تعديل قانون ملكية الأراضي بين النظرية والتطبيق

تعديل قانون ملكية الأراضي بين النظرية والتطبيق2019-11-24T10:50:04+02:00

تعديل قانون ملكية الأراضي بين النظرية والتطبيق

 

دكتور عبد الباقي إبراهيم

 

رئيس مركز الدراسات التخطيطية والمعمارية

 

وكبير خبراء الأمم المتحدة في التنمية العمرانية

 

وأستاذ التخطيط ورئيس قسم العمارة بجامعة عين شمس سابقا

 

 

لقد أثار مشروع تعديل قانون ملكية الأراضي الكثير من الجدل بين نواب الشعب وأدلي كل منهم بدلوه في هذا الموضوع البالغ الأهمية والبالغ الحساسية في محاولة لفك الاشتباك بين الوزارات والهيئات المعنية. فقد تضاربت المسئوليات وتعددت الصلاحيات، الأمر الذي أثر سلبيا علي المشروعات الاستثمارية الصناعية والسياحية والزراعية. وتنتهي مناقشات مجلس الشعب بالموافقة علي تحديد رئيس الجمهورية لأراضي الدولة وإصدار قرارات ملكيتها للوزارات المختلفة بدءا بالمناطق ذات الاستراتيجية الدفاعية ثم بالمناطق السياحية والمدن الجديدة والمناطق الزراعية. ويعني ذلك من الناحية العلمية أن مجلس الوزراء الذي يعد القرارات الجمهورية سوف يتحمل أعباء كبيرة ليست في مقدوره وربما ليست من اختصاصة كجهة تنفيذية تقوم بحصر الأراضي وتصنيفها وتخصيصها قبل إصدار القرارات بتحديد ملكيتها, فاراضي الدولة موزعة بين وزارات الدفاع والزراعة والري والتعمير والإسكان والسياحة والمحافظات وأخيرا هيئة الآثار… والسؤال الذي لم يطرح بعد هو كيفية تطبيق قانون ملكية الأراضي وما هي الجهة التنفيذية التي سوف تتولي القيام بحصر وفرز هذه الملكيات ووضع التوصيات بتخصيصها… فالمعروف أن وزارة التخطيط قد قسمت الدولة إلي ثمانية أقاليم تخطيطية بهدف تحديد استعمالات الأراضي فيها وتنميتها اقتصاديا واجتماعيا ومن ثم يمكن تحديد دور الجهات التنفيذية في عمليات التنمية وتتحدد بذلك إمكانية تملكها لأراضي الدولة في هذه الأقاليم. ومن المعروف أيضا أن وزارة التعمير والإسكان والمجتمعات الجديدة قد قسمت الدولة إلي عدد من الأقاليم العمرانية تختلف في حدودها عن الأقاليم التخطيطية التي رسمتها وزارة التخطيط. ومن المعروف كذلك أن المحافظات لها صلاحية التحكم في الأراضي داخل كوردونات المدن والقرى بينما لوزارة الزراعة صلاحية التحكم في الأراضي الزراعية خارج حدود هذه الكردونات, وتجئ بعد ذلك هيئة الآثار لتحدد المناطق الأثرية التي تتبعها والأراضي المحتمل وجود آثار فيها وما في باطن الأرض

كان أعظم, أضف إلى ذلك أراضى الامتيازات المخصصة لشركات البترول, أو أراضى الامتياز المخصصة لهيئة قناة السويس. هذا بخلاف الأراضي المعينة كمحميات وهى تخرج عن نطاق هذا الموضوع.
والسؤال الآخر الذي لم يطرح بعد هو من هي الجهة التي تنسق بين كل هذه الجهات من الذي يرسم خريطة ملكية الأراضي في مصر هل هي هيئة التخطيط العمراني بوزارة التعمير والإسكان والمجتمعات الجديدة التي تخطط لاستعمالات الأراضي في المدن والقرى والأقاليم؟ أم هي الإدارة المركزية للتخطيط الإقليمي في وزارة التخطيط التي تحدد نوعيات المشروعات كما تحدد الاستثمارات اللازمة لها علي المستوى الإقليمي الذي يبني منه التخطيط القومي, وأي من هذه الأجهزة مؤهل لهذا العمل الكبير. وهل لجهاز التعبئة والإحصاء وإدارة الحاسب الآلي فيه دور في هذا العمل. وربما مركز المعلومات بمجلس الوزراء دور

آخر مرادف. هكذا تضيع المسئوليات وتتباين الاختصاصات، فكل وزارة ترغب أن تكون مستقلة بأجهزة المعلومات والتخطيط والمتابعة وان تكررت المعلومات وترابطت المخططات.
وإذا كانت الدولة تسعي إلي تطوير جذري في الجهاز الحكومي إداريا وتنظيميا.. فهل يرى خبراء التنظيم والإدارة أن يكون للدولة جهاز مركزي للتخطيط والتنمية بقطاعاته الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية أي المكانية حيث تتحدد استعمالات الأراضي وملكيتها.. يعمل علي المستوى القومي والمحلي ويغذي الأجهزة التنفيذية بكل البيانات والمعلومات ويخصص لها أماكن مشروعاتها السكنية أو الصناعية أو السياحية ويخصص لها بالتالي ملكيات الأراضي التي يجب أن تكون في حوزتها وهو الجهاز الذي يمكن أن يكون مصدرا لقرارات رئيس الجمهورية التي يشير إليها التعديل الجديد في قانون ملكية الأراضي، وهل يرى خبراء التنظيم والإدارة أن يضم الجهاز المركزي للتخطيط والتنمية اختصاصات هيئة التخطيط العمراني والجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء ومركز المعلومات التابع لمجلس الوزراء… ويكون لهذا الجهاز المركزي فروعه علي مستوى الأقاليم التخطيطية أو أقاليم التنمية العمرانية أيهما أصح… أو حتى علي مستوى المحافظات حيث تتم العلاقات التبادلية بين المستوى القومي والمستوى المحلي فيها… يتلقى رغبات

الإدارة المحلية ويرفعها إلي بوتقة التكامل في الجهاز المركزي ثم تعود توجيهاته إلي الإدارة المحلية محددا المشروعات والاستثمارات.
وإذا كانت بعض الدراسات المتعلقة بهذا الموضوع قد أعدت من قبل في هذا الاتجاه, وإذا كان البعض قد اقتنع بها بعد أن اعتمدت من الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة, وإذا كان العديد من دول العالم يسعى إلي هذه الصيغة وقامت إحدى أجهزة الأمم المتحدة بدراستها من قبل، فهل ترى هذه الصيغة صدى لدي نواب الشعب الذين يناقشون المشكلة لحل الاشتباك بين الاختصاصات المتعارضة؟ …
من هو هذا الذي يستطيع أن يفك هذا الاشتباك .. فليس بالقوانين فقط تحل المشاكل لابد من الأجهزة القادرة علي ذلك .. والأمر لله أولا وأخيرا.

word
pdf