العمارة العربية الأصيلة ممكنة وفق التطورات

العمارة العربية الأصيلة ممكنة وفق التطورات2019-12-08T12:33:15+02:00

حوار

خبير مصرى فى العمارة يتحدث إلى “الحياة”

العمارة العربية الأصيلة ممكنة وفق التطورات
 

جريدة الحياة اللبنانية- 8/1/1990 

مثلما ترددت قضية الاصالة والحداثة في الأدب، فإنها تتردد اليوم بشأن العمارة. ذلك أن ملامح العمارة العربية الجميلة المتميزة بدأت تختفي تحت دواع كثيرة، فمن قائل بأنها عمارة مكلفة تحتاج عمالا مهرة انقرضوا، ومن قائل بأن العمارة القديمة لم تعد تلائم الذوق العربي الذي تغير، ومن قائل بأن المباني الجاهزة أكثر عملية وأسرع في البناء وأقل في التكلفة.
الدكتور عبد الباقي إبراهيم أستاذ علم التخطيط العمراني في جامعة عين شمس وأحد المنشغلين بقضية العمارة العربية يرد على هذه المزاعم قائلا :
– إذا كان للعصر الحالي تكنولوجيا متقدمة في البناء، فهذا لا يمنع من التواصل الحضاري في العمارة وربط التراث وقيمه بالعمارة المعاصرة من دون زيادة في التكاليف ومن دون التعلل بالامكانات، لأنه يمكن تنفيذ العمارة بأرخص الأسعار والمواد ولكن على مستوى فكرى وثقافي وحضاري . ومثال على ذلك عمارات حسن فتحى.

فالمسألة لا تحتاج لعمال مهرة، بالعمالة الحالية والمواد المتوافرة يمكن بناء عمارة لها ملامح معاصرة وترتبط بالتراث في الوقت نفسه . وقد بنينا مبنى مركز الدراسات التخطيطية والمعمارية الذي رشح لجائزة أغاخان للعمارة الإسلامية في حدود متوسط تكلفة المتر المسطح من دون أي زيادة أو نقصان . وفى إطار قوانين التنظيم الحالية وبالعمالة العادية نفسها وبمواد البناء السائدة أمكننا بناء نموذج معاصر فيه كل القيم الحضارية التراثية، من دون أية من المكملات الزخرفية التراثية مثل العقد أو القباب لأنها مكملات وليست أصلا، وقد كانت وليدة عصرها ومواد البناء المتوافرة آنذاك (الحجر) وأسلوب الإنشاء الذي يعتمد على الضغط أما اليوم فيمكن استعمال أساليب الإنشاء التي تعتمد على الشد تبعا لتكنولوجيا الإنشاء المعاصر.

* إلى أي مدى تعكس العمارة المعاصرة ملامح العصر ؟
– كل عصر من تاريخ العمارة له ملامحه المتميزة، ذلك لان كل عصر له ملامحه الثقافية والحضارية المتميزة . وكان هذا التميز بسبب ضعف الاتصال بين الشعوب . أما اليوم فملامح العصر هي ملامح مختلفة ثقافيا وحضاريا بسبب ثورة الاتصالات . وملامح العصر أن القوى يغلب الضعيف، وحضارة القوى تغلب حضارة الضعيف . ويعنى ذلك أن العمارة التي يفرزها القوى بامكاناته الفكرية والمادية والتكنولوجية هي التي تغلب الضعيف الذي يقف أمام هذه المنجزات منبهرا ليس أمامه إلا أن يقلدها.

* إلى أي مدى تلائم الأنماط المستوردة الذوق العربي ؟
– الأنماط الحالية تتلاءم مع متطلبات الأسرة العربية لان كل إنسان يبنى المسكن الذي يناسب احتياجاته ومتطلباته المعيشية ، وكذلك ما يتوافق مع دخله ومستواه الثقافي . فالمستوى الثقافي هو الفيصل في تحديد الشكل المعماري . وطالما أننا لا نملك هوية للثقافة العربية والحضارة العربية المعاصرة ، فلن تكون هناك هوية للعمارة العربية المعاصرة … ولا لوم على العمارة بل على صاحب العمارة.

* هل توجد دراسات عربية تتبنى العمارة العربية وتحديثها ؟
– هناك تخلف فكرى في هذا المجال، ولا توجد تجارب كثيرة أو صحوة معمارية يعتنقها معظم المعماريين . وحتى لو وجدت فإنها لا تزال محصورة في عدد قليل جدا من المعماريين العرب. وإذا كانت كل دولة تسعى إلى استقلالها الاقتصادي وبنائها الذاتي فالأحرى أن تسعى إلى بناء عماراتها بالفكر المحلى بما يتناسب مع البيئة والقدرات المحلية وبالجهود الذاتية، وليس في هذا المدخل زيادة في الأعباء الاقتصادية.

* ما الفلسفة التي يتبناها مركز الدراسات التخطيطية والمعمارية ؟
– نتبنى في المركز مزج الاصالة بالمعاصرة سواء في البناء أو في التأليف . هناك مشاريع كثيرة كمشروع الإسماعيلية وأسوان … مع الأخذ في الاعتبار ضرورة إيجاد الطابع لكل مدينة أو محافظة . ففي قرية النورس قرب بحيرة التمساح كانت الملامح إسلامية عربية، وفى أسوان عند المناطق الأثرية استخدمنا الحجر وكان الطابع أقرب للفن الفرعوني . ولا زلنا في حالة تجارب مع كل مشروع ونحاول أن نوثق هذا الفكر في مجموعات من الكتب لتكتمل الحركة الفكرية بناء وتشييدا وتأليفا ونشرا، وصدر حتى الآن مؤلف ” المنظور الاسلامى للنظرية المعمارية ” وفيه نقد للنظرية الغربية وبحث عن النظرية المحلية والمنظور الاسلامى للتنمية العمرانية، وفيه أيضا نقد للفكر الغربي وبحث عن البديل المحلى والمنظور التاريخي لعمارة المشرق العربي، وفيه كذلك بحث عن جذور هذه العمارة من فجر التاريخ حتى عصرنا الحالى. وتحت الطبع حاليا مؤلف ” تأصيل القيم الحضارية في بناء المدينة الإسلامية المعاصرة ” وكذلك ” بناء الفكر المعماري “.

* سمعنا عن موسوعة معمارية عربية ؟
– نعم، تحت الطبع موسوعة تمولها وتشرف عليها منظمة العواصم والمدن الإسلامية بالاشتراك مع الدكتور صالح لمعي بعنوان ” أسس التصميم المعماري والتخطيط الحضري ” وتقع في حوالي ألف صفحة.
* كأستاذ في التخطيط العمراني، كيف ترى أزمة الإسكان والمدن الجديدة في مصر ؟

– منذ حوالي 25 عاما كنا ندعو للخروج من الوادي الضيق . وجمعنا كل ما نشر في الصحف في كتاب ” كلمات صحافية في الشؤون العمرانية، وكانت الدعوة للحد من الهجرة الريفية إلى المدن، ومد الريف بالخدمات والجامعات لوقف الهجرة . ولكن هذا الاتجاه الذي ما زال مستمرا ساعد على تكديس سكان الريف إلى جانب تكدس سكان المدن. ومن أسوا السياسات التي تمت في التنمية العمرانية في مصر على مدى السنوات الثلاثين الماضية – من وجهة نظري – أن كل الدعوات ساعدت الحكومة على بناء جامعات في الأقاليم الزراعية وليس خارجها . وهذه الجامعات بطبيعة الحال تجذب إليها الخدمات والإسكان والمرافق، وكلها أدت إلى تآكل الأراضي الزراعية من دون اعتبار للسلبيات الكبيرة التي تكاد تهدم الريف . هذه المشاريع في ظاهرها خير وفى تنفيذها كم كبير من السياسة . ولكن النتيجة كوارث: بنيت المساكن، وتكدست القرى . هناك دراسات كثيرة أنجزت ولم تر النور لسبب بسيط هو أن الدولة عند دراستها لخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية تهدف إلى زيادة الدخل القومي إلى أكبر نسبة ممكنة في مدى خمس سنوات وهو مدى قصير جدا، ولذلك كانت تبتعد عن التنمية خارج الوادي لأنه أكثر تكلفة وقد لا يزيد من الدخل القومي وليس له عائد سريع كما هو المطلوب . لذلك تكدست كل المشاريع في الوادي ومثالا على ذلك نجد القاهرة تأخذ40  في المائة من موازنة الدولة ويسكنها 20 في المائة من سكان مصر .هناك خلل في توازن الإنفاق والتنمية مع توزيع السكان.

word
pdf