعاجم وتركوا علامات مضيئة في تاريخ الإنسانية، سواء أكانوا من أهل المشرق أقصاه أو أدناه أو أهل المغرب شماله وجنوبه .. من أعلام الفكر والعلم والثقافة والأدب. وفي هذه السلسلة من أعلام العالم نبتت من أرض مصر ظاهرة فريدة في تكوينها موسوعة في علمها وفكرها وأدبها وثقافتها، تعيد إلى الأذهان الموسوعة الفنية والعلمية والثقافية لأمنحتب ومن جاءوا بعده من عمالقة العلوم والفنون والآداب والاقتصاد. هذه الظاهرة بدأت بإتقان علوم العمارة والعمران وانتقلت إلى إتقان علوم التخطيط والاقتصاد ثم دخلت وتفوقت في مجال البيئة والتنمية المستدامة كما أبدعت في الثقافة والتربية والتعليم – فجمعت وأوعت ووصلت إلى ما لم يصل إليه رواد العلم الأوائل الذين تركوا خطوطهم العريضة على صفحات التاريخ، هذه شخصية مصرية المنشأ عربية الأصل إسلامية العقيدة عالمية المعرفة والانتماء، إنها قمة ولكن لا تزال مطموسة تحت أرض مصر.. لم يعرف عنها إلا القليل مع أن اسمها يتردد في المحافل الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية في كل أرجاء المعمورة.. كرمتها العديد من الجامعات الأوربية والآسيوية والإفريقية والأمريكية ولم تتعرف عليها حتى الآن أي جامعة مصرية أو عربية، هذه الشخصية بهذا التكوين العلمي والثقافي هي بلا شك الأنسب لقيادة منظمة اليونسكو في بداية الألفية الثالثة. وقيادة اليونسكو ليست بالخبرات السياسية كما في منظمة الأمم المتحدة حتى يكون التمثيل فيها للأقاليم أو القارات أو المنظمات ولكنها بالخبرات في  تطوير ونشر العلم والمعرفة في الثقافة والعلوم والتربية وما يترتب على ذلك من ارتقاء بحياة الفرد والجماعة اقتصادياً واجتماعياً خاصة في المجتمعات الفقيرة حتى تضيق الفجوة الحضارية بين الطبقات في العالم. إن مواجهة تحديات القرن الواحد والعشرين بكل أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية يؤكد بالضرورة الارتباط الوثيق بين الثقافة والعلوم والتربية من جانب بالاقتصاد والتنمية البشرية من جانب آخر، فهذا الجمع المعرفي بين الثقافة والاقتصاد والتنمية هو المؤهل الأمثل لمن يتولى قيادة اليونسكو في بداية القرن الواحد والعشرين. والأمر هنا لا ينطبق عليه مبدأ التمثيل الجغرافي أو الإقليمي كما لا ينطبق عليه مبدأ التبعية إذا كان المرشح من الشرق أو من الغرب أو من الشمال أو من الجنوب ولكن الأهم من كل ذلك هو المؤهلات الموسعية التي تستطيع أن تتصدى لنشر المعرفة والثقافة في أبعادها الاقتصادية والتنموية بهدف خدمة الإنسانية ومحاربة الفقر وأمراض البيئة في إطار التنمية المستدامة. هذه المؤهلات لا تنطبق إلا على شخص الدكتور إسماعيل سراج الدين نائب رئيس البنك الدولي لشئون البيئة والتنمية المستدامة حالياً وصاحب التفوق والإبداع في المجالات الثقافية والعلمية والتربوية على مستوى دول العالم شرقه وغربه شماله وجنوبه ، والذي عمل على  دفع المجتمعات المدنية لممارسة حقوقها الشرعية والإنسانية وساعد المنظمات غير الحكومية في الأنشطة الثقافية والتنموية . ودكتور إسماعيل سراج الدين بذلك يصبح الوحيد المرشح من المجتمعات المدنية في العالم بالإضافة إلى ترشيحه الرسمي الذي تقدمت به دولة بوركينافاسو ممثلة للأقطار الإفريقية ، واليونسكو كغيرها من المنظمات الدولية المتخصصة لا يهمها التمثيل الإقليمي لرياستها ولكن يهمها الكفاءة في المقام الأول وذلك بشهادة علماء العالم الذين اجتمعوا في باريس لتأييد الدكتور إسماعيل سراج الدين لهذا المنصب الأمر الذي لم يتوفر لأي مرشح آخر وإن كانوا جميعهم من الشخصيات المرموقة كل في تخصصه، وإذا كانت الصحف المصرية قد تجاهلت التأييد الشعبي للدكتور إسماعيل سراج الدين اللهم إلا من بعض المقالات من كبار الكتاب المثقفين.. فربما يكون ذلك راجع إلى الحرج الذي وقعت فيه مصر لوجود مرشح عربي آخر.. إلا أنه لا حرج في الحق واختيار الأحق، فالعرب عندما يتبارون في حلقة السباق الدولية لابد لهم من اختيار أفضل لاعبيهم دون النظر إلى الدولة التي ينتمون إليها  حتى لا يخسروا السباق، بل ربما يختارون الأفضل لهم عالمياً حتى ولو كان من موزمبيق – مع تمنيات المجتمع المدني بمصر للدكتور إسماعيل سراج الدين بالتوفيق ليس لذاته أو لشخصه ولكن للقيم والتطلعات الحضارية التي يدعو إليها ولما فيه صالح الإنسانية قاطبة.

word
pdf