حتى تتكامل المشروعات في إطار خطط التنمية

حتى تتكامل المشروعات في إطار خطط التنمية

01

حتى تتكامل المشروعات في إطار خطط التنمية

دكتور عبد الباقي إبراهيم

رئيس مركز الدراسات التخطيطية والمعمارية 

وأستاذ التخطيط العمرانى بهندسة عين شمس

 

في أعقاب سياسة الانفتاح انطلقت الأجهزة المختلفة تبحث عن مجالات جديدة للتنمية والاستثمار.. واندفعت معها المؤسسات والشركات من الداخل والخارج تبحث عن أهم المواقع لتقيم فيها منشآتها وبما يحقق رغباتها وأهدافها الخاصة دون النظر لأي اعتبارات أخرى تخطيطية أو اقتصادية أو اجتماعية.. تهم المجتمع وتؤثر عليه.. وبمعنى أخر في غياب أي توجيه ملزم من الناحية التخطيطية.. وقد يتم ذلك بالرغم من الصيحات أو الصرخات التى يتلاشى صداها.. أمام الإغراء المالي والمنطق المادي وظهرت هذه المشروعات لتحقق أهدافها وأرباحها.. ويدفع المجتمع نتيجة لذلك الثمن في ضغط المرور.. في تشبع المرافق العامة.. في تلوث البيئة.. وترتفع الأبراج شاهقة في وسط الأطلال.. وبأحدث ما في العصر من تكنولوجيا.. وبأيدي العمال الأجانب سواء أكانت مخالفة للوائح أو بتصاريح خاصة. وبعد ظهور الآثار السلبية لهذا الاتجاه.. تبدأ المعالجات.. تماما مثل كل المشاكل التى تواجه خطط التنمية تسببها سرعة القرار.. والاندفاع نحو تحقيق أهداف خاصة.. ثم لا تلبث أن تظهر الآثار السلبية بعد فوات الأوان..

وفى الآونة الأخيرة نرى إقبالا كبيرا على إنشاء العديد من مشروعات التنمية سواء على سواحل البحر الأحمر أو البحر الأبيض أو في المناطق المختلفة في سيناء.. والهدف من كل ذلك هو الامتداد العمرانى خارج الوادي الضيق الذي كاد يختنق بالضغط السكاني الذي يقع عليه…. ومره أخرى نعيد نفس الصيحة إلى ضرورة تكامل هذه المشروعات… فقطاع السياحة يعمل على إنشاء العديد من القرى السياحية على سواحل البحر الأحمر والبحر الأبيض وقطاع التعمير من جانبه يقوم بنفس المهمة وفى خط منفصل.. ويأتي اليابانيون يقترحون إنشاء مراكز صناعية كبيرة على ساحل البحر الأحمر.. ويأتي غيرهم ليقيموا مشروعات زراعية وصناعية على سواحل البحر الأبيض… ثم تأتى وزارة الثقافة لتبنى مراكز ثقافية في مناطق معينة على البحر الأحمر وتربطها بمراكز السياحة دون النظر لأي اعتبارات أخرى.. والسؤال الذي يفرض نفسه الآن هو… هل لكل قطاع أن يقوم بالتخطيط لمشروعاته الخاصة دون التكامل مع القطاعات الأخرى… أو أن هناك جهاز خاص يقوم بالتخطيط المتكامل لمشروعات متكاملة ليقوم كل قطاع بتنفيذ ما يخصه منها ؟ ….

وإذا صح الاتجاه الأخير فمن يكون هذا الجهاز… هل هو تابع لجهاز الحكم المحلى أو هو تابع للجهاز المركزي للتخطيط والتنمية.. والأمر لا يزال مبهما… والخيوط لا تزال متشابكة… وإذا استمر تشابكها… فسوف يقوم كل قطاع بتخطيط وتنفيذ مشروعاته الخاصة دون التكامل مع القطاعات الأخرى… وبعد فترة تظهر الحقيقة… وتظهر الآثار السلبية لهذا الاتجاه… مثل كل المشاكل التى تكتشفها بعد فوات الأوان.
ونرجع مرة أخرى إلى الوراء قليلا حتى تستوعب الدرس مره أخرى وذلك عندما اتجهت الدولة إلى تنمية المناطق الريفية بهدف الحد من الضغط السكاني على المدن الكبرى… فأقيمت الجامعات الإقليمية والمصانع المحلية… وغيرها من المشروعات. فأكلت الأرض الزراعية وزادت من الضغط السكاني على مرافق وخدمات المدن الإقليمية وأصبحت هذه المشروعات نقمة وأن كان هدفها نعمه… فالاعتراض على إنشاء جامعة الزقازيق في الزقازيق مثلا كان في محله.. وكان البديل هو إنشاء جامعة الشرقية في بلبيس على الأراضي الصحراوية المتاخمة للأراضي الزراعية وبحيث تكتمل معها مشروعات صناعية وزراعية.. لإنشاء مجتمعات جديدة متكاملة على أطراف الرقعة الزراعية.. ثم تبدأ عمليات التعمير المتكاملة زراعيا وصناعيا تزحف على الأراضي الصحراوية.. بدلا من إنشاء مدن جديدة منعزلة.. فالتجمعات السكنية المتوسطة مثلا لا يمكن أن تعيش في عزلة عن غيرها من التجمعات الأخرى الصغيرة والكبيرة في نسيج عمراني متكامل..

ومرة أخرى وبعد عشرات السنين نعيد نفس الدرس.. ونحن نلاحظ الآن اندفاعا للتعمير نحو سواحل البحرين الأبيض والأحمر وسيناء، دون تكامل تخطيطي بين قطاعات التنمية المختلفة.. وأقرب الأمثلة.. مشروعات القرى السياحية التى بدأ التخطيط لها منعزلة عن غيرها من الأنشطة التى تساعد على إنشاء مجتمعات جديدة وإن كان الهدف الأساسي من انشأ هذه القرى هو التنمية السياحية.. لذلك لابد من البحث عن مجالات أخرى للتنمية الإنتاجية مع التنمية الخدمية التى تخدم التنمية السياحية في نفس الوقت وتوفر الاستقرار السكاني من جهة أخرى.. وتختلف مجالات التنمية الإنتاجية والخدمية باختلاف الموقع والإمكانيات المتاحة.. فالموقع المتميز من الوجهة السياحية قد تتوفر له مقومات أخرى للتنمية الإنتاجية أو الخدمية.. وبذلك تقام مشروعات البنية الأساسية لهدف الاستيطان السكاني المتكامل.. وليس بهدف خدمة مشروعات منعزلة.. سياحية كانت أو صناعية أو زراعية.. وتتطلب مشروعات التنمية المتكاملة.. إنشاء شركات مشتركة تساهم فيها القطاعات المشاركة في هذه المشروعات. وقبل ذلك لابد من وضع التخطيطات المتكاملة مع دراسات للجدوى المتكاملة.. حتى تعرف كل جهة دورها في عملية التنمية..
مرة أخرى نعيد الدرس… حتى يتحقق التكامل في مشروعات التنمية.. ويمتد العمران ويتحقق الاستيطان… خارج الوادي الضيق.

word
pdf