دور البحث العلمي في بناء الريف

دور البحث العلمي في بناء الريف

01

دور البحث العلمي في بناء الريف

 

 

في الوقت الذي تتفتح فيه الأذهان وتتجه فيه كل الجهود نحو إعادة بناء الريف الذي عانى كثيرا من التخلف. وفي الوقت الذي بدأت فيه المدينة تؤدي بعض ما عليها نحو القرية. تعمل كثير من الأجهزة في الدولة بكل طاقاتها إلى فتح آفاق الأبحاث المختلفة في سبيل إعادة بناء الريف. سواء كان منها من تقف عند بداية الطريق فاقدة بذلك ما فاتها من بحوث أو كان منها ما تؤدي – جاهلة أو متجاهلة – نفس ما تؤديه غيرها من بحوث الأمر الذي يضيع على الدولة كثيرا من طاقاتها الخلاقة في ظروف نحن أشد ما نحتاج فيها إلى جميع الجهود المتضافرة المتكاملة لإعادة بناء الوطن. فلا تزال بحوث القرية تجرى على أساس التقييم الشخصي للمشكلة وتبعاً لوجهات نظر مختلفة سواء أكان ذلك تأثرا بالتخصصات الشخصية أو بمدى الاهتمام الشخصي بالمشكلة. الأمر الذي خلق نوعاً من التشتيت الفكري المختلط في بعض الأحيان بنغمة من اليأس من الوصول إلى النتائج المرضية. فكثيراً ما اجتمعت اللجان المختلفة في هذه الأجهزة وانفضت دون أن تترك ورائها إلا النذر اليسير من الإنتاج العلمي الأمر الذي يستدعي إعادة النظر في معالجة سير مختلف الأبحاث في الطريق الذي يجمع شتاتها ويعمل على تركيزها ويحفظ لها تكاملها في إطار علمي واضح المعالم.
وتختلف طبيعة الأبحاث في هذا المجال عن غيرها من البحوث النوعية التي تسعى وراء نقاط محددة سواء أكان ذلك في مجالات العلوم أو الفنون. ففي الإطار العلمي لأبحاث القرية تتكامل مجموعة من الأبحاث التخطيطية مع مجموعة من الأبحاث النوعية. وذلك في سبيل الوصول إلى هدف البناء الجديد للريف على ضوء السياسة العامة التي ترسمها الدولة للمستقبل الاقتصادي له ومدى تأثر التجمعات السكنية فيه بذلك. وتنقسم الأبحاث التخطيطية بدورها إلى قسمين :
الأول في التخطيط الإقليمي للريف والثاني في تخطيط تجمعاته السكنية. ويعتبر السكن الريفي بعد ذلك النواة الأساسية في كيان هذه التجمعات وعنده تتقابل وتتكامل كافة الأبحاث التخطيطية والنوعية لترسم كيانه الاجتماعي في سكانه وكيانه الطبيعي في تصحيحه وتكوينه.

وفي نطاق التخطيط الإقليمي وعلى ضوء تطور السياسة الزراعية التي ترسمها الدولة للريف يتحدد مستقبل استعمال الأرض. سواء أكان ذلك في النظام الذي يحدد العلاقات التي تربط التجمعات السكنية أو في تحديد الوظائف المختلفة لهذه التجمعات والتي على ضوئها يتحدد مستقبل تخطيطاتها الاجتماعية والطبيعية. ويعمل التخطيط الإقليمي قبل ذلك على دراسة وتحليل الظروف الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية للأقاليم التخطيطية التي ترسمها المقومات الجغرافية أو حجم المشاكل التخطيطية فيها. فالمسح الطبيعي للإقليم يشمل طبيعة الأرض وتضاريسها وتصنيف تربتها ثم قيمتها وطبيعة إنتاجها وكذلك معالمها الطبيعية والمناخية وطرقها وشرايين المياه التي تغذيها وكل ما تحمله الأرض من معالم وموارد طبيعية وبشرية.
ويحدد التخطيط الإقليمي بعد ذلك مدى ما تتحمله الأرض من السكان وبالقدر الذي يحفظ لهم المستوى المعيشي المقبول بالنسبة للظروف المحلية للإقليم كما يحدد في نفس الوقت مقدار الفائض على الأرض والذي يدخل بدوره نطاق التخطيط القومي للدولة. وهكذا يحدد التخطيط الإقليمي مستقبل المعالم الطبيعية لاستعمال الأرض في الريف في ضوء السياسة الاقتصادية ثم مستقبل التكوينات الاجتماعية للسكان العاملين على الأرض الزراعية تبعا لمستقبل تكويناتهم الاقتصادية في تجمعاتهم السكنية المختلفة. وفي نطاق التخطيط الإقليمي يمكن بعد ذلك توزيع الخدمات العامة التعليمية والصحية والتجارية في مختلف التجمعات السكنية مع شبكة الطرق التي تربطها.
وعلى أساس الوظائف المختلفة للتجمعات السكنية ومدى تطورها على ضوء التطور في السياسة الاقتصادية للريف تتحدد الطرق المختلفة لإعادة تخطيطها بحيث لا تفقد طابعها الذي رسمته السنين والأجيال. ومع ذلك يمكن تحديد أحجام الخدمات المختلفة في كل من هذه التجمعات السكنية على أساس التوزيع الإقليمي لها. وتوزع الوحدات السكنية بعد ذلك في الأحياء المختلفة لكل من هذه التجمعات تبعاً للاحتياجات المعيشية للتكوينات الاجتماعية للفئات المختلفة للسكان العاملين بالقرية. وهكذا تتحدد العلاقة بين الكيان الطبيعي والاجتماعي للقرية من جهة وبين الأرض الزراعية كصناعة من جهة أخرى. وهنا تقف الوحدة السكنية كهمزة الوصل بين الأبحاث التخطيطية والأبحاث النوعية.

وتعالج الأبحاث النوعية مختلف العناصر المكونة للكيان الطبيعي للقرية ثم العناصر المكونة للمسكن الريفي كنواة في جسم القرية. فالأسقف بأنواعها سواء منها الحاملة أو الواقية ثم طريقة تصنيعها وتوزيعها وذلك على ضوء المواد الخام التي تدخل في تكوينها في مختلف المناطق والأقاليم. وعلى أساس من الدراسة الاقتصادية في الإنتاج والتسويق. ثم الحوائط بأنواعها وطرق بنائها ومدى عزلها للحرارة أو الصوت وعلاقة ذلك بالعوامل الطبيعية والمناخية والموارد الطبيعية لمواد البناء في المناطق أو الأقاليم المختلفة. وذلك على أساس فصل الكيان الفسيولوجي للفلاح عن الطين الذي لم يعد صالحا بعد لإيواء فلاح المستقبل. وهكذا الحال بالنسبة للأرضيات في المسكن الريفي.
وتشمل الأبحاث النوعية كذلك مختلف التركيبات المعمارية في السكن الريفي. في النوافذ وتصميمها لأغراض التهوية والإضاءة والأمن واتجاه الحياة في المسكن الريفي وتحديد مساحاتها والمواد الداخلة في تصنيعها ثم في طريقة إنتاجها وتوزيعها. وكذلك الأبواب بأنواعها الداخلية والخارجية على ضوء الوظائف التي تؤديها بجانب التهوية والإضاءة والأمن. وذلك يساعد على تحديد حجم صناعة البناء في الريف.
وتنتقل الأبحاث النوعية بعد ذلك إلى المرافق الصحية في المسكن الريفي في طرق بنائها وسعتها تبعاً لعدد السكان واستهلاكهم للمياه. أو في طرق الصرف والتحليل تبعاً لطبيعة الأرض والمناخ كل ذلك في ضوء الطرق المختلفة لتجميع الوحدات السكنية ومصير الفضلات العضوية الناتجة عنها. كما تتعرض الأبحاث النوعية كذلك إلى وسائل الطهي على ضوء طبيعة ونوع الوقود المستعمل ورفع منسوب الخدمة إلى حوالي 90 سم من سطح الأرض حتى ينفصل الكيان الفسيولوجي للفرد عن الأرض الترابية. وبالمثل يتحدد وضع الفرن في المسكن الريفي بالنسبة للمواد الداخلة في الوقود وطبيعة تخزينها وتناولها. كل ذلك على ضوء مستقبل الفرن في المجتمع التعاوني الذي ربما ساعد على اندثاره عندما تثبت المخابز التعاونية أقدامها في القرية الجديدة. وإمكانية إيجاد البديل المناسب للفرن في استعماله لأغراض الخبز والتدفئة.
وتعالج الأبحاث النوعية كذلك المشاكل المترتبة على وجود الحطب الجاثم فوق أسطح القرى. إما عن طريق تصنيعه لإنتاج مواد صالحه في البناء الجديد أو عن طريق تطوير طرق تخزينه وتناوله كمادة للوقود. وهكذا الحال بالنسبة لطرق تحضير واستعمال السباخ البلدي ومخلفات روث المواشي وما يجر ورائه من انخفاض في المستوى الصحي للقرية. وهنا يظهر أمامنا مجالات أخرى من الأبحاث النوعية في طرق إبعاد الفلاح عن مصادر الأمراض المتوطنة. إما بفصله عن القنوات التي تمر بالقرى وتحويل المياه فيها إلى مواسير مغطاة وتهيئة البديل عنها في أحواض للمياه النقية. وقد يتطلب ذلك النظر في طرق السقية وتوزيع المياه بالأرض. أو تنمية الوعي الصحي بين السكان في الريف، وهناك مجال آخر في الأبحاث النوعية الصحية.
وإذا كانت الحظيرة تمثل عنصراً هاماً من عناصر المنزل الريفي فإن الأبحاث النوعية قد تعالج مستقبلها على ضوء التطور الاقتصادي للفلاح وحاجته إلى ماشيته في العمل وعلاقة ذلك باستعمال الآلات في الحقل وتترك الماشية بعد ذلك لأنحاء الثروة الحيوانية. ومن ثم تعالج الحظيرة إما عن طريق فصلها عن المساكن أو إدماجها فيها أو في بعض منها تبعاً للظروف الاقتصادية للسكان.
وتلتقي نتائج الأبحاث النوعية بعد ذلك لتشكل الكيان الطبيعي للقرية ووحداتها السكنية المبنية على أساس التكوينات الاجتماعية للسكان في التجمعات السكنية في المناطق المختلفة من الريف. وهكذا تتقابل وتتكامل الأبحاث التخطيطية والأبحاث النوعية في بناء الريف.

وهكذا يمكن وضع الجهاز التنفيذي للقيام بهذه الأبحاث ومتابعتها بحيث تتم الأبحاث التخطيطية في جهازين يعمل في أولهما مجموعات من التخصصات المختلفة في مجالات الاقتصاد والزراعة والاجتماع والجغرافيا الاقتصادية والمساحة والإحصاء والهندسة يجمعها جهاز واحد للتخطيط الإقليمي يعمل على أساس التوجيه العام للتخطيط القومي للدولة. ويعمل في الجهاز الثاني مجموعة من المخططين والمعماريين والرسامين تعمل بما يمدها به الجهاز الأول من نتائج للدراسات الإقليمية ويضع هذا الجهاز التخطيطات المختلفة لأنواع من التجمعات السكنية في الأقاليم المختلفة كما يرسم أنواع المجموعات السكنية لأنواع

الوحدات السكنية المختلفة على ضوء التصميمات التي تقابل الاحتياجات المعيشية للتكوينات الاجتماعية المختلفة لطوائف العاملين في الريف.
وفي نفس الوقت تعمل وحدات الأبحاث النوعية كل على حده وتحت إشراف واحد وتمد بنتائجها الجهاز التخطيطي الثاني ليعمل على إجراء التطبيقات المناسبة لها في مختلف المجالات تبعا لما يتراءى له على ضوء الدراسات التخطيطية المختلفة ومدى ملائمتها للتطور والنمو الذي يطرأ على الكيان الريفي. وفي نفس الطريق وعلى هدى النظام السابق تستطيع هذه الأجهزة كذلك أن تجري الأبحاث اللازمة لبناء المدن.
على هذا الأساس يتم التناسق بين أجهزة البحث المختلفة بعد تجميعها في جهاز واحد ليضع المبادئ العامة لبناء الريف سواء أكان ذلك في نطاق السياسة الطويلة الأجل أو في نطاق السياسة القصيرة الأجل في إصلاح البيئة. وبذلك تتجمع وتتضافر جميع الجهود في سبيل هدف واحد لبناء الريف السعيد.

word
pdf