الاشباح والجان وقانون الاسكان

الاشباح والجان وقانون الاسكان

01

الاشباح والجان وقانون الاسكان

 د. عبد الباقي إبراهيم 

 

 

الأهرام الاقتصادى 10/2/1992

 

 المستفيد الاول من قانون الاسكان خاصة فيما يرتبط بالعلاقة بين المالك والمستأجر هم الاشباح الذين يسكنون الوحدات السكنية الخالية فى المدن الجديدة والقديمة على حد سواء … ولو انهم أسعد حالا فى المدن الجديدة حيث لا يخشون من أن مساكنهم سوف يقيم فيها أحد من بنى آدم فى القريب العاجل أو الآجل . وهم فى مواطنهم الجديدة ينعمون بالمساحات الواسعة والهواء النقى الذى لا غبار فيه ولا تلوث من عوادم السيارات التى لا وجود لها … كما ينعمون بالهدوء والسكينة خاصة بعد أن يغادر العمال والمواطنون مصانعهم ومصالحهم ويسافرون الى مساكنهم القديمة فى المدن المزدحمة حيث الايجارات القليلة التى ورثوها بعد الثورة المباركة. 

والاشباح فى المدن الجديدة لذلك ينامون طول النهار وقت عمل العمال ويستيقظون طول الليل يسرحون ويمرحون فى أمن وأمان لا حاجة لهم لدرك أو حراسة والاشباح لذلك يسعدهم أن تستمر لجان الاسكان فى المجالس التشريعية والتنفيذية والحزبية فى مناقشة موضوع العلاقة بين المالك والمستأجر الى الأبد دون الوصول الى حل وذلك بعد مضى أكثر من خمس سنوات فى هذه المناقشات ويظهر أن للاشباح مندوبين فى هذه اللجان يتحدثون بلسانهم ويوفرون رغباتهم … فهناك علاقة حميمة بين الاشباح والجان التى تتكون منها هذه اللجان وكلاهما من المخلوقات التى لا تسمع ولا ترى ولا يشم لها رائحة ان تجدهم يجلسون على المقاعد تحسبهم قوارير وماهم بقوارير فالأمور أمامهم تسير كما تسير والاشباح فى المناطق السكنية الجديدة ينعمون بكل الاستثمارات التى أنفقت عليها وعلى النقيض نجد بنى آدم وقد احتلوا ببضاعتهم الارصفة والميادين وتزاحموا فى المساكن والدواوين ويملؤون وسائل النقل الخاص والعام كما ضاقت بهم الفصول فى المدارس وامتلأت بهم المستشفيات وأقسام البوليس كل ذلك والاشباح ينعمون بما قدمه لهم بنو ادم من مبان خاوية فى المدن النائية ومندوبوهم من الجان لا يزالون يحسبون الحسبة مرة من المنطلق الاقتصادى ومرة أخرى من منطلق الامن الاجتماعى ويقدمون الاقتراحات لزيادة الايجارات ثم يتراجعون خوفا من السلبيات فالاسعار أمامهم تزيد والمرتبات لا تزيد كما يسعى الى ذلك معهم الاصلاح الاقتصادى. هذا فى الوقت الذى تئن فيه الفئات المطحونة من حمل الاعباء الثقيلة والفئات الغنية من حمل الملايين ، والاشباح لا يدينون  بالاسلام فهم يرون أن العقد بين المالك والمستأجر لابد وأن يورث ويبقى على ما هو عليه ويرون أن الايجارات القديمة تبقى على حالها واذا زادت تزيد بنسبة طفيفة لا تساعد على هجرة السكان من المدن القديمة الى المدن والمناطق الجديدة والا فقدت الاشباح مساكنها المغلقة. كما يرون ضرورة الابقاء على لجان تقدير الايجارات ويرحبون بمخالفات قانون المبانى حتى تزيد الكثافات السكنية فى المدن القديمة الاشباح يسعدون بفصول الخريف والشتاء والربيع حيث يرتعون ويمرحون فى قرى الساحل الشمالى وشقق المصيف ينعمون بالمليارات التى أنفقها بنو آدم على مساكنهم بالعشرات فى غرف ، لا ترى النور ، وتزحف فيه آلاف الوحدات السكنية العشوائية تقتطع قوت الملايين من الأرض الزراعية بآلاف الفدادين … ومندوبو الاشباح من الجان يجتمعون فى اللجان بحثا عن الصيغة المناسبة للعلاقة بين المالك والمستأجر دون الوصول الى نتيجة قد تعكر صفو الاشباح فى المساكن المهجورة فى مناطق التعمير الجديدة أو قد تزيد من ايجارات المساكن القديمة لتكون عامل طرد من المدن المزدحمة أو قد تخفض من ايجارات المساكن الجديدة لتكون عامل جذب الى المدن الجديدة. 

هذا هو موقف الاشباح من مشروع قانون الاسكان وهذا هو موقف مندوبوهم من الجان الذين ينعمون بكثرة القضايا والخناق بين الملاك والمستأجرين . لقد تراكمت قوانين الاسكان وتداخلت وتعقدت الى الدرجة التى عجز فيها البنى آدم عن حلها ، الامر الذى أسعد الاشباح لتنام وترتاح ، والاشباح يسعدهم أيضا أن تجد الدولة وهى فى المدن القديمة تعطى التراخيص لفتح المحلات وبناء المجمعات وانشاء البنوك والادارات وتمدها بالمرافق والخدمات وتوفر لها العديد من وسائل المواصلات وذلك حتى لا يكون لبنى آدم حجة فى الهجرة الى مناطق التعمير الجديدة وهكذا تشير الاشباح الى مندوبيهم من الجان فى اللجان لرفع الشعارات التى تظهرهم كحريصين على خدمة المواطنين وحتى ينالوا التقدير بالتصفيق منهم وهم لا يدركون المشاكل الجانبية التى قد تنتج عن هذه السياسات مثل كهربة الريف ومده بالطرق والمرافق والخدمات حتى لا يهجره أحد بل حتى يعود اليه من هجروه الى المدن الكبيرة وهكذا ينتقل التكدس السكانى من المدن القديمة الى القرى القديمة ثم تعود وتتزايد معدلاته فى الريف والحضر معا … وهكذا تغيب استراتيجية التنمية العمرانية التى تحرك أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية ويبقى الحال كما هو يشهد الانفجار السكانى ومعه الانفجار العمرانى وتضيع معه كل الجهود التى تسعى لرفع مستوى المعيشة للانسان من بنى آدم ويبقى المستفيد الاول من كل ذلك هم الاشباح الذين يسكنون 96% من أرض الكنانة. 
وللاشباح وسائلهم الجهنمية فى الحث على بناء الابراج العالية ويشجعونها بواسطة مندوبيهم فى ادارات الاسكان فى المحافظات الذين يحررون المخالفات الخاصة بزيادة الادوار عما هو مصرح به ثم ينتهى الامر بالتصالح . وهكذا تشيع المخالفات وتستشرى حتى اذا ما ظهرت الدعوة الى وقفة حاسمة لاحترام القانون أسرع مندوبو الاشباح يتضرعون ويتحججون بأزمة الاسكان لترك الامر على ما كان … وتستمر المسيرة والاشباح فى غاية السعادة التى لم يعكرها الا حادث عمارة الاسكندرية التى انهارات وكشفت المستور ولكن الى حين تعود بعدها الامور الى ما كانت عليه. وتستمر حركة بناء الابراج وكأنها لاستطلاع الطالع وبدلا من تسميتها بمسميات السعادة والامل والتوفيق سوف تحمل مسمياتها الحقيقية كالحوت والعقرب والسرطان والاسد والثور والجوزاء أما غيرها فيتمتع بها مندوبو الاشباح الذين يختفون تحت أسماء الحمل والجدى والدلو والعذراء أما القوس والميزان فلا وجود لهما حتى الان … فقوة الردع لا تأثير لها وحكم القضاء مقضى عليه وتستمر اللجان فى اجتماعاتها تبحث وتبحث وتبحث ثم تبحث وتبحث وتبحث وترتفع الابراج دون استحياء كما يمتد الاسكان العشوائى من ناحية أخرى حيثما يشاء على الاراضى الصحراوية والزراعية على حد سواء … وتقدم عنه البحوث والدراسات وتنعقد من أجله الندوات والمؤتمرات ثم طالعنا المجالس القومية المتخصصة أخيرا بنفس التوصيات والقافلة تسير !! الى أين لا يعلم الا الله سبحانه وتعالى . فقد عجز عن ذلك المحللون والمخططون المحليون منهم والمستوردون ولم يبق الا البحث عن المنجمين لفك العمل المعمول للمدن والمجتمعات الجديدة على حد قول المسئولين عنها بدلا من مراجعة القوانين والعودة الى الحق والشرع والدين ….

word
pdf