حول مشروع تخطيط القرى

حول مشروع تخطيط القرى

01

حول مشروع تخطيط القرى

 

الأهرام 20/9/1955

 


مهما إختلفت الاراء والطرق التى يجب أن يبنى على أساسها التخطيط الجديد للقرى المصرية ، يجب ألا نتجاهل حقيقة واقعة ، وهى أن القرية عضو حى فى المجتمع ينمو ويتطور ويتأثر بعوامل خارجية وداخلية ، وهذا العضو الحى يتكون هو الآخر من خلايا حية هى الأحياء التى تتكون منها القرية ، ثم العائلات المكونة لمجتمعها ، فإن حياة القرية مستمدة من حياة سكانها وتكوينهم الإجتماعى .
لقد تأثرت القرية المصرية على مر الأجيال بعوامل مختلفة أخرجتها إلى صورتها الحالية ، حتى أصبحت عملية إعادة بناء هذه القرى من اصعب العمليات وأكثرها حساسية ، فقد خلقت الطبيعة والبيئة هذه

القرى ، ولا يزالان هما العاملان المؤثرات عليها ، ونحن إذا فكرنا فى إعادة بنائها لحفظ كيان البناء الجديد .
لقد بحث خبراء الأمم المتحدة مثل هذه المشكلة فى مناطق عدة من انحاء العالم ، كجنوب شرق آسيا والهند وباكستان ، ثم فى نيجيريا وساحل الذهب وجزر الكاريبيان ، وعجز هؤلاء الخبراء عن وضع سياسة عامة لحلها ، ولكنهم إتفقوا على مبدأ واحد وهو الإستمرار فى دفع هذه المجتمعات المتأخرة إلى الأمام بقدر إمكانياتها والسعى وراء مواد جديدة للبناء .

والفلاح المصرى قد عاش مع الطين قروناً عديدة حتى اصبح هذا الطين جزء لايتجزأ من حياته وتكوينه الطبيعى ، ونحن إذ ما أمكنا أن نضع حاجزاً بينه وبين هذا الطين إستطعنا أن نتغلب على ناحية من نواحى البيئة التى خلقت لنا هذه المشكلة ، والفلاح من جهة اخرى لايستطيع أن يقبل مايفرض عليه إلا إذا رأى بعينيه ولمس بيديه النتيجة التى نريد أن يصل إليها ، الأمر الذى يتطلب جهداً وصبراً فى بدء هذه المرحلة من حياته.

والمشكلة ضخمة جدا ففى مصر نحو 4500 قرية يسكنها مايقرب من خمسة عشر مليون نسمة ، فإذا كان متوسط عدد أفراد العائلة خمسة أشخاص كان لنا أن نبنى لهم ثلاثة ملايين من المنازل ، وإذا قدرنا لإتمام هذا المشروع عشرين عاما كان علينا أن نبنى 150 ألف منزل فى العام فإذا بلغت تكاليف المنزل 100 جنية كان علينا أن ننفق على هذا المشروع 15 مليوناً من الجنيهات سنوياً ، ونحن إذا ما شرعنا فى بناء هذه القرى من جديد ، وجب علينا أن نعبىء فى سبيل ذلك جميع مرافقنا وقوتنا وإمكانياتنا ، كما يجب علينا أن نضع سياسة عامة للبناء تشمل جميع أنحاء الجمهورية .

وإذا فكرنا فى تمويل هذا المشروع الكبير، وجب علينا أن نبحث بعد ذلك عن مورد القرى والأيدى العاملة ، وقد دلت التجارب ، واهمها ماقامت به الأمم المتحدة ، على ” أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا مابأنفسهم ” فقد دلت هذه التجارب على أن لمساهمة السكان فى مثل هذه المشروعات أهمية إقتصادية وسيكولوجية بالغة ، وهذه الطريقة تعتمد أول ماتعمد على إخراج جيش من المرشدين العمرانيين يكونون همزة الوصل بين مهندس التخطيط والفلاح ، ويقوم هذا الجيش بإرشاد الفلاحين إلى طرق البناء ووسائل تأثيث المنازل والمحافظة عليها ، والمرشد العمرانى فى هذه الحالة لايقل أهمية عن زميله المرشد الزراعى او الإجتماعى للقرية ، إذ هو يعيش فيها ويحس بإحساس سكانها .

ومن الخطوات الرئيسية للمشروع وضع الخرائط التفصيلية بكل قرية من قرى مصر مبيناً عليها نتيجة الأبحاث والإحصائيات التى يجب أن تجرى فيها ، فتبين إستعمال الأرض وحالة المبانى وعدد الأدوار فى منازلها والإمتداد الذى طرأ عليها ، ثم اقسام القرية الإجتماعية أو إحيائها وعائلاتها ، ثم طرق المواصلات المؤدية إليها ، وموقعها بالنسبة للأقليم أو المركز الذى تقع فيه ، ثم تأثير القرى أو المدن المجاورة فيها إقتصادياً وإجتماعياً ، هذا عدا البحث فى طبيعة أرض القرية ثم الإنشاء الإجتماعى لها، ودراسة حالتها الإقتصادية ودخل أفرادها وحالتهم الصحية وما تمتاز به كل قرية وعلى اساس هذا البحث يوضع التصميم الجديد ، وبهذا نكون قد بجثنا جميع الظروف التى أدت إلى هذا المرض المزمن وعلى هذا الأساس أيضاً يوصف الدواء وطريقة العلاج .

ويجب أن نتوخى فى التخطيط الحديث للقرية الحرص على كل شبر من الأرض الزراعية التى هى عماد ثروتنا وإقتصادنا ، كما يجب أن يكون إمتداد القرية بعد ذلك رأسياً لا أفقياً .

وقد نستفيد فى هذه الحالة من ابحاث وتقارير المرشدين الإجتماعيين ، أو الهيئات التى تتولى الإشراف على معسكرات الشباب فى الريف او غيرها من الهيئات ، بل إننا فى حاجة إلى كل مجهود يبذل فى هذا الشأن ، حتى ننهض بريفنا المصرى العزيز .

word
pdf