ورقة عمل للحوار الوطني

ورقة عمل للحوار الوطني2019-11-28T12:23:10+02:00

ورقة عمل للحوار الوطني

آليات إدارة التنمية.. واسلوب اتخاذ القرار

  دكتور/ عبد الباقي إبراهيم

     رئيس مركز الدراسات التخطيطية والمعمارية

 

 

المتتبع لحركة التنمية الإقليمية في مصر على مدى الأربعين سنة الماضية يلاحظ إنها دائما ما كانت تطفو على بحر من الأمواج المتلاطمة تعلو مرة وتنخفض مرة أخرى حتى تفقد قوتها وتتلاشى عندما تقترب من رمال الشاطئ ولا تترك خلفها إلا الزبد.. ثم تعود لتعلو مرة أخرى في حلقات متباعدة تدفعها رياح موسمية تهب عليها من الشرق تارة ومن الغرب تارة أخرى.. وما تلبث أن تهبط مع هبوط الرياح دون أن تترك نتائج واضحة على خريطة مصر المحروسة. فكم من البحوث والدراسات قد أعدت لتخطيط مناطق الدولة أو أقاليمها.. وكم من الدعوات التي انطلقت في الندوات تدعوا لخفض الضغط السكاني الجاثم على الوادي الضيق وتوجيه آفاق التنمية إلى المناطق الجديدة خارج الوادي.. وكم من المبادرات التي أطلقتها بعض الهيئات والوزارات لتعمير البراري والصحاري.. في مديرية التحرير تارة.. والوادي الجديد تارة أخرى.. ثم في إقليم أسوان مرة وفي الساحل الشمالي مرة أخرى.. ثم تتجه موجة التنمية إلى إقليم القنال تارة ثم تتحرك جنوبا إلى ساحل البحر الأحمر تارة أخرى.. ثم تهدأ للتحرك شرقا إلى خليج العقبة وجنوب سيناء ثم شمالا في سيناء.. وتغير الموجة طريقها بعد ذلك لتتجه إلى الوادي الضيق لتغطي القاهرة الكبرى ثم تتسع لتشمل المدن الأخرى في الدلتا والصعيد في إطار سياسة قومية للتعمير.. وتعود الموجة مرة أخرى إلى تنمية سيناء شمالا وجنوبا لتبدأ هيئة تعمير سيناء مشروعاتها العمرانية في كل أرجاء شبه الجزيرة.. وتتغير القيادات وتتغير معها الموجات لتبدأ مرة أخرى في شكل دراسات ومؤتمرات وندوات. وتهبط الموجة بعد ذلك لتقع مرة أخرى في مهب الرياح الشرق أوسطية ثم ترتفع إلى القمة وتشكل لجنة عليا لتنمية سيناء برياسة رئيس الوزراء. وفي نفس الأثناء تهب من الصعيد رياح الإزعاج والارتجاج فتسرع أجهزة الدولة المختلفة بتوجيهات عليا تبحث عن الوسائل الفعالة لتنمية مدن وقرى الإقليم وربطها بمناطق البحر الأحمر حيث التنمية السياحية التي تأخرت بانسحاب سهل حشيش واختفائه من الساحة كما اختفت المشروعات السياحية من مدينة طابا في أقصى الشمال الشرقي لخليج العقبة لأسباب أمنية ودفاعية لا تلبث أن تتحول بقدرة قادر بعد ذلك إلى استثمارات سياحية. وفي بحر آخر تندفع القطاعات الأخرى تسعى إلى تنمية المناطق الزراعية واستصلاح الأراضي على أطراف الوادي وفي شمال سيناء مع وصول القطرات الأولى لترعة السلام… هذا في الوقت الذي تمتد فيه مدن الوادي وقراه على الأراضي الزراعية القديمة بعشوائية فائقة دون توقف أو تخوف من أي قانون. ويستمر إخطبوط العمران يأكل الخير ويطلب المياه والكهرباء وتأتي المياه بلا صرف صحي ثم يأتي الصرف الصحي ليزيد من التلوث البيئي وتختلط مياه الشرب بمياه المجاري. وتمد الطرق وتتسع على الآراضي الزراعية لتجذب معها الأنشطة الصناعية والتجارية والسكنية التي تبتلع ما بقى من خير الأرض. وعلى جانب آخر تبحث وزارة التعمير والإسكان عن محاور عمرانية جديدة تخصصها لمدنها الجديدة كما خصصت لغيرها أراضي للاستصلاح الزراعي وأراضي للتنمية السياحية وأراضي أخرى لقوات الأمن وخصصت الأراضي المتبقية للقوات المسلحة التي تنتشر في كل الأرجاء تبعا لمتطلبات الدفاع المتنامية.

وإن دل كل ذلك على شيء فإنما يدل على عدم استقرار واستمرار العملية التخطيطية في غياب البعد الإداري والتنظيمي للتنمية القومية المتكاملة اقتصاديا واجتماعيا وعمرانيا. إذ تتشابك الخيوط بين التخطيط والتنفيذ وبين الإدارة المركزية والإدارة المحلية. الأمر الذي أدى إلى توالي الدعوات على مدى الثلاثين عاما الماضية لضرورة وضع استراتيجية قومية ورسم خريطة مصر المستقبل تتم في إطارها كل مشروعات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية. فأخذت بعض الوزارات المبادرة كل بأسلوبها الذاتي ورؤيتها الخاصة. فلوزارة التخطيط رؤيتها الاقتصادية الاجتماعية ولوزارة التعمير رؤيتها العمرانية ولوزارة الحكم المحلي رؤيتها الإدارية. وهكذا تتشابك الخيوط مرة أخرى ولا تجد من يحلها ويضيع الطريق بذلك أمام متخذ القرار. ومع ذلك تبقى اليد العليا لوزارة التخطيط التي تمتلك القدرة على توزيع الاستثمارات على القطاعات والمحافظات المختلفة وذلك في إطار برامج التنمية الخمسية والموازنات السنوية. وتسعى كل جهة للحصول على اكبر قدر ممكن من الاستثمارات لتلبية متطلباتها المحلية أو القطاعية العاجلة في غياب الرؤيا المستقبلية وعوائدها القومية. وعندما يستفحل الخلاف بين قطاع وآخر أو بين المركزية والادارة المحلية ينتقل الخلاف برمته إلى الرياسة التنفيذية والسياسية لاتخاذ ما تراه لفك الاشتباك بينهما والذي ينتهي باستقلال كل جهة بنطاقها التنموي والمكاني وهنا يضيع التنسيق والتكامل بين الجهات مرة أخرى. وترتفع بعد ذلك الدعوات مرة أخرى بضرورة إيجاد إستراتيجية قومية تتحرك في إطارها كل القطاعات وتلتزم ببرامجها وأهدافها. وتعاود الساقية دورانها مرة أخرى في الهواء دون أن تأتي بجديد. ومع ذلك تسير الأمور بقوة الدفع الذاتي والرغبة في الحياة فلا يقنع العلماء والمخططون بالأوضاع.. فتجتمع المجالس القومية المتخصصة الغنية بالخبرات لتدلي بدلولها في إصدار أوراق الدراسات في المجالات المختلفة دون أن تجد لها السبيل الذي يحولها إلى واقع ملموس.. وتعقد الندوات والمؤتمرات التي يتبارى فيها العلماء والمخططون بتقديم بنات أفكارهم في مجالات التنمية المختلفة اقتصاديا أو اجتماعيا أو عمرانيا ويصدروا ما يترائى لهم من قرارات وتوصيات وهم لا يدركون مدى فعالية هذه التوصيات وكأنهم يتحدثون إلى أنفسهم تنفيسا عما يدور في خلدهم من آراء حتى لا يصابوا بالسكتة العلمية. وبالرغم من محاولات الوزارات المختلفة لايجاد صيغة جديدة للتنمية الاقليمية سواء بتقسيم الدولة إلى أقاليم تخطيطية أو مناطق تنمية عمرانية أو مناطق سياحية أو زراعية إلا إنها لم تصل إلى صيغة عملية. مع أن معظم المشاركين في وضع كل هذه الصيغ هم نفس الخبراء ونفس العلماء الأمر الذي يمثل إهدارا للوقت والمال ويكرس الانفصال الشبكي بين الأجهزة المعنية التي لا تريد قيادتها أن تجلس على المائدة المستديرة بهدف البحث عن التكامل أو حتى عن التنسيق وهو أضعف الإيمان.. وتتغير القيادات وتتغير التوجيهات وتتلاشى عبقريات قديمة وتظهر عبقريات جديدة تقذفها الأقدار دون أن يكون لها اقتدار ويستمر الخبراء والعلماء يدورون حول أنفسهم دون تحقيق أى هدف وقد يخرج بعضهم من اللعبة ويستمر البعض الآخر في الدوران حتى الدوخان وتتبادل القيادات الكراسي الموسيقية وتستمر الأوضاع المأسوية.

في هذا البحر المتلاطم بأمواجه العاتية التي تحركها التيارات والأهواء تغيب الآليات الإدارية للتنمية القومية والإقليمية والمحلية بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية. فليس المهم هنا إجراء الدراسات بتجميع البيانات التخطيطية وتحليلها وتحديد مستقبليات ومراحل التنمية في قوالب من المجلدات والمخططات والجداول والخرائط ولكن المهم هو إيجاد الآليات التي تضمن استقرار واستمرار العمليات التنموية وتواصلها. وإذا كانت بعض القيادات التنفيذية قد بدأت تدعو لأهمية الإدارة في التنمية بأسلوب إدارة المشروعات إلا أن ذلك المفهوم يختلف كثيرا عن إدارة التنمية المتكاملة على المستويات القومية والأقليمية والمحلية الأمر الذى يتطلب إعادة صياغة تنظيم وإدارة أجهزة الدولة على المستويات الثلاثة بحيث تتكامل في إطارها برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية وتعمل من خلالها القطاعات المختلفة كل في اختصاصها ويتم ذلك بالمنهج التكاملي بعد ما ثبت عدم جدوى المنهج التنسيقي. الأمر الذي قد يتطلب الجمع بين

 أجـهزة التنمية الأقتصادية والأجتماعية والعمرانية فى جهاز مركزى واحد له فروعه على المستويات الأقليمية والمحلية. تعمل كل منها  بالتواصل مع المجالس المحلية لاتخاذ القرارات . الامر الذى يتطلب  من ناحية أخرى تحديدا لاسلوب اتخاذ القرار على المستويات التنموية المختلفة وهو ما يتصل بالتالي بنظام الحكم المحلي أو الإدارة المحلية وما تتطلبه من تطابق حدود الأقاليم التخطيطية بالحدود الادارية. والأقاليم التخطيطية بطبيعتها لابد وأن تضم كل منها مناطق التنمية الجديدة والمناطق العمرانية القديمة حتى يمكن توفير الطاقة السكانية للمناطق الجديدة من الفائض السكاني في المناطق القديمة الأمر الذي يتطلب تحريك السكان بواسطة آليات خاصة : إجرائية واقتصادية واجتماعية تتم في إطار آليات إدارة التنمية على المستويات المختلفة. وهو ما يتطلب من ناحية أخرى وعيا تخطيطيا تقتنع به المجالس القومية المحلية حتى تكون قادرة على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب. وحتى لا تتكرر التجارب السابقة التي أدت إلى الأوضاع العمرانية القائمة والتي لا يزال يسعى فيها المحافظ إلى استقطاع ألف فدان من الأراضي الزراعية لبناء جامعة تحمل إنجازه على حجر الأساس ويسعد بها أصحاب المصالح الخاصة التي تدفع المجالس القومية لاتخاذ القرارات التي تتعارض مع الرؤية المستقبلية لاستراتيجيات التنمية القومية. والتي لا يزال فيها الانفصال بين أجهزة التخطيط العمراني التي تعمل في حدود الأقاليم التخطيطية وأجهزة التخطيط الإقليمي التي يفترض وجودها. والتي لا تزال فيها تكرار أجهزة البيانات والمعلومات المركزية والمحلية الأمر الذي أدى إلى إنشاء جهاز خاص للمعلومات يصبها مباشرة في مجلس الوزراء لمعاونته على اتخاذ القرار مع وجود جهاز آخر للتعبئة والاحصاء فى مكان آخر يصب بياناته مباشرة فى وزارة التخطيط. وذلك بالإضافة إلى أجهزة البيانات والمعلومات القطاعية التي تعمل بطرق مختلفة في الشكل والاسلوب الأمر الذي يزيد من إهدار الكفاءات والموارد. وتضيع بذلك فرص التكامل أو التنسيق بين الأجهزة القطاعية والأجهزة التخطيطية.

إن إدارة التنمية القومية والإقليمية تتطلب تقليصا جادا لعدد الوزارات على المستوى المركزي يقابلها مجالس تنفيذية على المستوى الإقليمي تضم نفس العدد لنواب الوزارات المقابلة على المستوى المحلي. هذا بخلاف الأجهزة التخطيطية التي تعمل بالتالي على المستويات القومية والإقليمية والمحلية. الأمر الذي يتطلب توصيفا للعلاقات الوظيفية التبادلية بين الأجهزة التخطيطية على المستويات المختلفة كما يتطلب توصيفا للعلاقات الوظيفية التبادلية بين الوزارات ونظيراتها بالنيابة عن المستويات الاقليمية. وهنا يقل عدد المحافظات الستة والعشرين إلى سبع أو ثمانية من الأقاليم التخطيطية الادارية. لكل مجلسه المحلي ومجلسه التنفيذي وجهازه التخطيطي الأمر الذي يساعد على تكامل التنمية بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية في كل المستويات التخطيطية. وهنا يتم الفصل بين دور متخذ القرار السياسي ودور متخذ القرار العلمي التخطيطي ومتخذ القرار التنفيذي حتى لا تتغير الاستراتيجيات بتغير القيادات وحتى تستقر الادارة التنفيذية وتسترجع قدرتها وقوتها التي فقدتها على مدى الأربعين سنة الماضية أمام سلطة القيادات السياسية وجمعها للقرار الفني والسياسي والتنفيذي معا. وهكذا تستقر العملية التنموية وتستمر وتتواصل في دورات متتالية من التخطيط والتنفيذ والمتابعة والتقويم ثم إعادة التخطيط وهكذا. وبذلك تأخذ الخطط مقوماتها الواقعية ولا تبقى مجرد نظريات ودراسات وتوصيات ما تلبث أن تفقد قدرتها على الحركة. وبذلك تتطور المناهج التخطيطية والتنموية التي تتوافق مع متطلبات آليات العملية التنموية المتكاملة الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية كما تأخذ به الدول المتقدمة. وبذلك يتم وضع المعايير لاختيار القيادات على كافة المستويات. وفي الإطار التنظيمي لإدارات التنمية القومية والإقليمية والمحلية يتحدد اسلوب إدارة وتنمية المدن القديمة والمدن الجديدة على مدى مراحل نموها حتى تبلغ سن الرشد وتتطور اداراتها كإدارة المدن القديمة بعد استرجاع نظام البلديات. وفي إطار آليات إدارة التنمية أيضا توجه الاستثمارات إلى حيث ما يجب أن يكون الناس وليس إلى حيث ما يهم. وفي نفس الوقت يتحدد دور الإدارة المحلية الجديدة على مستوى الإقليم التخطيطي في تدبير مواردها المحلية وذلك برفع تكلفة الخدمات والمرافق العامة في المناطق القديمة الطاردة عنها في المناطق الجديدة الجاذبة. حتى ولو تطلب الأمر منح بعض الخدمات أو أراضي البناء دون مقابل في المناطق الجديدة. كما تصبح مشروعات الإسكان الجديدة مرتبطة بمشروعات الإنتاج والخدمات في هذه المناطق الجديدة وإليها يتم تحريك سكان المناطق العشوائية في المناطق القديمة حيث يمكنهم تطبيق نفس الآليات التى إستخدموها للبناء فى مناطقهم القديمة ولكن فى إطار أكثر تنظيما وتخطيطا مع زيادة فرص المشاركة الشعبية والإقلال من تدخل الدولة إلى أقل الحدود. وعلى جانب آخر تتطور آليات إدارة التنمية على المستويات القومية والإقليمية والمحلية بحيث تصبح الموجه الرئيسي لتطوير نظم الإدارة القطاعية سواء في مجال الخدمات أو الإنتاج. وكل ذلك سوف يساعد على استمرارية الآثار الايجابية المترتبة عن الإصلاح الاقتصادي. وبذلك يتحقق مفهوم الإدارة المحلية. كما تنمو القيادات التخطيطية والسياسية والتنفيذية على المستوى المحلي والقادرة على دفع حركة التنمية والتعمير كل في إقليمها التخطيطي الإداري بعيدا عن أكتاف القاهرة التي تئن من المركزية القاتلة والمعوقة لآليات التنمية المستقبلية لمصر والجاذبة لكل المشاكل الاجتماعية والأمنية.

إن حجم وعدد المحافظات الحالية- فيما عدا القاهرة الكبرى – لم يعد الحجم المناسب لإدارة التنمية الإقليمية كما لا يعقل أن تدار القاهرة الكبرى كإقليم تخطيطى إدارى تضم خمسة عشر مليون نسمة بنفس الأسلوب الذى يدار به إقليم تخطيطي وإداري آخر. لقد حان الوقت أن يصبح للقاهرة الكبرى التي تضم مدينتي القاهرة والجيزة والأجزاء الجنوبية لمحافظة القليوبية جهازا خاصا يتبعه عدد من البلديات المحلية توكل إليها الإدارة العمرانية للأحياء المختلفة. مع اعتبار القاهرة الكبرى إقليما طاردا أكثر منه جاذبا كما هو عليه في الوقت الحاضر. وهنا تدخل الضرائب المحلية وتكاليف الخدمات عنصرا هاما في دفع السكان إلى المناطق الجديدة التي تعفي من الضرائب وحيث تتوفر فرص السكن والعمل معا على أن تتوقف تماما في إقليم القاهرة الكبرى. فمن يريد أن يتمتع بمزايا القاهرة الكبرى من وسائل نقل العام أو الصرف الصحي أو المياه أو الجامعات والمدارس والمستشفيات أو المراكز الإدارية والتجارية والترفيهية فليدفع نصيبه كاملا فيها ويعفى بذلك المواطنون المقيمون في المناطق الأخرى من أعبائها تحقيقا لعدالة توزيع الخدمات والاستثمارات. فالقاهرة التي تضم 20% من سكان الدولة تمتص 40% من الموازنة العامة.. وعلى الجانب الآخر من الصورة فإن قوانين الإسكان الجديدة التي تسعى إلى توازن العرض والطلب على الإسكان سوف تعمل على جذب السكان إلى المناطق الجديدة حيث تمنح الأراضي للبناء ويقوم الأهالي بمد المرافق العامة فيها من فائض مدخراتهم بنفس الآليات التي أفرزت المناطق العشوائية ولكن باسلوب أكثر تنظيما وتخطيطا.

وهناك مستوى آخر من مستويات إدارة التنمية يقع بين المستوى المحلي ومستوى المشروع وهو مستوى مناطق التنمية التي تضم نوعيات متجانسة من المشروعات المتكاملة سياحية وترفيهية وفندقية أو إدارية وسكنية وتجارية أو سكنية وصناعية وزراعية أو غير ذلك من المجموعات المتكاملة من المشروعات في قطاع مكاني واحد وفي هذا المستوى تتم إدارة التنمية من خلال هيئات خاصة بالتنمية المتكاملة التي تتعامل مع أكثر من نوعية واحدة من الاستثمار كما هو الحال بالنسبة للشركات المتخصصة. وهناك كثير من الأمثلة لإدارة التنمية المتكاملة على مستوى القطاع المكاني مثل هيئة تنمية منطقة مينا ولندن القديم (دوكلاند) وهيئة تنمية جانب نهر الميرزي في ليفربول أو هيئة تنمية البيلك في جنوب تركيا والتي تضم 26 مشروعا أو هيئة تنمية حوض نهر التنسي في أمريكا.. وغيرها العديد من هيئات التنمية التي بدأت تنتشر مثيلاتها في دول النمور الخمس في جنوب شرق آسيا وتدار بالمفهوم التنموي الاستثماري وهو ما يمكن تطبيقه على بعض المدن الجديدة أو على مناطق التنمية الساحلية أو مناطق التنمية الصحراوية أو محاور التنمية الوديانية.. أو غيرهما.. حيث ترتبط إدارة التخطيط بإدارة التنفيذ مباشرة بمنهج استثماري اجتماعي في إطار الاستراتيجية القومية وبعيدا عن الروتين الحكومي.

أما بالنسبة لأسلوب اتخاذ القرار فهو لابد وأن ينبع أساسا من السياسة العامة للدولة ونظام إدارة الحكم فيها على المستويات المختلفة. من هنا كانت الدعوة لديمقراطية القرار النابع من القاعدة الشعبية خاصة فيما يرتبط برغبات المجتمع ورؤيته المستقبلية والتي تختلف باختلاف مستوى ثقافته والوعي التخطيطي لديه. الأمر الذي يتطلب قدرة المخطط على توعية الفئات المستهدفة حتى لا يختلف القرار الفني عن القرار السياسي أو يتعارض معه. إذ كثيرا ما يكمن اتخاذ القرار في شخصية القيادة مفردة الأمر الذي كثيرا ما يفقد الأجهزة الفنية قدرتها على العمل أو الانتاج او حتى على التفكير خاصة عندما تتغير القيادات وتأتي القيادة الجديدة تحاول أن تفرض قراراتها التي تتعارض مع قرارات القيادة السابقة ويبقى الجهاز الإداري والفني الدائم منفذا للأوامر وليس محركا للأمور. وفي كثير من الأحيان تقف الأجهزة الإدارية الدائمة عاجزة عن الحركة وفاقدة القدرة على التقدم أو الاجتهاد أو حتى إبداء الرأي.. وهنا يختلط القرار السياسي بالقرار الفني وتصبح القيادة هي المحرك الوحيد للأمور سياسيا وفنيا بالرغم من عدم التخصص في معظم الأحيان. وانفراد القيادة بتحريك الأمور بهذه الصورة يضعها في نظر الإدارة العاجزة وكأنها صاحبة الأمر والنهي وإليها ترجع كل الأمور الأمر الذي يتطلب إعادة النظر في تطوير أسلوب اتخاذ القرار سواء بالمشاركة الفكرية الجماعية وذلك من خلال برامج التدريب والتمرس والمحاكاة قبل الانتقال إلى واقع الممارسة العملية. كما تعني به المؤسسات الأجنبية التي تعمل على تأهيل القيادات الفنية والسياسية من خلال برامج علمية وعملية خاصة في برامجها التعليمية. كما يظهر ذلك في برامج التربية الأساسية للنشأ في شكل جماعات المناقشة وكذلك في البرامج التليفزيونية في شكل حوارات تعمل على ترسيخ ديمقراطية القرار أو الشورى في القرار.

إن تطور آليات إدارة التنمية وتنظيم اسلوب اتخاذ القرار على المستوى القومي والاقليمي والمحلي هو مفتاح الدخول في القرن الحادي والعشرين.. وهو الضمان لاستمرارية الآثار الايجابية للإصلاح الاقتصادي وهو السبيل لمواجهة المتغيرات الشرق أوسطية أو الدوافع الآسيوية الغربية. بل هو السبيل لاستقرار الأمن والأمان الأمر الذي لا يتطلب انتظارا لما سوف تسفر عنه الدراسات والبحوث وإعداد المجلدات والجداول والخرائط والتوصيات بقدر ما تتطلب القرار السياسي لاعتماد المنهج والاسلوب وأسس بناء الآليات القادرة على دفع التنمية على المستوى القومي والإقليمي والمحلي تخطيطا وتنفيذا. فقد استمرت البحوث والدراسات المستفيضة عشرات السنين في موجات متلاحقة لم تترك ورائها إلا الزبد إذ لم تكن موجهة في البداية إلى متخذ القرار السياسي بشأنها أولا حتى تستمر وتجد سبيلها للتنفيذ ولذلك فقدت قوتها الدافعة. لقد آن الأوان لاستصدار القرار السياسي أولا بالنسبة للمنهج والاسلوب حتى يمكن أن تتم بعد ذلك الإجراءات والخطوات التنفيذية لوضع الاستراتيجية القومية للتنمية والتعمير ورسم خريطة مصر المستقبل.

word
pdf