مشروع للمناقشة فى برنامج تليفزيونى

مشروع للمناقشة فى برنامج تليفزيونى

01

مشروع للمناقشة….. في برنامج تليفزيوني

د / عبد الباقي إبراهيم

كبير خبراء الأمم المتحدة للتخطيط العمراني سابقا

 

الأهرام الاقتصادى 1994

 

تلقى البرامج التليفزيونية التى تستحدث لمعالجة المشاكل المختلفة التى تواجه مشروعات التنمية العمرانية الاقتصادية والاجتماعية  فى مصر اقبالا جماهيريا واسعا لانها تجمع المخططين والمصممين والمنتفعين والمحايدين معا على مائدة واحدة تطرح عليها المشروعات بكل أبعادها الاقتصادية والاجتماعية وذلك فى ضوء الدراسات الاستطلاعية والمنهجية التى سبقت اعدادها 000 وهنا يدخل المجتمع مشاركا فى اتخاذ القرار بالنسبة للمشروعات المختلفة التى يجرى الاعداد لها فى مناطق مصر المختلفة وبهذه المشاركة الايجابية يسهل على المخطط والمصمم أن يعيد حساباته بالنسبة لواقعية التنفيذ والتطبيق خاصة فيما يرتبط بالرأى العام، كما يسهل على المنتفعين التعرف على طبيعة المشروع والاقتناع بأهدافه بل والمساعدة على دفعه أو المشاركة فى تنفيذه كما يظهر الرأى المحايد موجها ومجمعا لوجهات النظر المختلفة أو المتباينة0 وهذا ما يجرى دائما على شاشات التليفزيون بالنسبة للمشروعات الهامة التى تهم الجماهير فى الدول المتقدمة0

لقد كان السبب فى استحداث هذا البرنامج ما أثير أخيرا حول موضوع نقل سوق روض الفرج الى السوق الجديد فى مدينة العبور ، فالمنتفعون من السوق القديم يعبرون عن عدم موافقتهم على الانتقال الى السوق الجديد بالرغم من كل المغريات والتسهيلات ويساندهم ويساعدهم فى ذلك رؤساء الأحياء التى يقيمون فيها وكذلك ممثلوهم فى مجلس الشعب سواء كانوا مقتنعين بذلك أو للمحافظة على الأصوات الانتخابية 0 ومن ناحية أخرى ينبرى المخططون والمصممون للدفاع عن المشروع كصرح من صروح التنمية الاقتصادية يهدف الى تحسين الأداء فى أسواق الجملة من ناحية وتطوير المناطق المتخلفة بعد ازالة السوق القديم فى روض الفرج من ناحية أخرى0 وهكذا يستمر الجدل والنقاش وطرح الآراء والأفكار على مشروع تم تنفيذه وأصبح واقعا لا يمكن الرجوع فيه أو هدمه أو تحويله الى أغراض أخرى 0000 وهكذا تتعثر الخطوات أمام الاستثمار الكامل للمشروع الجديد 000 وهنا يظهر التساؤل حول قدرة المجتمع على الاختيار خاصة فى مشروع من هذا النوع الذى قد تغلب فيه المنفعة الشخصية للمنتفعين  بالأوضاع الحالية على المنفعة العامة فى الأوضاع المستقبلية0 هنا ينحصر الجدل بين صاحب المنفعة الخاصة من ناحية وصاحب القرار السياسي والتنفيذى من ناحية أخرى وذلك فى غياب طرف ثالث يطرح وجهة نظر الرأى العام0 بهذا التكوين الثلاثى المؤيد والمعارض والمحايد تتضح الرؤيا أمام الجميع0 ومع ذلك فإن مناقشة مثل هذا المشروع الذى تم تنفيذه وأصبح واقعا لا يؤثر فيه جدل بالموافقة أو المعارضة لا بد وأن يدخل طرف محايد من ذوى الخبرة والتخصص حتى تتضح الرؤيا أمام الرأى العام0 وهذا ما يدعو الى ضرورة طرح المشروعات للمناقشة بين الأطراف الثلاثة وذلك قبل تنفيذها وليس بعد ذلك حتى لا تتكرر اقامة المشروعات ثم يتعثر بعضها ويتوقف البعض الآخر0 وأقرب الأمثلة على ذلك ما أصاب مدينة السادات من بطء شديد فى التنمية العمرانية فقد عزف المجتمع عن الانتقال الى المدينة الجديدة بعد بناء عدد من الوزارات فيها، أولها وزارة التعمير نفسها وهى صاحبة الفكر التخطيطى والتنفيذى للمشروع والداعية له لم تستطع بكل وسائلها اقناع منسوبيها للانتقال الى المدينة الجديدة بالرغم من كل المغريات والتسهيلات وبقيت مبانى الوزارات تنعى من بناها الى أن ظهرت فكرة انشاء الجامعة الأهلية فكانت فرصة للتخلص من هذه المشكلة اذا كتب لهذا المشروع الجديد أن يرى النوربصفاء الصدور0 ويجرنا هذا الحديث أيضا الى ضعف قدرة بعض المدن الجديدة عن استقطاب ما كان مخطط له من الاستيطان البشرى0 وأصبحت مناطق منها كثيرة كمدن الاشباح بعد أن أقيمت فيها العمارات والخدمات 0 لقد بدأت أعمال البناء فى المدن الجديدة بخطى واسعة وسرعة كبيرة وآمال طموحة ولكن واقع الحال لم يسعفها لتحقيق هذه الآمال0 وقد يكون السبب ليس فى فلسفة بناء المدن الجديدة ولكن فى عدم وضعها فى اطارها القومى الصحيح ، فهى لا تستطيع أن تنمو أو تعيش بعيدا عما يجرى فى المدن القائمة المكتظة بالسكان0 فالقاهرة تستوعب 40% من استثمارات الدولة بينما تضم حوالى 20% من السكان ،  تنخفض فيها ايجارات المساكن الى درجة لا يمكن لأحد أن يتخلى عنها أو يتركها الى مكان آخر0 تنمو فيها فرص العمل الهامشية بسبب ما يتزايد فيها من أنشطة تجارية وادارية وخدمية ومالية0 ومع أنه تقرر عدم انشاء مصانع جديدة فيها الا أنها لا تتوقف عن النمو وعن جذب مزيد من السكان0 وهذه معادلة لم تجد من يضع لها حلا وهى الموازنة بين عوامل الجذب فى المدن الجديدة وعوامل الجذب فى المدن القديمة التى يجب أن تتوافر فيها عوامل الطرد0 فما كان أجدى أن تطرح مثل هذه المشروعات قبل قيامها فى برنامج مشروع للمناقشة حيث يلتقى المخططون والمصممون بالمنتفعين فى حضور الرأى العلمى والسياسى المحايد ، اذ ليس الهدف من مثل هذا البرنامج هو طرح المشروعات العمرانية الجديدة للاعلام فقط ولكن لمشاركة الرأى العام فى دفعها وتجنيب المجتمع مشاكل كبيرة مثل هذا التكدس الرهيب الذى يصيب المدن القائمة التى تنمو بسرعة رهيبة على الرقعة الزراعية المحدودة التى نشأت عليها المشروعات من معاهد وجامعات ومصانع وادارات وورش وعمارات لن يتوقف زحفها الا بتجميد أحجام هذه المدن عند حد معين بعد فترة معينة يتم البحث أثناءها عن بدائل أخرى الأمر الذى قد يلقى اعتراض البعض وقد يلقى موافقة البعض الآخر المحايد0 وهنا يدخل الرأى المحايد للايضاح0

أن هناك العديد من مشروعات القوانين مطروحة للمناقشة ومنها قانون التخطيط العمرانى فهو مطروح الآن للمراجعة كما يطرح غيره من مشروعات القوانين فلماذا لا تعرض مثل هذه القوانين فى برنامج مشروع للمناقشة يشارك فيه المشرع والمنفذ وأصحاب الرأى  والمواطنون 000 واذا كان هذا من اختصاص مجلس الشعب فللجمهور حق فى المتابعة والمشاركة0

ان برنامج مشروع للمناقشة لا يهدف الى مناقشة المشروعات بعد اقامتها والا فلا فائدة أصلا ولكن يهدف الى مناقشة المشروعات قبل اقامتها 000 وأمامنا مشروعات كثيرة على الطريق 000 منها التجمعات الجديدة حول القاهرة ومنها تعمير شرق البحيرات فى سيناء ومنها تنمية وتعمير الساحل الشمالى ومنها مشروع الاستصلاح الزراعى بشمال سيناء ومنها مشروع الجامعة الاهلية ومنها مشروعات التنمية السياحية كما أن منها مشروع هضبة الاهرام ومنها مشروع نزلة السمان الجديدة 0 ومنها مشروعات الحفاظ على قاهرة العصور الوسطى وانقاذ الآثار000 ومنها مشروعات المتاحف 000ومنها أيضا مشروعات الكبارى العلوية والانفاق السفلية ومنها مشروعات مترو الانفاق 000 ومنها مشروعات مجمعات الصناعات الصغيرة وكذلك مشروعات التوسع العمرانى للمدن القائمة وغيرها وغيرها من المشروعات ، والخطة الخمسية التى يتم الاعداد لها الآن لا بد وأن تكون زاخرة بمئات المشروعات 0 أن مناقشة المشروعات قبل اقامتها يجنبنا الكثير من الاخطاء كما يجنبنا الكثير من الاعباء المالية والادارية والاجتماعية0 إن المشاركة الشعبية فى اتخاذ القرار يساعد على قوة الابصار ، فيها دروس مستفادة للخاصة والعامة000

word
pdf