الفلسفة التي وراء إنشاء المدن الجديدة

الفلسفة التي وراء إنشاء المدن الجديدة

01

 

الفلسفة التي وراء إنشاء المدن الجديدة

 

 

طالما دعى المخططون العمرانيون في مصر إلى ضرورة إستقطاب الزيادة السكانية على كل من القاهرة والدلتا في مجموعات من المدن الجديدة التي تمتد على طرف محوري القاهرة / الإسماعيلية والقاهرة/ السويس, ولم تقتصر الدعوى على مجرد التصوير العام ولكن قدمت في هذا الشأن دراسات علمية نشرت في المحافل الدولية وكان ذلك بالتحديد في عام 1967م عندما كان يعد لتخطيط القاهرة الكبرى. ولم يكن الوقت حينذاك ملائما لأهل الخبرة بقدر ما كان لأهل الثقة.. وتتابعت بعد ذلك الكلمات على صفحات الجرائد وبنفس الاتجاه داعية إلى ضرورة رسم خريطة جديدة لمصر, وتمر الأيام وتسير الأمور على طبيعتها فتقام الجامعات والصناعات وغيرها من المشروعات العمرانية في معظم مدن الدلتا مستقطعة ما يحيطها من الأراضي الزراعية ومضيفه ضغوطا أخرى على مرافقها وخدماتها العامة، وفي نفس الوقت سارت الأمور على طبيعتها فأقيمت المشروعات العمرانية ولا تزال على كل أرض فضاء يعثر عليها في القاهرة مضيفة بذلك ضغوطا أخرى على المرافق والخدمات العامة وبدأ اليأس يدب في معظم المخططون العمرانيون في مصر وهاجر منهم من هاجر واعتزل منهم من اعتزل وترك ميدان التخطيط العمراني لغير المتخصصين.

وأخيرا يتحقق الأمل ويقوم رئيس الدولة بنفسه بتخطيط المدن الجديدة أو يظهر أول لبنات هذا البناء في مدينة “عشرة رمضان” في نفس المكان الذي وضعه المخططون المصريون عام 1967 م. وبدأ الأمل يعود إلى الطيور المهاجرة. وبدأ بعضهم يعود إلى وطنه متسترا خلف المكاتب الاستشارية الأجنبية لا خوفا من يأس جديد يمسهم أو هيبة من أصحاب السلطة والسلطان ولكنها طبيعة الحذر الذي أفقدته السنوات الطوال معظم الأمل إن لم يكن كله. ولكنها مع ذلك بداية على الطريق المضيء الذي نرجو أن يمتد إشعاعه إلى خبراؤنا الذين يخططون في أقاصي أمريكا الجنوبية وإلى علمائنا الذين يقودون مجال الفكر التخطيطي في أقصى الغرب من أمريكا الشمالية وغيرهم من الذين يخططون لمدن ومناطق العالم شرقه وغربه.

ولندرك أن بناء المدن الجديدة ليس مسئولية المخطط بقدر ما هي مسئولية المواطن الذي يمثل العنصر الحي الذي يحرك هذه المدن التي هي في الواقع كيانات عضوية. فكم من المدن الجديدة ولدت ميتة لأنها فقدت مقوماتها الحيائية والمرئية بصفة عامة كالإنسان، لا يمكن أن يعيش على عنصر واحد من مقومات الحياة بل لابد لها من مقومات مترابطة متكاملة لبنائها العضوي السليم. والمدينة الجديدة كالطفل يحتاج إلى الرعاية المستمرة حتى ينمو وتنموا مواهبه ويستطيع أن يشق طريقه في الحياة بعد ذلك على أساس من التخطيط الواقعي السليم. والمولود الجديد في بداية تكوينه لا يستطيع أن يعتمد على نفسه أو يعيش منعزلا عن أهله بل لا بد له من العطاء المادي والمعنوي من الأم والأب والأخوات وهذا ما يمثله دور التخطيط الإقليمي في بناء المدن الجديدة.

فلتحف القاهرة عن كاهلها بعضا من مشروعاتها العمرانية المترامية الأطراف, إلى المدن الجديدة وبتوجيه إلى مدن الدلتا بعضا من مشروعاتها العمرانية التي تقتل بذور الخير من الأراضي الزراعية.

إن بناء المدن الجديدة ليست في بناء المرافق وتقسيم الأراضي بقدر ما هي في بناء المجتمعات الجديدة اقتصاديا واجتماعيا وعمرانيا حتى نضمن لها البقاء كما أنها في نفس الوقت عملية مستمرة ترتبط في طبيعتها ببناء الدولة وخططها الخمسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. وطالما تكررت نفس هذه الألفاظ والتعبيرات التخطيطية على كثير من الصفحات ولكن الأهم من ذلك هو عمق إدراكها وإخراجها من حيز الفلسفات إلى حيز الواقع في برامج تنفيذية لها أبعادها المادية والبشرية وتصبح العملية التخطيطية بعد ذلك عملا أكثر منها تقارير تعد وتختزن أو مخططات صماء في خطوطها وألوانها.

إن الأمل كبير في أن تصبح مدينة عشرة رمضان الجديدة وهي على وشك أن تولد منطلقا للعبور من الخيال إلى الواقع ومن النظرية إلى التطبيق لتكون أمام الأجيال القادمة مع غيرها من المدن الجديدة مثلا للمدينة الإسلامية المعاصرة بكل قيمها الروحية والمعمارية وأن تكون مساجدها مراكز للإشعاع الديني والثقافي والاقتصادي والاجتماعي لأحيائها المختلفة وأن يجد فيها المواطن كذلك كل مقومات الحياة العصرية.

word
pdf