الدكتور ميلاد حنا يلقى الحجر فى المياه الراكدة

الدكتور ميلاد حنا يلقى الحجر فى المياه الراكدة

01

الدكتور ميلاد حنا يلقى الحجر فى المياه الراكدة

             دكتور عبد الباقي إبراهيم
كبير خبراء الأمم المتحدة للتخطيط العمرانى 

 

تطالعنا الصحف هذه الأيام بإعلانات تدعو المستثمرين العرب والأجانب للإستثمار العقاري في مصر وشراء الوحدات السكنية الفاخرة وغير الفاخرة في مشروعات عديدة منها ما هو خاص ومنها ما هو عام كمشروع إحدى شركات القطاع العام لبناء عشرات الآلاف من الوحدات السكنية. وفي نفس الوقت تطالعنا الصحف كذلك بأنباء تملك بعض الشركات العقارية الأجنبية لمساحات كبيرة من الأرض في القاهرة وضواحيها لتقيم عليها مشروعات أخرى للإسكان الفاخر وذلك بخلاف ما تبنيه الدولة نفسها لحل مشاكل الإسكان حيث تبحث أجهزتها عن كل شبر فضاء أوصالح لأن يكون فضاءاً من أرض القاهرة وغيرها من المدن الكبرى لتستغله في البناء. وكأن هذه المدن لا تعاني من التزاحم السكاني أومن عجز الخدمات والمرافق والمواصلات.هذا في الوقت الذي يقول فيه خبراء التخطيط بأن الإستثمار في الإسكان إن لم يكن إحدى

مكونات الإستثمار في الإنتاج يعتبرإستثماراً ميتاً. وأن ما يجري بالصورة السابقة يسميه الخبراء بتخطيط ما يعنيه المعنى الدارج لكلمة “معلمين”.
وهكذا تتضخم المدن الكبرى وعلى رأسها القاهرة ونسمع بعد ذلك صرخات بعض الجهات الأخرى تدعو إلى ضرورة المحافظة على المناطق الخضراء وتوفير المناطق المفتوحة اللازمة حتى لا يختنق الملايين السبعة في العاصمة. وفي مكان آخر ترتفع أصوات أخرى تدعو إلى الحد من الهجرة إلى القاهرة وتعقد لذلك اللجان والمؤتمرات من آن لآخر كلما أثيرت المشكلة وتصدر التوصيات تدعو إلى ضرورة توزيع المشروعات والخدمات العامة على المدن الأخرى بالعدل والقسطاس. وبعد ذلك وعلى حساب الأرض الزراعية تقام الجامعات الإقليمية في عواصم المحافظات بهدف إستيعاب الأعداد المتزايدة من طلبتها وبنفس المنطق أقيمت المصانع ولا تزال تقام بكل أنواعها في المدن الكبيرة والصغيرة أوحيثما وجدت الطرق والمرافق والخدمات بهدف الحصول على أكبر عائد ممكن في أقرب وقت ممكن. وتجر هذه المشروعات

وغيرها ورائها موجة أخرى من بناء المساكن تمتد على الأرض الزراعية وتزيد الضغط على المرافق المحلية.
وهكذا تتضخم أيضاً عواصم المراكز والمحافظات ويتبع ذلك صرخات وصيحات من جهات ثالثة تدعو إلى ضرورة الحد من إستقطاع الأراضي الزراعية التي يستمد الشعب منها قوته وغذاءه. وفي جهات رابعة ترتفع الصرخات بسبب الضغط الذي يشتد على مرافق المدن في المحافظات ثم يظهر اتجاه آخر ومن جانب خامس يدعو إلى ضرورة تنمية القرى والكفور لتوزع عليها المدارس والمستشفيات وتقام بها ما تيسر من الصناعات وتتحرك الأجهزة تعد العدة لبناء الريف لمواجهة الزيادة المتوقعة لسكانه وتوفير متطلباتهم المعيشية على المدى البعيد من طرق وخدمات واسكان ومياه وكهرباء ولكن بشرط كما تقول هذه الأجهزة ألا تستقطع أي شبر من الأراضي الزراعية وتستمر القرى بطبيعة الحال تزحف على الأرض التي هى مصدر رزقها ويزيد نتيجة لكل ذلك الضغط السكاني في الريف كما يزيد في الحضر وحل مشاكل إحداها يضاعف من مشاكل الأخرى .. ومرة أخرى ترتفع الصرخات في جهة سادسة تدعو إلى ضرورة الأخذ بأسلوب التخطيط الإقليمي الشامل- كما يسمونه- بعد أن فشلت أمام الآخرين كل الحيل. وتقوم جهات سابعة تدعوا على صفحات الجرائد إلى ضرورة رسم خريطة جديدة لمصر عام 2000 وتهبط هذه الدعوة لتقوم جهة ثامنة بوضع اللوائح والتشريعات لتطوير نظام الحكم المحلي على أساس أنه الكفيل بمواجهة كافة المشكلات.

وهكذا تتوالى القرارات تتلوها الصيحات والصرخات في حلقات مفرغة سنة بعد أخرى. وتظهر بين حين وآخر الدعوة إلى ضرورة التنسيق بين مختلف الجهات فتشكل لذلك اللجان وتنفض.. ثم تشكل وتنفض دون فعالية واضحة. وتبدأ الحيرة في النفوس وتتوه العقول ويعود الجميع إلى الشكوى من سوء التخطيط أوانعدامه ولايدرون كيف تتم عملية التخطيط في الدولة على المستوى القومي أو الإقليمي أو المحلي. هل تتم في .اللجنة العليا للتخطيط الإقتصادي والسياسي أوفي وزارة التخطيط أو اللجان القومية أوفي أجهزة البحث العلمي أوفي وزارة الحكم المحلي أو وزارة الإسكان والتعمير أو جهاز القاهرة الكبرى أو أجهزة التخطيط

.بالمحافظات أو المكاتب الإستشارية الأجنبية التي تؤجرها الدولة. أوهى تتم في كل هذه الأجهزة أو أنها تتم في كل منها على حدة- وكل يخطط لليلاه.
ومع كل مايحدث فهذا الأمر لايدعو إلى الإنزعاج أو اليأس .. فقد أصبح عدم التنسيق في التخطيط ظاهرة تعاني منها الدول النامية والدول المتقدمة على حد سواء بعضها يحاول في الإتجاه الصحيح والبعض الآخر لا يزال يبحث عن الأسلوب المناسب. ولكن المؤلم أن تقف بعض الدول لا تبحث عن أي أسلوب آخر وتبرر الفشل على أنه مرض من أمراض التنمية. ويقول الخبراء في هذا الشأن أن تنظيم العمل التخطيطي إقتصادياً واجتماعياً وعمرانياً في صورة متكاملة وعلى كافة المستويات التخطيطية هو أساس التخطيط الأمثل وأن الإستعانة بالتكنولوجيا الحديثة في هذا الإتجاه كوسيلة وليس كغاية يساعد على سرعة حل المسائل المعقدة والتخطيط في مصر ينتظر من يضع له الأسلوب الأمثل ثم يحدد الأدوار ويوزعها لإخراج العملية التخطيطية متكاملة على كافة المستويات القومية والإقليمية والمحلية.

word
pdf